آخر الأخبارتقارير وملفات

القوات السودانية استخدمت أسلحة ثقيلة لقمع المتظاهرين

تحقيق حصري لـ DW

بقلم الخبير السياسى والإقتصادى

د.صلاح الدوبى 

الأمين العام لمنظمة اعلاميون حول العالم

رئيس فرع منظمة اعلاميون حول العالم 

رئيس حزب الشعب المصرى 

جنيف -سويسرا

تحقيق استقصائي أجرته DW عربية حول استخدام قوات سودانية لأسلحة ثقيلة بينها أسلحة خارقة للدروع ومضادات طائرات ضد المتظاهرين السلميين الرافضين للانقلاب العسكري. كيف استُخدمت الأسلحة، وما هو مصدرها؟

مع بداية الانقلاب العسكري في السودان في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 ازداد توتر الأوضاع بشدة بين الشقين المدني والعسكري في البلاد. جاء ذلك بعدما أعلن القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان – رئيس مجلس السيادة في السودان – حالة الطوارئ، وحلّ مجلس السيادة المكون من شق مدني وآخر عسكري، كما حل مجلس الوزراء واحتجز رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك (أُفرح عنه لاحقاً) وعدد من الوزراء والقيادات المدنية في قطاعات مختلفة.

خرج الآلاف من السودانيين إلى الشوارع مطالبين بإنهاء الانقلاب العسكري وعودة المدنيين إلى الحكم، لكن قوات الأمن والميليشيات السودانية (وبالأخص قوات الدعم السريع) واجهت التظاهرات ليس فقط بالرصاص الحي العادي، وإنما بأسلحة يمنع استخدامها ضد المدنيين، وكان منها أسلحة مضادة للطائرات وطلقات خارقة للدروع.

وثق عدد من النشطاء السودانيين عدة حوادث مريعة نتج عنها مقتل أكثر من 40 سودانياً وإصابة العشرات بسلاح قوات الأمن السودانية منذ وقوع الانقلاب. ومنذ ذلك التوقيت، استخدمت قوات الأمن السودانية الذخيرة الحية بشكل مفرط، إلى جانب الغاز المسيل للدموع، بهدف تفريق الاحتجاجات التي نظمت اعتراضا على استيلاء الجيش على السلطة.

أن العقل العسكري عقل صفري أُحادي النظرة لايؤمن بالحلول التفاوضية ولا يعمل بفلسفة دع الجميع يربحون في النزاع، وإنما النفسية العسكرية قائمة على فكرة مركزية وهى لابد من تكسير عظام الخصم وشل حركته، وتدمير قدرته على الحركة، وضرب نقاط قوته بقسوة، ثم بعدها يبدأ التفاوض والحوار، وهذا السلوك قد يكون مفهوم في ساحات المعارك.

المشكلة الكبرى تبرز عندما تتولى قيادة عسكرية زمام قيادة دولة من الدول أو مجتمع من المجتمعات ستتحرك في إتخاذ قراراتها بناء على هذا العقلية الحاكمة وستنظر لكل تدافع في المجتمع المدنى وصراع سياسي بين الأحزاب باعتباره صراع عسكري، لابد من تكسير عظام الخصوم فيه وتركيعهم ثم بعدها يبدأ الحديث معهم؛ وهذا يسبب كوارث قاتلة ومصائب كبيرة تحل بالمجتمع والدولة والسلام العالمي؛ فالمجتمع المدني كل يوم هو في تدافع وتنافس وتشاحن حول العديد من الرؤى والتصورات الخاصة بطريقة إدارة الدولة والمجتمع والناس.

العقيدة العسكرية الفاشلة

ويزيد من تعقيد هذا المشهد السابق هو أن العقل العسكري مبنى أيضاً على أن مخالفة الأوامر العسكرية جريمة كبرى قد تصل عقوبتها للإعدام وقت الحروب -ومن خدم بالجيش يُدرك مدى الفزع الذي ينتاب الجندي عندما يصفه أحد القادة بأنه ُيكسر الأوامر لأن هذا يعني أن هناك عقابا أليما ينتظره-

فلك أن تتخيل سقف الحرية والعدالة في المجتمع عندما تتولى قيادة عسكرية زمام القيادة فيه؛ حيث سيصبح كل مخالف في الرأي في مخيال القيادة خائن، وضد الأمن القومي ومصالح البلد العُليا ينبغي محاكمته، والتضيق عليه؛ لأن العقل والنفسية العسكرية لم تتدرب على أن تنوع الأراء وتعدد الحلول ثراء للمجتمع وللدولة وللأمة، وإنما النفسية العسكرية تنظر للعالم وللمجتمع والناس على أنهم أفراد في كتيبة عسكرية ينبغي منهم تنفيذ الأوامر بدون مناقشة ولاتفكير ولا أخذ ولا رد.

اعتزم النظام السوداني تسليم معارضين مصريين لنظام السيسي حسب ما نشرته الجزيرة الأربعاء 6 أيار/مايو 2020م، برغم أن المعتقلين لم يعرضوا على أي جهة قضائية، وقد تعرض بعضهم للتحقيق على يد ضباط مخابرات مصريين. وقد استطاع نظام السيسي عقد تفاهم أمني ثنائي بينه وبين نظام الخرطوم العسكري، وبناء عليه تم إخفاء معارضين مصريين قسرا في السودان وتعريضهم للتعذيب.

لقد كان هذا القرار تكريسا للزيارة التي قام بها النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان محمد حمدان دقلو (حميدتي) السبت 14 آذار/مارس، التي التقى فيها برئيس المخابرات المصرية عباس كامل، بجانب أمور أخرى لم تكشف بعد. وكان قائد الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي قد وقّع مع رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان، في 25 أيار/مايو 2019م اتفاقية لضبط الحدود ومكافحة (الإرهاب)، تعهد بموجبها البرهان للسيسي، أنه لن يبقي على أراضي السودان أي عنصر مطلوب أمنيا لمصر. وقد تلقت القاهرة تأكيدا من الخرطوم على منع وصول (التيارات المتطرفة) إلى سدة الحكم بالجارة الجنوبية، وأنها لن تقيم علاقات مع دول تضر بمصالح مصر ودول الخليج، في مقابل دعم السيسي لشبيهه الانقلابي في السودان. وكانت زيارة البرهان، للقاهرة هي الأولى له خارج السودان منذ توليه رئاسة المجلس العسكري عقب الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير.

إن النظام المصري لم يترك فرصة لملاحقة معارضيه في الخارج إلا واستخدمها، بالإضافة إلى أنه دائم التواصل مع بعض الأنظمة والحكومات لتسليم بعض الشباب، كما حدث مؤخرا من دولتي الكويت والبحرين. وهذا أمر غير مقبول ولا يجوز السكوت عليه، ولكنه مفهوم من نظام إجرامي لا ولم يتوان عن القتل والتنكيل بكل من يعارضه، ومجازره في رابعة والنهضة والحرس الجمهوري شاهدة على ذلك، ولكن السؤال هل استطاع المجلس العسكري حل مشاكل السودان الداخلية حتى يتفرغ لعقد مثل هذه الاتفاقات؟! وأي عار سيلحق البرهان وحميدتي وحمدوك عندما يقومون بتسليم شباب ظُلم في بلده إلى ظالمه، ألا لعنة الله على المفسدين والظالمين!

إن النظام السوداني لا يختلف كثيرا في إجرامه عن النظام المصري، بل هو كأنه نسخة مكررة عنه، وهو يحاول بناء شبكة علاقات دولية معقدة مع المحور السعودي الإماراتي ابتداءً، ومؤخراً بالتطبيع مع كيان يهود، والانفتاح على إدارة ترامب، وهذه الجهات هي الداعم الرئيسي لنمط الحكم العسكري في مصر وشرق ليبيا تحت دعاوى الوقوف أمام (التطرف والإرهاب)، وما هي في الحقيقة إلا للوقوف في وجه الأمة التي تسعى لإعادة الحكم بالإسلام.

وبرغم اتفاق النظامين المجرمين هذا، إلا أنهما لم يستطيعا أن يقفا صفا واحدا في مواجهة إثيوبيا في موضوع سد النهضة؛ ففي الخامس من آذار/مارس تقدمت مصر بمشروع قرار من مجلس وزراء الخارجية العرب يؤكد تضامن الجامعة العربية مع موقف مصر والسودان الخاص بسد النهضة الإثيوبي باعتبارهما دولتي المصب، لكن الغريب أن السودان تحفظ على القرار العربي، وطالب بحذف اسمه من مشروع القرار، وأدخل تعديلات لاحقة على القرار لتفرغ النص من مضمونه والإضعاف من أثره. وبحسب وكالة الأنباء المصرية الرسمية (الشرق الأوسط)، فإن الجانب السوداني قال إن القرار ليس في مصلحته ولا يجب إقحام الجامعة العربية في هذا الملف، وأبدى تخوفه مما قد ينتج عنه هذا القرار من مواجهة عربية إثيوبية. وإن كان القرار نفسه لا قيمة له سواء دعمته السودان أم لم تدعمه، تحفظت عليه أم لم تفعل. وبرغم امتناع إثيوبيا عن التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل له برعاية أمريكا والخاص بقواعد ملء وتشغيل سد النهضة، إلا أن النظام السوداني لم يحرك ساكنا.

عسكر السودان وكرسى السلطة

منذ الاستقلال في عام ١٩٥٦، تولّت الحكومات العسكرية قيادة السودان باستثناء عشر سنوات. أدت الاحتجاجات الشعبية الواسعة في عام ٢٠١٩ إلى إنهاء مفاجئ للحكم القمعي للرئيس السابق عمر البشير الذي استمر ثلاثين عامًا، أنعشت الآمال في مسار جديد، إلا أن الحكومة الانتقالية العسكرية المدنية الهشة التي تم تشكيلها في آب/أغسطس ٢٠١٩ لا تمثّل اختلافًا واضحًا عن الماضي.

تقود القوّات المسلّحة مجلس السيادة بينما يدير رئيس وزراء مدني العمليات اليومية للحكومة، ويتحمل كلاهما مسؤولية الانتقال إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية كاملة بحلول كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤. وكخطوة مرحلية، سيتولى قيادة مجلس السيادة أحد المدنيين في شباط/فبراير ٢٠٢٢.

وتحوم الأسئلة حول مدى التزام القادة العسكريين بالعملية الانتقالية. لقد اعتادت القوّات المسلّحة على لعب دور مهيمن في الحكومة والاقتصاد. يُقدّر أن الأجهزة الأمنية تسيطر على أكثر من 500شركة في مجموعة من القطاعات، بما في ذلك تعدين الذهب والثروة الحيوانية والأسلحة والاتصالات والبنوك والإنشاءات. أظهرت القوّات المسلّحة في بلدان أخرى كمصر ومالي وميانمار وتايلاند ردة فعل انعكاسية للحفاظ على السيطرة، لكن هناك ستة أسباب تجعل الانتقال إلى حكم مدني كامل من مصلحة المؤسسة العسكرية السودانية.

يعيش السودان تحت الحكم العسكري منذ ما يقرب من 66 عاماً. وحكم العسكر يعني، باختصار، هيمنة أقلية أو مجموعة صغيرة من الضباط على مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية كافة في البلاد بشكلٍ لا يسمح بحدوث تغيير حقيقي في بنية الحكم والسلطة، أو يتيح تداولاً سلمياً للسلطة، خصوصاً مع المدنيين.

تكية عسكر مصر والسودان

السودان هو الدولة الوحيدة التي ينص دستورها على أن الجيش هو حامي المدنية والديمقراطية حسب المواد 144(1/2/3)من الدستور السوداني التي تنص على أن “القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد..”. وهو وضع يكرّس الوصاية العسكرية على الحياة المدنية في السودان من خلال الدستور، وهو أمر غير موجود في أي دستور آخر، بما في ذلك الأنظمة السلطوية.

مصر والسودان الدولتان التي ينصّ دستورهما على أن وزير الدفاع يجب أن يكون شخصية عسكرية، ايضا حسب المادة من الدستور السوداني التي تنص على أن “وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها”. الأصل في الوزراء أن يكونوا مدنيين، بمن فيهم وزيرا الدفاع والداخلية، إلا إذا كان هناك استثناءات في ظروف معينة ولفترات محدودة وبضوابط قانونية ودستورية، أما في السودان فإن القاعدة هي العسكرة وليس العكس.

مصر والسودان هم الدولتان الوحيدتان التي يتمتع فيها كبار القادة العسكريين بحصانة قانونية ودبلوماسية، بحيث لا يمكن محاكمتهم عن أية جرائم تورّطوا بها، خصوصاً ما بين عامي 1989 و2019. وحتى الآن وهي الفترة التي شهدت أكبر عدد من المذابح المروّعة في تاريخ السودان المعاصر، مثل المذابح بدارفور ومذبحة فض اعتصام القيادة في رمضان2019 ،كذلك يتمتع هؤلاء القادة بحصانة دبلوماسية إذا سافروا خارج البلاد، في شأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، الذي أصدره عبد الفتاح البرهان من أجل حماية المتورّطين في مذابح وجرائم قتل المتظاهرين خلال الفترة المذكورة.

مصر و السودان لا يعرف شعبهما حجم ميزانية جيشهما، ولا من أين تأتي هذه الميزانية، ولا كيف تُنفَق وتُصرَف. ولعل المفارقة هنا أن ميزانية الجيش وبقية مؤسسات الدولة تأتي من جيوب المواطنين من خلال الرسوم والضرائب التي يدفعونها، بالاضافة الى الاستثمارات العسكرية الضخمة ورغما عن ذلك تأخذ هذه المؤسسة أكثر من 70% من الميزانية العامة في السودان، وبالتالي من حق المواطن الطبيعي معرفة كيف تُنفق هذه الضرائب، وما إيرادات الجيش ومصروفاته، وهذا أضعف الإيمان.

السودان فيه أكبر عدد من الولاة العسكريين من القيادات الحالية و السابقة في الجيش والشرطة وجهاز الأمن والمخابرات ، وذلك في أكبر عملية عسكرة للدولة والولايات منذ انقلاب البرهان في أكتوبر2021 .

مصر والسودان الدولتان الوحيدتان التي زادت فيها مرتبات ضباط الجيش والشرطة وعلاواتهم حوالى 15 مرة خلال آخر عشر سنوات. حيث عُدِّل قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة أكثر من مرة، بما يتضمن زيادته سنوياً أول يناير/ كانون الثاني من كل عام بنسبة 15% لمدة سبع سنوات. صحيحٌ أن العسكريين يتمتّعون بمزايا اجتماعية واقتصادية في بلدانٍ كثيرة، احتراماً لدورهم وتضحياتهم في الدفاع عن الوطن، ولكن في مصر والسودان لا توجد تضحيات، وإنما فقط مزايا، ودون حسيب أو رقيب، وهذا كله من أجل استرضاء الضباط وضمان ولائهم. وشاهدنا كيف توزع الهبات والبدلات ورواتب شهر الى شهرين للمنتسبين من قوات الدعم السريع والشرطة بعد القمع والبطش بالثوار وتفريق المواكب السلمية،بينما في الدول المتحضرة القوات النظامية تؤمن المظاهرات السليمة وتحميها.

الجيش السوداني والجيش المصرى هم الجيشان الوحيدان الذي يمتلكان إمبراطوريتان اقتصاديتان ضخمتان تقدر بمليارات الدولارات.

ويشرف الجيش السودانى على ما يقرب من 500 مشروع اقتصادي، بدءاً من تصدير الذهب الى الامارات وروسيا والصين، وحتى البنية التحتية كالطرق والكباري (الجسور) وإنتاج الحديد والسيارات .. الخ. وهو وضعٌ شاذٌّ وغير موجود في أية دولة أخرى، فالوظيفة الأساسية للجيوش هي الدفاع عن الأمن القومى للبلاد وحماية الحدود، وليس منافسة الشركات المدنية والقطاع الخاص في المجالات والأنشطة الاقتصادية كافة.

ـ الأكثر غرابة أنه لا يوجد أي نوع من الرقابة والمحاسبة على هذه الإمبراطورية المالية والاقتصادية الضخمة للجيش السوداني، سواء رقابة برلمانية أو شعبية أو قضائية. ولا يعلم أحد شيئاً عن هذه الإمبراطورية، ولا توجد أية سلطة رقابية عليها، بما فيها جهاز المركزي للرقابة المالية والادارية للدولة الذي من مهامه مراقبة كل الأنشطة الاقتصادية والمالية في السودان، ولكن يتم تجنيبها ، ولا يستطيع حتى المراجع العام الاقتراب منها وفقا لقانون التجنيب باعتبارها جهة سيادية .

ـ الحقيقة الأخيرة والواضحة تماماً أن العسكر في السودان يتحكّمون بشكل كامل في الحياة السياسية (نخب وأحزاب وزعماء قبائل ورجال الطرق الصوفية وفئة كبيرة من المجتمع المدني، إلخ) والإعلام (قنوات فضائية، صحف، وجرائد، ومواقع إلكترونية).

باختصار، يتحكّم العسكر في السودان في كل شيء، ويديرون كل شيء، ويسيطرون على كل شيء. لذلك، لا أمل في حدوث تغيير حقيقي في السودان من دون فهم هذه الحقائق، ومن دون تفكيك “جمهورية العسكر ” بشكل حقيقي، يضمن عودتهم إلى ثكناتهم ووظيفتهم الطبيعية في حماية البلاد والحفاظ على مقدّراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى