القضاء على كورونا فرض عين أم فرض كفاية؟

بظهور فيروس الكورونا، شرعت الألسن في جلد الصين
بعبارات ورسومات ساخرة، فقد كانت الصين مسقط رأس الفيروس، وكانت تلك فرصة للكيد
للصين في وسائل الإعلام الغربية، التي ظلت طوال العقدين الأخيرين تشن حربا بلا
هوادة على الصين بوصفها العملاق الاقتصادي الصاعد الذي يهدد ويزعزع سطوة الدول
الغربية على السوق العالمي، وكانت السخرية سلاحا شديد المضاء في التشكيك في صلاحية
ونجاعة كل منتج ذي منشأ صيني، ومن ثم كان الاستخفاف بالكورونا، فطالما أنها صينية
المنبت فلا شك في أنها “فالصو” أي غير “أصلية”.

وقبل أيام أعلنت هيئة الصحة العالمية أن الصين نجحت
في احتواء الكورونا، وظهر الرئيس الصيني على شاشات التلفزة، وهو يتجول في أحد
مستشفيات مدينة ووهان التي كانت نقطة انطلاق الفيروس المرعب، وهو لا يغطي أنفه
وفمه بكمامة، ورغم اعتراف الدوائر الغربية الرسمية والإعلامية بنجاح الصين في
تطويق الكورونا، إلا أن ذلك الاعتراف جاء بصيغة: إنجاز طيب ولكن الثمن باهظ.

قامت الحكومة الصينية بتشييد عشرات المستشفيات
المخصصة لضحايا الكرونا في غضون أيام معدودة، وقامت برش الشوارع والمباني بمواد
التعقيم، ولكن كل ذلك كان سيروح هباء ما لم يتعاون المواطنون مع السلطات الرسمية

الثمن الباهظ الذي يتباكى عليه الغربيون هو أن مئات
المنشآت التجارية والصناعية الصغيرة والمتوسطة في الصين تعرضت للإفلاس، وأن
الخزينة العامة أنفقت المليارات في سياق الإجراءات الصارمة التي فرضتها الحكومة
الصينية على مواطنيها لتطويق المرض، وتبارت وسائل الإعلام الغربية للتباكي على حال
الحريات العامة في الصين، لأن نظام الحكم المركزي فيها صادر حرية حركة المواطنين
في سعيه للقضاء على الكورونا، مستشهدة بمنع ستين مليون صيني من مغادرة بيوتهم طوال
ستة أسابيع، ظلت الحكومة خلالها تقوم بتعقيم الشوارع والبيوت.

وبالمقابل فقد كان الملايين من المواطنين الأمريكيين
خارج مظلة الرعاية الصحية، ولا يحق لهم الخضوع للفحص والاختبارات المجانية والحجر
الصحي عند الاشتباه بأنهم يحملون فيروس الكورونا، إلى أن قامت عضو مجلس النواب
الأمريكي كيتي بورتر باستجواب الدكتور ريدفيلد مدير مركز مراقبة الأمراض والأوبئة،
ومحاصرته بأسئلة حسنة الإعداد حول أحقية كل مواطن أمريكي بالرعاية القَبْلية
والبَعْدية في حالة الاشتباه او الإصابة بالفيروس، وبعد لف ودوران ومراوغة وزوغان
اضطر الرجل إلى التعهد بكفالة ذلك الحق للجميع.

لم تنجح الصين وحدها في تطويق الكورونا، بل شاركتها
هذا الإنجاز سنغافورة وتايوان وهونغ كونغ، وثلاثتهما متاخمة للصين، وبالتأكيد فقد
لعبت الصرامة الحكومية في تلك البلدان دورا حاسما في احتواء الفيروس وعلاج من
أصيبوا به، ولكن وبالتأكيد أيضا فإن “انضباط” شعوب تلك البلدان واحترامها
لدور الفرد والجماعة في العمل العام، كان العامل الحاسم في معركة الكورونا.

نعم قامت الحكومة الصينية بتشييد عشرات المستشفيات
المخصصة لضحايا الكورونا في غضون أيام معدودة، وقامت برش الشوارع والمباني بمواد
التعقيم، ولكن كل ذلك كان سيروح هباء ما لم يتعاون المواطنون مع السلطات الرسمية،
ويتقيدوا بالضوابط والتوجيهات الخاصة برصد حالات الإصابة بالفيروس ومحاصرتها ثم
محاربتها.

مهما فعلت وزارت الصحة هنا وهناك فليس بيدها كسب
المعركة ما لم يتوقف الناس عن التواكل، ويدرك كل آدمي أنه جندي في هذه المعركة وأن
في خلاصه خلاص لغيره، أي إدراك أن محاصرة الفيروس ليس فرض كفاية.

وفي معظم الدول العربية التي اخترقها فيروس كورونا،
وحتى بعد أن توقفت حكوماتها عن إنكار حدوث مثل ذلك الاختراق، يتعامل المواطنون مع
الاحتياطات التي يوصي بها الأطباء لمنع تفشي الفيروس عملا بحكم صلاة الجنازة
“إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين”، بمعنى: دع الآخرين يمتنعون عن
مواطن التجمهر والأسواق، ويمارسون غسل الأيدي وتكميم الأفواه والأنوف، بينما استمر
أنا في تصريف أموري بالإيقاع الذي اعتدت عليه لسنوات.

خاطبت قرائي السودانيين الذين يتابعونني في صفحتي في
فيسبوك على مستويين: الأول أن يكفوا عن نشر الخزعبلات حول الكورونا وطرق اتقائها
عبر واتساب (قلت في سياق ذلك إنني أعرف أن أكل لحم الوطواط المسلوق ـ على ذمة
ناشطي واتساب ـ يسبب المرض وأن الأسلم هو أكله محمرا بزيت الخروع)، وسألتهم ما إذا
كانوا يعتقدون أن الاحتياطات التي اتخذتها وزارة الصحة السودانية كافية لمنع دخول
الفيروس البلاد، وأدهشني وأحزنني أن كثيرين منهم قالوا ما معناه إنهم
“متوكلون” ـ بينما هم في حقيقة الأمر متواكلون يرمون الحمل على غيرهم
وعلى وزارة الصحة ـ ومنهم من اعتبر تجاهل إرشادات الوقاية من الفيروس ضربا من
المرجلة.

وقد رصد تطبيق واتساب بالصوت والصورة كيف تبارى
إعلاميون مصريين لنفي وصول الكورونا إلى التراب المصري، ومنهم من حلف بالطلاق بأن
ذلك لم ولن يحدث، لأن مصر مؤمنة بأمر الله (ماذا يقول هؤلاء عن غزو الكورونا
للمدينة المقدسة ـ مكة؟)، فكان ذلك سببا في استخفاف شريحة من عامة المواطنين
بالفيروس وظهور بعض أساطين واتساب وهم يعلنون: أحنا بناكل فسيخ بالبصل.. كورونا
تشوف غيرنا.

تطويق الكورونا وهزيمتها لن يكون إلا بتضافر جهود
جميع سكان كوكب الأرض، ومن يقي نفسه شرورها، يخدم أسرته ومن ثم مجتمعه ووطنه
والبشرية جمعاء، ويقيم الفيروس حاليا في نحو 85 دولة، وما من شك في أنه سيغزو دولا
أخرى خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، ومهما فعلت وزارت الصحة هنا وهناك
فليس بيدها كسب المعركة ما لم يتوقف الناس عن التواكل، ويدرك كل آدمي أنه جندي في
هذه المعركة وأن في خلاصه خلاص لغيره، أي إدراك أن محاصرة الفيروس ليس فرض كفاية.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى