تقارير وملفات إضافية

المرشد الأعلى أراد أن تنتقم إيران بنفسها لمقتل سليماني، وهذا ما حدث بالفعل، ولكن!

لأول مرة هاجمت إيران هدفاً أمريكياً بشكل مباشر بعد أن أطلقت صواريخ باليستية على قواعد عراقية تتواجد فيها قوات أمريكية، وهذا يعتبر تحولاً استراتيجياً في السياسة الإيرانية يمكن قراءته من أكثر من زاوية، فما هي القصة؟

صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية كانت قد نشرت، أمس الثلاثاء 7 يناير/كانون الثاني، تقريراً بعنوان: «خامنئي يريد أن تنتقم إيران بنفسها من مقتل سليماني»، ألقت فيه الضوء على الظهور النادر للمرشد الأعلى على خامنئي في اجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني في الساعات التي تلت اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني بضربة صاروخية أمريكية.

اجتماع مجلس الأمن الإيراني كان الهدف منه دراسة خيارات الرد ووضع المعايير لتلك الخيارات أو بمعنى أدق وضع الخطوط الحمراء على ذلك الرد الانتقامي حتى لا تصل الأمور لدرجة المواجهة العسكرية الشاملة، وبحسب تقرير الصحيفة، ذكر ثلاثة إيرانيين على دراية بالاجتماع الذي عُقِد يوم الإثنين 6 يناير/كانون الثاني، إنَّ خامنئي قال إنَّ الرد الانتقامي يجب أن يكون هجوماً مباشراً على المصالح الأمريكية ومتناسباً مع عملية الاغتيال، وأن يُنفَّذ علانيةً بأيدي القوات الإيرانية نفسها.

يُمثِّل ذلك انحرافاً مذهلاً للقيادة الإيرانية عن تقاليدها، فمنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في عام 1979، كانت طهران تُخفي هجماتها بصورةٍ شبه دائمة وراء تصرُّفات وكلائها الذين كانت تزرعهم في جميع أنحاء المنطقة، لكنَّ الغضب الناجم عن مقتل سليماني، الحليف المقرب إلى المرشد الأعلى وصديقه الشخصي، جعل خامنئي مستعداً للتخلي عن تلك التحفُّظات التقليدية.

وأمس الثلاثاء، ظهر الغضب الشعبي على وفاة سليماني بوضوحٍ شديد، إذ احتشد ملايين الإيرانيين في شوارع طهران لتشييع جنازته، فيما بكى خامنئي علناً على جثمانه.

وبعد أسابيع من الاحتجاجات العنيفة في جميع أنحاء إيران ضد الفساد وسوء الحكم، سار الذين انتقدوا الحكومة جنباً إلى جنب مع الذين ساندوها، ويبدو أنَّ الغضب تجاه مقتل سليماني وحَّدهم. فيما اكتظت عربات مترو الأنفاق ومحطاته بالمشيعين قبل ساعات من الفجر، وأصطحبت العائلات أطفالاً يحملون صوراً لسليماني.

ومن جانبه قال السياسي الإصلاحي صادق خرازي إنَّه لم ير جموعاً بهذا الحجم منذ جنازة مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، في عام 1989.

فيما قال الجنرال حميد سرخيلي من قوات الحرس الثوري الإيراني: «نحن على استعدادٍ لاتخاذ ردٍّ ثأري شديد ضد أمريكا. فالقوات الأمريكية في الخليج الفارسي والعراق وسوريا تقع في مرمى نيراننا»، وهتف المشيعون في مقطع فيديو نشرته صحيفة نيويورك تايمز: «لا مفاوضات ولا اتفاق، لا نريد سوى حربٍ مع أمريكا».

فيما حثَّ صادق آهنكران -أحد المُنشِدين المشهورين وعضو قوات الحرس الثوري- حشود المشيعين على رفع أصواتهم حتى «تستطيع أمريكا اللعينة أن تسمعكم» وعلى «التلويح بالأعلام استعداداً للحرب».

التهديدات العلنية المتزايدة التي ذُكِرَت الثلاثاء شكلت أحدث تحدٍّ إيراني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففي نهاية الأسبوع الماضي، توعَّد ترامب مراراً بالرد على أيِّ هجماتٍ ضد المصالح الأمريكية عن طريق إصدار أوامر بشنِّ غارات جوية حوالي 52 هدفاً محتملاً، أي هدفٍ لكل رهينة أمريكي احتُجِز بعد الاستيلاء على سفارة الولايات المتحدة في طهران عام 1979.

ورداً على ذلك، رد الرئيس الإيراني حسن روحاني بذِكر عددٍ آخر. إذ كتب على تويتر: «يجب على أولئك الذين يشيرون إلى الرقم 52 أن يتذكروا كذلك الرقم 290″، في إشارةٍ إلى 290 شخصاً قُتلوا في عام 1988 في حادث إسقاط طائرة ركاب إيرانية بالخطأ بصواريخ سفينةٍ حربية أمريكية. وأضاف روحاني: «إياك أن تُهدِّد الأمة الإيرانية أبداً».

ولم يكن واضحاً أين ستنتقم إيران ومتى، وما إذا كانت ستنتقم أساساً أم لا، وبينما كان يُفكِّر القادة الإيرانيون في الخيارات المتاحة، قال محللون إنَّ الأهداف المحتملة تشمل القوات الأمريكية في سوريا والعراق المجاورتين، والقواعد الأمريكية في الخليج أو السفارات الأمريكية أو الدبلوماسيين الأمريكيين في أي مكان تقريباً.

وأشار بعض المحللين إلى أنه حين أثبتت بعض المحاولات الإيرانية السابقة لشنِّ غارات مباشرة أو تنفيذ اغتيالات مباشرة فشلها، لجأ المتشددون المدعومون من إيران إلى الأسلوب الأبسط المتمثل في قتل المدنيين بتفجيرات إرهابية.

وهذا التسلسل ينطبق على ما فعلته حركة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران في عام 2012. فبعد فشل محاولات الهجوم على أهداف إسرائيلية أو قتل مسؤولين إسرائيليين انتقاماً لمقتل أحد قادة الحركة، استقر مقاتلوها في نهاية المطاف على اختيار المهمة الأسهل التي تمثلت في تفجير حافلةٍ مليئة بالسياح الإسرائيليين في بلغاريا، حسب ما ذكر أفشون أوستوفار، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية في كلية الدراسات العليا البحرية.

وقال أوستوفار: «نحن في وضعٍ مجهول لم نعشه من قبل، وفي الحقيقة، لا أحد يعرف كيف سترد إيران. ولا أعتقد أنَّ إيران نفسها تعرف ماهية الرد الذي ستتخذه. لكنني أعتقد أنَّ هناك شهوة دموية الآن في الحرس الثوري».

وفي العراق، حيث دعا البرلمان العراقي إلى طرد القوات الأمريكية البالغ عددها 5000 جندي المتمركزة هناك فوراً، ذكر رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي يوم أمس إجراءاتٍ للحد من تحركات هذه القوات.

وقال إنَّه في الوقت الذي يشهد وضع خططٍ لإجلاء القوات الأمريكية، ستقتصر مهمتها الآن على «تدريب» القوات العراقية و «إسداء المشورة لها»، وسيُطلب منها البقاء داخل حدود قواعدها، وستُمنَع من استخدام المجال الجوي العراقي.

والتقى عبدالمهدي مع ماثيو تولر، السفير الأمريكي في العراق، يوم أمس، و «أكَّد الحاجة إلى اتخاذ إجراءاتٍ مشتركة لتنفيذ الانسحاب»، وفقاً لبيان وصورة نشرهما مكتبه. وشدَّد كذلك على جهود العراق لمنع تحوُّل التوترات الحالية بين إيران والولايات المتحدة إلى «حربٍ مفتوحة».

هذا وأثارت قيادة الجيش الأمريكي ضجةً إعلامية حين نشرت مسودة رسالة بدا أنَّها تتحدث عن خطط وشيكة للانسحاب من العراق. وجاء في الرسالة على لسان الجنرال وليام سيلي الثالث، قائد قوات الولايات المتحدة في العراق، إلى الحكومة العراقية أنَّ القوات الأمريكية سيُعاد تمركزها «تمهيداً لخروجها»، وأضاف: «نحترم قراركم السيادي بطلب خروج قواتنا».

لكنَّ مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قللوا من أهمية الرسالة. إذ قال الجنرال مارك ميلي، رئيس أركان الجيش الأمريكي، للصحفيين في البنتاغون خلال مؤتمر صحفي عُقد على عَجَل: «إليكم الخُلاصة، لقد كان هذا خطأ. إنها مسودة رسالة غير موقعة لأننا نحرك قواتنا (في العراق)».

فيما قال مارك إسبر وزير الدفاع الأمريكي للصحفيين: «لم نتخذ أي قرار على الإطلاق بمغادرة العراق. انتهى»، ومع أنَّ إدارة ترامب قالت إنَّ الولايات المتحدة قتلت سليماني لأنه كان يخطط لشن هجمات وشيكة على مصالح أمريكية، ظهرت مؤشرات يوم أمس على أنَّ الجنرال الإيراني ربما كان يقود جهوداً لتهدئة التوترات بين إيران المملكة العربية السعودية.

إذ قال رئيس الوزراء العراقي عبدالمهدي إنَّه كان من المفترض أن يلتقي سليماني في صباح اليوم الذي قُتل فيه، وأنه كان ينتظر منه إحضار رسائل من الإيرانيين قد تساعد في «التوصُّل إلى اتفاقات وإحداث تطورات مهمة للوضع في العراق و المنطقة».

وفي واشنطن، طلب اثنان من كبار الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ من ترامب في وقتٍ مبكر من الإثنين رفع السرية عن الإخطار الرسمي الذي أرسلته الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس لإخطاره بالغارة الجوية التي أسفرت عن قتل سليماني.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ القانون يقتضي إرسال إخطار كهذا إلى الكونغرس، وأنَّ فرض سريةٍ تامة على إخطارٍ كهذا يُعد أمراً غير معتاد، إذ قال السيناتور تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، والسيناتور روبرت مينينديز، العضو الديمقراطي البارز في لجنة العلاقات الخارجية، في بيانٍ مشترك إنَّه «من المهم للغاية إطلاع الشعب الأمريكي على مسائل الأمن القومي المهمة إلى هذه الدرجة في الوقت المناسب».

فيما حثَّ السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، منتقدي ترامب على عدم القفز إلى الاستنتاجات. وقال: «مع الأسف، في هذه البيئة السياسية السامة، سارع بعض زملائنا إلى إلقاء اللوم على حكومتنا حتى قبل معرفة الحقائق».

ومن جانبها، واصلت إيران في الوقت نفسه تصديها المستمر منذ أشهر لرغبة إدارة ترامب في إخضاعها لمفاوضاتٍ جديدة أشد تقييداً بشأن الاتفاق النووي الذي أبرِم في عام 2015 مع القوى الغربية حول أبحاثها النووية. إذ تسعى إدارة ترامب إلى الضغط على إيران بتدمير اقتصادها بعقوباتٍ اقتصادية شاملة ندَّد بها المسؤولون الإيرانيون، ووصفوها بأنها حربٌ اقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه العقوبات أثارت حلقة الهجمات والهجمات المضادة التي بلغت ذروتها في الأسبوع الماضي بقتل سليماني. فيما ردَّت إيران كذلك بخطواتٍ محسوبة بعناية تتجاوز بكثير القيود المفروضة على برنامجها النووي. إذ قال مسؤولون إيرانيون، يوم الأحد 5 يناير/كانون الثاني، إنَّ بلادهم تخلَّت الآن عن جميع القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، مع أنَّهم قالوا إنَّهم سيستمرون في قبول زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ووسط حالة التأثُّر بجنازة سليماني، دعا البعض إلى انتقامٍ من شأنه أن يُعيد تشكيل المنطقة. إذ قال أمير علي حاجي زاده، القائد العسكري في قوات الحرس الثوري، في الجنازة: «حتى لو هاجمنا جميع القواعد الأمريكية وحتى لو قتلنا ترامب نفسه، فهذا ليس انتقاماً مناسباً. بل يجب علينا استئصال جميع القوات الأمريكية من المنطقة تماماً».

وفي الوقت الحالي، يبدو أنَّ المسؤولين الإيرانيين ليسوا في عجلةٍ من أمرهم للرد على الولايات المتحدة، وربما يستمتعون بقدرتهم على نشر القلق في جميع أنحاء الغرب. ويبدو أنهم راضون بالاستمتاع بالزيادة المدفوعة بالمشاعر القومية في شعبيتهم، وتزايد التعاطف الدولي معهم، والمساعي الرامية إلى طرد القوات الأمريكية من العراق. وفي هذا الصدد، قالت سانام فاكيل، الباحثة المتخصصة في الشؤون الإيرانية في مركز تشاتام هاوس للأبحاث في لندن، متحدثةً عن الإيرانيين: «لا أعتقد أنَّهم يريدون تغيير الموضوع المستحوذ على الاهتمام حالياً».

لكنَّها ذكرت أنَّ المتشددين الذين يسيطرون على مجلس الأمن القومي الإيراني قد يرون أنَّ اتخاذ ردٍّ انتقامي عنيف سيكون هو الرد المنطقي الوحيد. وقالت: «ربما سيبدو عدم الرد ضعفاً منهم ويضعهم تحت مزيدٍ من الضغط، ما سيخلق مشكلاتٍ لهم في السياسة الداخلية وعلى الصعيد الدولي».

اليوم وقد جاء الرد الإيراني بالفعل بعد إطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية استهدفت قاعدة عين الأسد الجوية الأمريكية في العراق وأيضا صاروخين باتجاه أربيل، يمكن القول إن ما أراده المرشد في اجتماع مجلس الأمن القومي قد تحقق بالفعل في تحول كبير في استراتيجية إيران.

لكن بالنظر إلى عدم سقوط ضحايا من الجانب الأمريكي أو غيره من قوات التحالف الأخرى المتواجدة في قاعدة عين الأسد ولا حتى من الجانب العراقي، ورد الفعل الأمريكي المتسم بالهدوء وبخاصة من جانب ترامب نفسه الذي استهل تغريدته بالقول «كل شيء على ما يرام!»، يظل السؤال هل تحقق ما أراده المتشددون من «رد انتقامي عنيف»؟

على الأرجح الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على المرحلة الجديدة من الصراع بين طهران وترامب، على اعتبار أن جولة سليماني قد انتهت بالفعل، فإذا ما توصل الطرفان -من خلال الوساطة من الأوروبيين بشكل خاص- إلى اتفاق جديد يؤدي لتخفيف أو رفع العقوبات «الترامبية»، ربما تكون استراتيجية خامنئي قد حققت أهدافها ولو مرحلياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى