كتاب وادباء

الكاتب الحر … والدواء المر….!

الكاتب الحر … والدواء المر….!

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى  

* الكاتب الحر الأمين دائما عميق الرؤيا , سليم التفكير , يقظ الضمير , نظيف الطوية , يعى ويفهم أبعاد القضية . لايطوى دفاتره ولايلقى محابره , ولا يبيع مداد قلمه بثمن بخس دراهم معدودة . فهو دائما كالجندي فى ساحة القتال شاهرا قلمه فى وجه الظلم والطغيان , لايرفع الراية البيضاء  ولا يستسلم حتى آخر قطرة من دمه . لايعرف التعميم ولا التورية , وإنما يشير بمداد قلمه الحر إلى الظالم فيفضحه , وإلى السارق فيوقفه , وإلى المجرم فيكشفه . لايرى السعادة فى السكون والسكوت والخمول والسير خلف القطيع منكسا رأسه فى باطن الأرض يبحث عن الكلأ والمرعى . وإنما يرى السعادة والحرية فى الجهر بقول الحق ولو كان مرا علقما  .  يتلذذ بالمتاعب ولايبحث عن المكاسب . لايتلذذ بالقعود فى آخر صفوف المرتعشين لأنه يعلم أن كأس الذل من ماء صديد  . يأبى التذبذب والاضطراب فهو واضح جلى يشار إليه بالبنان .  لا الأرض تحده ولا العذاب يرهبه . لايسيل لعابه لذهب المعز ولا تخضع رقبته لسيفه أيضا . هذا هو شان كل صاحب فكر , وصاحب قضية تؤرق عليه مضجعه وتعكر عليه صفو حياته .
 
* وهناك نوعان من أصحاب الأقلام ” كتاب وكتبة, والفرق بينهما شاسع والفجوة بينهما عميقة والمسافة بينهما لايمكن حسابها بالعين المجردة . الكاتب صاحب فكر وعلم وثقافة ورؤيا واضحة كالشمس فى رابعة النهار, لايصده صاد ولايرده راد عن كلمة الحق مهما كانت التكاليف والمخاطر والعقبات والثمن الذى سيدفعه فى مقابل كلمة حرة يقولها فى زمن العبيد , وكلمة قوية يقولها فى زمن الرويبضة , وكلمة حق يقولها فى زمن الباطل… وكلمة شجاعة يقولها فى زمن الجبن والخسة والنذالة , وكلمة حق فى وجه سلطان جائر أفضل من ملايين الدولارات يقبضها كل من باع قلمه وكأنه شقة مفروشة للإيجار لمن يدفع أكثر .

* الكاتب له رسالة وهى فى عنقه أمانة يريد أن يؤديها .. مداد قلمه فى مجال الصحافة قد تفوق دم الشهيد فى ميدان القتال , لأن طعن اللسان أخطر من طعن السنان , وحد السنان يقطع الأوصال وحد اللسان يقطع الآجال…وجرح الكلام أشد من جرح السنان , والكلمة ترفع أقواما وتحط آخرين . والكاتب الحر الأمين يكتب مايمليه عليه ضميره  ,وما يرتاح إليه قلبه , وماتطمئن إليه نفسه  , وما يميل إليه عقله, لاينتظر التعليمات ولايخضع للتوصيات ولا يستجيب للاملاءات ولا يسجد للدولارات . الكاتب صاحب موقف ثابت لايعدو عليه تلون ولا يعتريه تغير ولا يؤثر فيه تحول ولا يبيع قلمه لمن يدفع أكثر , لان الكلمة ليست سلعة فى سوق الرقيق تباع وتشترى . الكلمة مسؤولية وأمانة ومن باعها فلا مانع لديه من أن يبيع دينه ووطنه بثمن بخس دراهم معدودة .

* أما النوع الآخر وهم الكتبة فهم مجرد موظفين أرشيف يسجلون البيانات  ويكتبون التوصيات وينفذون التعليمات  .  هم العبيد فى زمن الأحرار, هم الرقيق فى سوق النخاسة , هم مرتزقة كل نظام , وخدمة كل فرعون , وحاشية كل طاغية جبارهذا النوع من ” الكتبة “يرقصون على كل الحبال, ويأكلون على الموائد, ويسيرون فى كل المواكب , ويتحولون حسب تعليمات كل سلطة تحول الليل والنهار . عقولهم فارغة, قلوبهم قاسية. نفوسهم خاوية ,  يخفون الحسنات ويفشون السيئات, يبحثون عن العثرات لينشروها, وعن الفضائح ليذيعوها, وعن الجرائم ليكتبوها, وعن السلبيات ليضخموها, و هم كالغانيات فى الملاهي الليلية لايهمهم سوى المال فى نهاية المأمورية . أمثال هولاء , لايؤتمنون على دين ولا وطن ولاشعب , ولايؤتمنون على كلمة . هولاء هم من أسباب نكبتنا ومصيبتنا السياسية لأنهم رأس النفاق فى كل زمان ومكان .

  هناك كتاب عظام رحلوا عن دنيانا بأجسادهم ولكن مواقفهم وتراثهم الثقافي* والأدبي والعلمي مازال بيننا , نبراسا يضئ لنا الطريق نحو العزة والكرامة . سجنتهم واضطهدتهم كل الأنظمة  حتى يبيعوا أقلامهم , ملوحين لهم بذهب المعز وسيفه , إلا أنهم عاشوا أحرارا وماتوا أعزاء . مازلنا نذكر هولاء بالخير لان سجلوا تاريخا تليدا وشرفا كبيرا فى مجال الكلمة الحرة . وهناك ” كتبة ” أبوا إلا أن يكون أبواقا لكل لنظام  , يقلبون سيئاته حسنات , ويصورون للناس الحقائق مقلوبة , يدلسون ويغشون ويكذبون وينافقون . هؤلاء أيضا رحلوا عن دنيانا , ورحلت معهم سيرتهم السيئة وانطوت سجلاتهم المسودة بأعمالهم الكريهة . الخير لاينسى والشر لاينسى . والتاريخ لايتجمل ولايكذب , وألسنة الخلق شهادة حق . إن النفاق كالزبد يذهب جفاء , وأما ماينفع الناس فيمكث فى الأرض مهما طال الزمان . والذكرى الطيبة للكاتب الحر الأمين عمر ثان  لان مداد قلمه الحر يبنى أمة ويقيم وطنا .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى