ثقافة وادب

المرتزقة.. من هم؟ وكيف جندتهم الولايات المتحدة في حروبها الحديثة؟ وما هي القوانين التي تحكمهم؟

يتدفقون من كل أنحاء العالم، ليست لديهم أي انتماءات قومية أو أيديولوجية، يحكمهم الجشع ويقتلون فقط من أجل المال.. إنهم المرتزقة الذين يشكلون في عصرنا هذا عماد الصراعات والحروب بالوكالة في العالم.

فمن هم؟ وكيف استخدمتهم الولايات المتحدة في حرب العراق وأفغانستان؟ ومن دفعهم إلى القتال في اليمن؟ وما القوانين التي تحكمهم؟

بحسب موقع TRT World التركي، فإن المرتزقة اليوم ليسوا قوى عشوائية، بل يتم تنظيمهم وتجنيدهم وتدريبهم من قِبل شركات خاصة تدعى «شركات الخدمات الأمنية»، التي تطلق على المرتزقة اسم «المتعاقدين الأمنيين».

وعلى الرغم من أن شركات أمريكية عديدة تحتكر تجارة تجنيد المرتزقة مثل شركة Blackwater، فإن ولاء هذه الشركات ليس لحكومة بعينها، إنما هو لمن يدفع أكثر فحسب.  

تستخدم هذه الشركات أيضاً من لديهم خبرة عسكرية ومعرفة مسبقة باستخدام الأسلحة وتطلق عليهم اسم «المتعاقدين العسكريين»، وهم يقدمون خدماتهم لجميع الدول والأفراد الذين يستطيعون أن يدفعوا مقابلاً لهذه الخدمات.

فعلى سبيل المثال، كثَّفت إدارة جورج بوش من الاستعانة بخدمات هذه الشركات خلال غزو العراق في 2003، وكذلك بالحرب الأمريكية في أفغانستان.

وتشير التقارير أيضاً إلى تجنيد مرتزقة في النزاعات بسوريا وليبيا وأوكرانيا واليمن.    

إليكم بعض الأشياء التي تجب معرفتها عن تجارة المرتزقة الحديثة: 

مصطلح المرتزقة ليس حديث العهد ولم ينشأ خلال النزاعات والحروب الأخيرة التي شهدها العالم، فالقتل مقابل المال يعتبر ثاني أقدم مهنة في العالم.  

فقد جندت جميع الإمبراطوريات تقريباً المرتزقة لخوض الحروب أو أداء المهام الخاصة، ويقول بيتر سينغر في كتابه «Corporate Warriors»، إنَّ أول حادثة مُسجَّلة في التاريخ عن استخدام المرتزقة، كانت ضمن صفوف الجيش السومري تحت قيادة الملك شولغي من سلالة أور (وُلِد في عام 2094 وتُوفِي في 2047 قبل الميلاد).   

وفي عام 400 قبل الميلاد، جند الأمير قورش الأصغر جيش «العشرة آلاف» المؤلف من مرتزقة من المقاتلين اليونانيين، وذلك في حربه للوصول إلى عرش الإمبراطورية الفارسية.  

وإذا تحدثنا عن عصر النهضة نجد أن الحرس السويسري له باع طويل في تجنيد المرتزقة.  

وعلى الرغم من أن تجارة المرتزقة مرت بفترة ركود في القرن السابع عشر، فإنه عقب الحرب الباردة، بدأت تنتشر الشركات السرية التي تعمل في تنظيم الجيوش الخاصة وتمويلها وتدريبها. 

ومع تزايد الحاجة لها، بدأت هذه التجارة بالازدهار في العصر الحديث، وبدأت أعداد المرتزقة بالتزايد بشكل ملحوظ، إذ يقول شون مكفيت، في كتابه The Modern Mercenar، إنَّ عدد المرتزقة ارتفع خلال الفترة من عام 2008 وحتى 2010 بمقدار 67 ألفاً، أي بنسبة 41%.

بينما تجلب الحروب الويلات للمدنيين، يجد فيها المرتزقة وشركاتهم فرصة للتربح وكسب المال.

فقد كدست شركات تصدير المرتزقة أموالاً طائلة خلال الفترة التي أعقبت الحرب الباردة، فالحرب تعني لتلك الشركات تجارة مضمونة الربح تدرُّ عليهم مليارات الدولارات.

ففي عام 2017، على سبيل المثال، خصص البنتاغون 320 مليار دولار لعقود فيدرالية، منها 71% مخصصة «للخدمات»، وهو البند الذي تندرج تحته الاستعانة بخدمات الشركات العسكرية الخاصة التي تصدّر المرتزقة.

وربما لا تغدق المملكة المتحدة أموالاً طائلة على سوق «الخدمات» الأمنية الخاصة، لكن زادت وزارة الخارجية إنفاقها على هذه الخدمات من 12.6 مليون جنيه إسترليني في عام 2003 إلى 48.9 مليون جنيه إسترليني في عام 2012.

وقد كانت الحرب الأمريكية على أفغانستان فرصة سانحة سمحت لشركات «الخدمات» أو شركات تصدير المرتزقة بالازدهار، لا سيما شركة Academi العسكرية الأمريكية الخاصة، المعروفة سابقاً باسم Blackwater.  

إذ أكد إيريك برنس، مؤسس شركة Academi، خلال مقابلة مع صحيفة The New York Times الأمريكية، أن المرتزقة هم من سينفذون الحرب في أفغانستان وليس أفراد الجيش الأمريكي النظامي، وقال إن ذلك سينقذ أرواح الأمريكيين، وسيكون أقل تكلفة، وسيوفر على دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من 40 مليار دولار سنوياً.

ومن جانبه، كتب مكفيت لمجلة Politico الأمريكية: «حين يستطيع أي شخص استئجار جيش، يمكن أن تصبح الشركات الكبيرة التي تؤجر المرتزقة نوعاً جديداً من القوى العظمى».

وأضاف مكفيت: «الأسوأ من ذلك، يمكن أن يشعل المرتزقة نزاعات ويطيلوا أمدها من أجل التربح منها؛ وهو ما يُولِّد حروباً لا نهاية لها. إنَّ العالم الذي يضم عدداً أكبر من المرتزقة يعني عالماً يشتعل فيه مزيد من الحروب».

تتراوح الاتهامات ضد المرتزقة أو ما يطلق عليهم اسم «المتعاقدين الأمنيين»، بين القتل والتعذيب والاغتصاب سواء بحق المدنيين أو المحتجزين.

وخلصت مذكرة للكونغرس الأمريكي إلى أنَّ شركة Blackwater شاركت في نحو 200 حادثة استخدمت فيها القوة على نحو غير مشروع منذ عام 2005.

واتُّهِمَت شركة L-3 الأمريكية للخدمات الأمنية بتعذيب سجناء أبو غريب، ودفع مبلغ تسويةٍ قدره 5.8 مليون دولار للسجناء الذين رفعوا دعاوى.

وفي عام 2007، فتحت مجموعة من مأجوري Blackwater النيران على ميدان مزدحم في العراق؛ وهو ما أسفر عن مقتل 17 مدنياً.

وأثارت أعمال القتل التي وقعت في ساحة النسور بالعراق رد فعل عنيفاً، وأشعلت جدلاً حول ما إذا كانت حروب الوكالة ناجحة وما إذا كانت الآليات القائمة للمساءلة كافية عند وقوع مثل هذه الحوادث.

دفعت الخسائر في الأرواح التي تكبدتها الدول الكبيرة في حروب مثل الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب الفيتنام وغيرها، إلى تفضيل التعاقد مع الشركات الأمنية الخاصة التي توفر المرتزقة لخوض الحروب نيابة عنها.

ونخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية، فقد أصبحت شركات المقاولات العسكرية الخاصة خياراً شهيراً لدى الحكومة الأمريكية، خصوصاً بعدما احتكر عدة مشترين هذه السوق، وباتت الولايات المتحدة واحدة من أهمهم.

وكتب مكفيت، في مجلة The Atlantic الأمريكية، أنه نظراً إلى أنَّ الإدارة الأمريكية لا تعتبر المرتزقة جزءاً من قواتها، «يمكن أن تنشر مزيداً منهم على الأرض أكثر مما تُخطِر عنه في تقاريرها إلى الشعب الأمريكي؛ وهو ما يشجعها على تنفيذ عمليات توسعية، وإبقاء المرتزقة في الخفاء تقريباً».

وبلغت نسبة المرتزقة ضمن القوات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية 10%، لكن ازدادت هذه النسبة إلى 5 أضعافها خلال حربي العراق وأفغانستان.  

وقال مكفيت: «طورت الولايات المتحدة اعتمادها على المرتزقة لشن الحرب، وهي نقطة ضعف استراتيجية، فلم تعد أمريكا اليوم قادرة على خوض الحروب من دون الاعتماد على الشركات الأمنية الخاصة التي تحتكر تجنيد المرتزقة».

لا تقتصر شهرة شركات المقاولات العسكرية الخاصة على الولايات المتحدة، بل تمتد لخارجها أيضاً؛ فكثير من الدول والأفراد يستعينون بخدمات المرتزقة أيضاً.

فمن جانبها، وظفت الإمارات العربية المتحدة، التي تتعاون مع المملكة العربية السعودية في دعم حكومة عبد ربه منصور هادي باليمن، تأميناً لمصالح إقليمية، مرتزقة لمحاربة تنظيم القاعدة والمتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران.

وأثارت مشاركة الإمارات في النزاع غضباً دولياً، بسبب جرائم الحرب التي ارتُكبت في اليمن وآثارها المدمرة على اليمنيين هناك.  

وتَعهَّد الأمم المتحدة أيضاً ببعض أعمالها إلى شركات الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة، وضمن ذلك لشركة G4S لخدمات الأمن المتعددة الجنسيات.

وقد وظفت إسرائيل الشركة نفسها لتوفير الأمن في فلسطين.

كما أن بعض الأرستقراطيين البريطانيين تعاقدوا مع Logo Logistics، وهي شركة بريطانية جنوب إفريقية للخدمات العسكرية الخاصة، للإطاحة بحكومة غينيا الاستوائية مقابل بعض الأرباح.

وحتى الممثلة والناشطة ميا فارو طرحت سابقاً فكرة اللجوء إلى شركة Blackwater للتدخل في الأزمة الإنسانية بإقليم دارفور، فمثل هذه الشركات مستعدة لتقديم خدماتها لأي جهة مستعدة للدفع.

إلا أن إحدى الأزمات التي من الممكن أيضاً أن تسببها هذه الشركات ولاؤها للجهة التي تدفع أكثر فحسب.

وكتب مكفيت في هذا الصدد: «على الجانب الآخر، ماذا سيحدث إذا عرضت روسيا أو الصين أو باكستان على تلك القوات الخاصة صفقة أفضل؟ ستشتعل حرب مزايدات على ولاء القوة، وهو أمر رأيت أمراء الحرب في إفريقيا يفعلونه. فعكس جيش الدولة النظامي، هؤلاء المقاتلون أشبه بمنتجات معروضة على موقع eBay للحرب».

في الوقت الذي تتوسع فيه أنشطة شركات الخدمات الأمنية والعسكرية الخاصة بالمرتزقة، تعجز القوانين المنظمة عن ضبط نشاط هذه الشركات.  

فعلى الرغم من أنَّ الشركات العسكرية الخاصة وموظفيها يشكلون الآن جزءاً لا يتجزأ من عديد من العمليات العسكرية، تميل القوانين الحالية إلى إغفالهم.

فعكس العسكريين الذين يخضعون للمساءلة أمام الهيئة التشريعية العسكرية الخاصة بهم، لا توجد سلطة محددة معنيَّة بالتحقيق في الجرائم التي يرتكبها المرتزقة ومعاقبتهم عليها.

ويُذكر أنه في عام 2011، لاحظت لجنة تابعة للأمم المتحدة هذه الهفوات القانونية الفادحة، وسعت إلى تنفيذ آلية رصد دولية لضبط ممارسات المرتزقة ضمن مشروع اتفاقية لم يخرج للنور قط.

وذكر التقرير الذي أعده غوميز ديل برادو، أن «غياب المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها المرتزقة يرجع جزئياً إلى صعوبات تطبيق القوانين المحلية على الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعمل في دول أجنبية، وكذلك صعوبات إجراء تحقيقات بالدول الفاشلة».

فعلى سبيل المثال، لم تتم محاكمة مرتزقة Blackwater الذين ارتكبوا مجزرة ساحة النسور في العراق، بحجة أن القانون العراقي لا يطبَّق على هؤلاء الذين يمتلكون حصانة منحتهم إياها سلطة الائتلاف المؤقتة، وهي أول هيئة حُكم أمريكية في العراق تم تشكيلها بعد الإطاحة بنظام صدام حسين.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى