كتاب وادباء

المسؤولية تكليف… لا تشريف

بقلم الكاتب الكبير

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* المسؤولية تكليف واختبار وابتلاء . يظن  البعض أن المسؤولية , أيا كانت هذه المسؤولية صغيرة أم كبيرة , وجاهة وعظمة وأبهة واستقبالات رسمية على سجادات  حمراء وردية . يظنون ظن السوء أنها مكاسب دنيوية , وخطب ووعود وعهود وقتية , يتبعها تصفيق بألف سلام وألف تحية . يظنون أنها أزياء أوربية وعطور وروائح فرنسية ورابطة عنق أجنبية . ونسوا أنها أمانة وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها . المسؤولية أمام الله وأمام الناس تكليف لا تشريف . ليست المسؤولية نزهة خلوية فى ليلة قمرية على شواطئ المصايف الليلية . هى كالدين , هم بالليل وذل بالنهار . كيف يهنأ أى مسؤول أيا كان موقعه صغيرا أم كبيرا , وزيرا أم غفيرا  بلذاتها , وأمامه وخلفه وعن يساره ويمينه , ومن تحت قدمه ومن فوق رأسه   ملايين العاطلين من الشباب. ملايين المرضى الذين لايجدون ثمن العلاج , وملايين تحت خط الفقر . وملايين الأميين الذين لايقراون ولا يكتبون. وملايين يسكنون القصور وآخرون يفترشون أرض القبور . كفاكم أيها المسؤولون فى مواقعكم المختلفة قول الله تعالى ” وقفوهم إنهم مسؤولون ” أرأيتم كيف…؟

السعيد-الخميسى
* فهمها عمر بن الخطاب وخاف منها وارتعدت فرائسه من تبعاتها .
عندما مرض رضي الله عنه يوما ما, فوصفوا له العسل كدواء. وكان بيت المال به عسلاً جاء من البلاد المفتوحة فلم يتداوى عمر بالعسل كما وصف الأطباء إلا بعد أن جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس وقال لهم-” لن أستخدمه إلا إذا أذنتم لي، وإلا فهو علي حرام . فبكى الناس إشفاقا عليه .. وأذنوا له جميعاً .. ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر . هو نفسه عملاق الإسلام  الذي يروى عنه أن زوجته دخلت عليه عقب توليه الخلافة فوجدته يبكي، فقالت له: ألشيء حدث؟ قال: لقد توليت أمر أمة محمد صل الله عليه وسلم .. ففكرت في الفقير الجائع و المريض الضائع و العاري المجهول و المقهور و المظلوم و الغريب و الأسير و الشيخ الكبير .. وعرفت أن ربي سائلي عنهم جميعاً.. فخشيت…. فبكيت . تلك هى الخشية من تبعات المسؤولية أمام الله يوم العرض والحساب .

* فى رسالة بعث بها الخليفة الورع الزاهد عمر بن عبد العزيز، بعد أن تولى
الخلافة، إلى الحسن البصري يطلب منه فيها أن يوافيه بصفات الإمام العادل، فإذا بالحسن البصري يكتب إليه رسالة بليغة، ناصحا مخلصا، تصلح لان تكون دستورا لأى مسؤول تولى أمر الناس فى أى زمان ومكان . قال الحسن البصرى ”  اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعى الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذى يرتاد لها أطيب المراعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنها من أذى الحر والقر.  والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحانى على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم فى حياته، ويدخر لهم بعد مماته.  والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربته طفلا تسهر بسهره وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.  

·       والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصى اليتامى، وخازن المساكين، يربى صغيرهم، ويمون كبيرهم، وهو كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده، وهو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله عز وجل، كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر.
* إن انتشار الفساد فى البلاد هو نتيجة سوء اختيار المسؤولين الذين يحولون المنصب إلى مكاسب لهم ولأفراد أسرتهم وذويهم وأقاربهم . فيوسد الأمر إلى غير أهله . وإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . وقد عان وطننا منذ عشرات السنين من هذه النكبة القاصمة والكارثة الفاصلة .
من باب التذكير بتاريخنا الناصع البياض , أذكر بفقه خامس الخلفاء الراشدين “عمر بن عبد العزيز” كيف كان يختار  من يتولى أمور الدولة .  لقد كان أول خطوة قام بها هو أنه عندما تولى مقاصد الحكم , عزل جميع القضاة والولاة الظالمين فى العهود السابقة , فعزلهم عن مناصبهم، ومنهم” خالد بن الريان “، وصاحب حرس سليمان بن عبد الملك الذي كان يضرب كل عنق أمره سليمان بضربها. وعين محلهعمرو بن مهاجر الأنصاري “. وقالعمر بن عبد العزيز“: يا خالد ضع هذا السيف عنك، اللهم إني قد وضعت لك خالد بن الريان، اللهم لا ترفعه أبداً. ثم قال لعمرو بن مهاجر: والله إنك لتعلم يا عمرو إنه ما بيني وبينك قرابة إلا قربة الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة. خذ هذا السيف قد وليتك حرسي.
*
وكلمتى الأخيرة ونصيحتي المخلصة لكل مسؤول فى هذا الوطن أن يتقى الله فى فى خلق الله الضعفاء , وأن يعلموا جميعا أن التشبع من المال العام جريمة , ودماء الناس وأعراضهم وأموالهم أمانة فى رقابهم .  واعلموا أن خير الأعمال أن تبنوا ولاتهدموا , تصلحوا ولاتفسدوا  . وخير الأموال ما أخذت من الحلال وصرفت فى النوال . وشر الأموال ما أخذت من الحرام وصرفت فى الآثام. وخير السياسة ما قامت على الكياسة, وشرها ما قامت على الدناسة. فقدموا مصلحة الوطن على مصالحكم الشخصية. واعلموا أن راكب السلطة كراكب الأسد , الناس تخشاه وهو يخشى الأسد . واعلموا أن الله يعلم مافى أنفسكم فاحذروه. واعلموا أنكم موقفون ومحاسبون على الصغير والكبير , والفقير والمحتاج والمريض والجائع  .

اللهم بلغت… اللهم فاشهد .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى