الأرشيف

المصريونَ هم المسئولونَ عما يحدثُ لهم

المصريونَ هم المسئولونَ عما يحدثُ لهم
بقلم 
 عماد ابو هاشم
المستشار عماد أبوهاشم
دائمًا مَنْ يُقدِمُ على فعلٍ فى الحياةِ السياسيةِ يَحسِبُ بدقّةٍ ردَّ الفعلِ الشعبىِّ إزاءَ فِعلهِ ، إلا فى مِصرَ المحروسة فإن الأمرَ يختلفٌُ كليَّةً وينحرفُ مائةً وثمانينَ درجةً عما هو سارٍ فى كلِّ بلادِ العالمِ ، فيُمكنُ لمَنْ يَقبضُ زمامَ الأمرِ فيها أن يفعلَ ما يشاءُ أينما يُريدُ ووقتما يُريدُ دون أن يسألَه أو يعترضَ عليهِ أحدٌ ، لذلك إذا هَمَّ الحاكمُ بأمرٍ أسقطَ إرادةَ الشعبِ كليَّةً وكأنَّه طفلٌ ناقصُ الأهليَّةِ يتبوُّلُ على نفسِهِ فرض وصايتَه عليهِ ، أو مغتوهًا يهذى لا أهليَّةَ له حَجَرَ على مالِه .
فى مصرَ المحروسة لا سياسةَ ولا ديمقراطيةَ ولا شيئَ على الإطلاقِ سوى الأمرِ المُطلَقِ مِنَ الحاكمِ المُطلَقِ لمَنْ فى نظرهِ لا يرقونَ لمرتبةِ العبيدِ ؛ لأنَّ للعبيدِ حقوقًا نظَّمها الشَّرعُ وأمرَ بها الدينُ أما المصريون فلا حقوق لهم عندهُ بل لا وجود لهم فى حساباتِه مِنَ الأساسِ ؛ لأنَّه بالكادِ يراهم أويُحسُّ بهم ، والعبيدُ مَنْ كلِّ أجناسِ الأرضِ حكموا مصرَ قرونًا تخت ما يُسمَّى دولةُ المماليكِ فوضعوا شعبَها فى منزلةٍ أدنى مِنْ منزلةِ العبيد التى ينتمون إليهم ، وأقولُ للحقِ ليس الحكامُ فى مصرَ هم المسئولونَ عن ذلك بل المصريونَ أنفسُهم ، الحكامُ ورثوا مصرَ والمصريينَ لا حقوقَ لهم ، لم يُطالبوهم بشيئٍ كما لم يُطالبوا سابقيهم ، لم يَختاروهم كما لم يَختاروا سابقيهم ، آثروا الصمتَ حيثُ يُطلبُ منهم الكلامُ ، واختاروا الخضوعَ الأبدىَّ للحاكمِ مهما كان شخصهُ ومهما فعلَ فيهم ، بل أنزلوه منزلة العصمةِ والقداسةِ ، ودرّبوا أعينَهم على رؤيةِ البغالِ والحميرِ غزلانًا وأيائلَ ، و دوْزَنُوا آذانَهم على الطربِ لأصواتِ البومِ والغربانِ كأنها بلابلٌ صدَّاحةٌ وكَراوِنُ مغرَّدةٌ ، وضَبطوا أنُوفَهم على تَقبُّلِ رائحةِ المجارى التى تُغرِقُ شوارعَ مصرَ كأنها الوردُ والياسمينُ .
المصريون أنفسُهم يعترفونَ أنَّه لا حقوقَ لهم عند حكامِهم ، وأنَّ حكامَهم يقتلونَهم من أجل مصلحتِهم ولحمايتِِهم من أنفسِهم الشريرةِ ، ويسرقونَهم ليعوِّدُوهم على الصبرِِ ، ويَطمئنونَ أنَّ الأموالَ المنهوبةَ يدَّخرُها الحكامُ لهم فى بنوكِ أوروبا وأمريكا ، ويَنسِبُون دائمًا أخطاءَ وعيوبَ الحكامِ لأنفسِهم ، الحكامُ قى نظرِِهم ملائكةٌ عالونَ ، أما هم – فى نظرِ أنفسِهم – فأبالسةٌ وشياطينٌ ملاعينٌ ، لذلك يُفَبِّلُونَ أيديَهم وأرجلَهم أنَّهم رَضُوا أن يحكموهم ، ويعتبرون ذلك القبولَ منهم تنازلًا وتواضعًا لا يستحقُّونَهُ ، وإذا ارتفع صوتُ المصريينَ يومًا كما حدثَ فى يناير 2011 سعى هؤلاءِ المنبطحونَ – ولو كانوا قِلَّةً – إلى فرضِ الصمتِ على الأغلبيَّةِ الثائرةِ ولو بالقوةِ ، لكن يبدوا – هذه المرّة – أنَّ المصريينَ قد تغيَّروا بالفعل ، لأنَّ الأغلبيَّة الثائرة مازالت ثائرةً تتحدّى بصمودِها الموتَ ، وتفلبُ بتماسكِها موازين التاريخِ رأسًا على عقبٍ .

المستشار عماد أبوهاشم رئيس محكمة المنصورة – عضو المكتب التنفيذى لحركة قضاة من أجل مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى