كتاب وادباء

الله غالب … وأشوفكم بعد الفاصل ..!؟

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخمبسى
* هناك عبارة مشهورة يرددها مقدمو برامج التوك شو لأخذ فترة قليلة من الراحة قد لاتتجاوز خمس دقائق وهى ” أشوفكم بعد الفاصل .” ثم يعود مقدم البرنامج أكثر نشاطا وحيوية فى تقديم فقرات برنامجه . والمشاهدون لهم كامل الحرية فى أن يغيروا القناة بضغطة واحدة على الريموت للانتقال لقناة أخرى حتى ينتهى الفاصل أو لمشاهدة قناة أخرى . الشاهد فى الحديث أن حكام وزعماء وملوك وأمراء العالم الثالث البائس الفقير , ونحن فى القلب منهم , يرددون نفس العبارة على مسامع شعوبهم ” أشوفكم بعد الفاصل ” لكن الفاصل هنا ليس خمس دقائق , لكنه على الأقل خمس سنوات عجاف وهى الحد الأدنى لفترة الرئاسة الواحدة لطواغيت عالمنا الثالث المنكوب بالاستبداد والاستعباد وحكم الفرد الذي لايسأل عما يفعل ولا عما يسرق وينهب من ثروات شعبه إلى بنوك سويسرا ودبى …! .

* يبدأ السيد القائد الزعيم الملهم فترة حكمه الأولى فى عالمنا الثالث المنكوب بالكوارث الطبيعة والصناعية , ليعلن فى خطابه الأول لجماهير الشعب الكادحة , بأن الوطن يمر بفترة حرجة و مازال راقدا فى غرفة العناية المركزة على اسطوانة تنفس صناعية كأنما يصعد فى السماء من هول الاختناق والتكدس والإفلاس . وأن البلاد محشورة فى عنق الزجاجة لاتستطيع حتى أن تمدد قدميها ولا ترمش بعينيها , ويزيد قائلا أنه قد استلمها هكذا من سلفه غير المأسوف عليه الذي أذل العباد وأفقر البلاد . ولامانع لدى سيادته وجلالته وفخامته من أن يذكر مواطنيه بأنه يسعى جاهدا خلال فترة حكمه الأولى الرشيدة لإخراج البلاد من عنق الزجاجة أولا وقبل كل شئ . وأشوفكم بعد الفاصل  “خمس أو ست سنوات ….!؟ “

العرب

* ثم ينتهي الفاصل الأول وهو كما ذكرت آنفا خمس سنوات على الأقل . ليبدأ سيادته ومعاليه الفاصل الثاني , أى فترة حكمه الثانية , ليذكر مواطنيه أنه لم يكن يتوقع حجم الفساد المنتشر فى البلاد , وأن الفساد قد وصل للركب , ومن الشعب من وصل الفساد لمنكبيه , ومنهم من وصل الفساد لأذنيه , ومنهم من أغرقه الفساد غرقا . ثم يتعهد أمام الشعب الذي لم ينتخبه من الأصل أنه سيبذل قصارى جهده لمحاربة أوكار الفساد وهدم أركانها واعتقال أعضائها , وأن ذلك قد يتطلب بعض الوقت وعلى الشعب أن يصبر ويشد الأحزمة على البطون , ومن ليس معه ثمن الحزام فعليه أن يشتريه بالتقسيط المريح من إحدى شركات أبنائه المنتشرة فى طول البلاد وعرضها . ثم يوشك الفاصل الأول على الانتهاء ومازالت البطون مشدودة , وأعناق البائسين الفقراء مشرئبة تتطلع إلى وطن أفضل خلال فترة حكم سيادته الثانية . وأشوفكم بعد الفاصل…! ” خمس أو ست سنوات “


* ثم ينتهى الفاصل الثاني كما انتهى الفاصل الأول “ عشر سنوات كاملة غير منقوصة ” وتبدأ فترة حكمه الثالثة ,  فلا سيادته أخرج البلاد من عنق الزجاجة , بل ازداد جسم الوطن تمددا داخل الزجاجة حتى أوشكت على الانكسار والانفجار بسبب تضخم جثة الوطن من هول الأمراض الخبيثة التي إصابته ونالت منه . ولا هو حتى حارب أوكار الفساد التي وعد بها . بل المدقق والمحقق يرى آن أوكار الفساد انتشرت برا وبحرا وجوا فى عهده المنكوب وحكمه المشؤوم . فيشعر سيادته بالحرج أمام الشعب الذي بدأ يفهم أن هناك مؤامرة تحاك ضده وأن القصة لاتعدو أكثر من تمثيلية كوميدية ساخرة من إخراج سيادته وتأليف وتلحين أجهزته التى تسبح بحمده صباحا ومساء . فساعتها يشعر معاليه بالضيق والاختناق فيطلب من المخرج فاصل قصير ليستريح ليعود بعدها مبشرا شعبه بجنات من الخير والنعيم عرضها السموات والأرض , وأشوفكم بعد الفاصل …!؟ ” خمس أو ست سنوات “

* يبدأ سيادته فترة حكمه الرابعة , أى الفاصل الرابع , ليجد نفسه غارقا فى بحر من الوعود والعهود الكاذبة والتى لم يتحقق منها شئ على الإطلاق  , بل ازداد الشعب هما وغما وفقرا وحاجة إلى أراذل الأمم وأحقر الشعوب . وازدادت معدلات الفقر والأمية والأمراض الخبيثة والمعدية , وانخفضت معدلات النمو , وانتكس الرصيد الدولارى النقدي فى البنك المركزى لرقم لم يسبق له مثيل من ذى قبل. وازداد التعليم تخلفا ,  والبلطجة انتشارا , والجريمة تحكما وازديادا ,وحوادث الطرق تكرارا , وتجارة المخدرات انتعاشا , وملاهى الدعارة رواجا , وازدادت العشوائيات وسكان القبور , والانقطاع المستمر للنور , وتحول الوطن إلى أرض بور , وازدادت الفجوة بين الفقراء والأغنياء , وبدأت جماهير الشعب فى الغضب والاستياء . فماذا يفعل سيادته وقد تأزمت الأمور وانتشر الظلم والجور..؟ الحل أشوفكم بعد الفاصل…! ” خمس أو ست سنوات “

الحكم
* يبدأ سيادته فترة حكمه الخامسة , اى ما يقرب من ربع قرن , فلا البلاد خرجت من عنق الزجاجة , ولاهو انتصر على الفساد , ولا أصلح التعليم , ولا ارتفع بمعدلات النمو ,ولا حارب الأمية والأمراض الخبيثة التى انتشرت فى الوطن انتشار النار فى الهشيم . ولا حارب التزوير وحيتان نهب الأموال ,ولا هو ألهى الشعب بأى مشاريع وهمية كاذبة لان مرارة الشعب قد انشقت من كثرة الكذب ولم تعد تحتمل أكاذيب أخرى . أفقر دول العالم بل أراذل الأمم تقدمت , ومازالت أوطاننا ترقد فى باطن الأرض الخامسة  , عدد فترات حكم سيادته , وكل شئ محلك سرك , لا تقدم ولا تغيير  ولا جديد تحت الشمس لان وجه الشمس نفسها اصفر خجلا وحياء من كثرة ما سمعت من الكذب والتدليس والوعود والعهود البراقة التي لاتسم ولا تغنى من جوع . مالحل إذا ..؟ الحل أشوفكم بعد الفاصل…! ” خمس أو ست سنوات “

* لم يعد الشعب الكادح يتحمل أى فواصل أخرى وفترات حكم جديدة ولاسيما وأن سيادته قد أحنت السنون ظهره وشاب شعره ولانت عظامه وانكسرت أسنانه , ومازال متشبثا بكرسى الحكم وكأنه وقد ورثه أبا عن جد , وحتى وإن فكر فى تركه , فانه سوف يتنازل عنه فقط لابنه الأكبر ليعيد التاريخ دورته ويستعيد سيرته وكأن شيئا لم يكن . وهنا ينتفض الشعب ويثور ويغضب ويتحول غضبه إلى بركان ثائر وزلزال مدمر , فيسقط الطاغية , أقصد رأس الطاغية , لكن يبقى نظامه كما هو , تتغير الأسماء , وتتغير الوزارات , ويتغير لون ديكور الحكم على المسرح السياسي  , ليأتى نظام جديد فى شكله ومظهره , لكنه قديم فى جوهره , ليعلن على مسامع الشعب أن محاربة الإرهاب هى شغله الشاغل ومشروعه الضخم  , فالوطن يواجه معركة وجود وصمود وتحدى…!.. لنبدأ من جديد فواصل جديدة تدور الشعوب حولها كما يدور الحمار فى الرحى  . وكأن الشعب لم يتعلم من التاريخ ولا من تغيرات الجغرافيا ليدفع الشعب ثمن صمته ورضوخه للذل والهوان إلا أن يشاء الله  لهذه الشعوب أن تفهم  وتعى وتدرك فتثور من أجل حريتها وكرامتها . ” إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى