ثقافة وادب

القصة العجيبة لـ14 سفينة أجنبية حُبس ركابها لمدة 8 سنوات في قناة السويس

تخيّل أن حياتك كانت روتينية، تتمحور
حول عملك وعائلتك وأصدقائك فقط، ثم تجدها في لحظة ما تنقلب، وتجد نفسك منعزلاً عن
العالم في سفينة، كل ما يربطك بها أنها تحمل علم بلادك، وتجد أنه فرض عليك السجن
في بحيرة مع أربع عشرة سفينة أخرى لمدة تجاوزت السنوات الثماني.

لا يوجد إنترنت، أو أي وسيلة اتصال،
لا تعرف كيف حال زوجتك وابنك أو ابنتك، وما شعور والديك الآن، إلى متى سوف يستمر
ذلك الانعزال، وما تلك الحرب التي تحلق فوق رأسك، كان هذا حال الأسطول الأصفر
يومها، سكانه لا يدركون أين السبيل اليوم للنجاة من ذلك الرعب الذي يلوح أمامهم؟

الصدفة هي الكلمة الأدقّ لوصف أي شيء
يتعلق بتلك الحكاية، الصدفة في إيجاد الفنان السويسري «أورويل أورلو»
طابعاً بريدياً مجهول الهوية، لا ينتمي لأي بلد، كل ما يحتويه أنه يعود إلى ما
يسمى بجمعية البحيرات المرة الكبرى، فيبحث عنه أورويل ليجد أنه يعود إلى أحد البحارة،
الذي تم احتجازه هو وسفينته ضمن 14 سفينة أخرى في قناة السويس بالبحيرات المرة،
لمدة أكثر من ثماني سنوات وقت الحرب بين مصر وإسرائيل.

فبعدها يُقرر أورويل البحث في الأمر
أكثر، ويسافر لقناة السويس، ورغم أنه في ذلك الوقت كان كل شيء قد تغير، والسفن لم
يعد لها وجود، إلا أنه قرر أن يترك العنان لفكر الفنان بداخله، واستجمع شجاعة
خياله حتى يساعده في استحضار التاريخ.

وفي يناير/كانون الثاني 2012، تحت
عنوان «الزمن طويله وقصيره» عرض الفنان السويسري «أورويل
أورلو» حياة البحارة خلال سنوات الاحتجاز، بمركز الصورة المعاصرة بوسط
القاهرة، وقام بنثر بعض الصور لحياة البحارة في سفنهم على طاولة، وعرض بعض
الفيديوهات التي تحكي عن البلاد وحرب 67، التي دامت ستة أيام فقط، لكن بفضلها
احتُجز 14 سفينة من ثماني دول مختلفة من عام 1967 إلى عام 1975.

وحالي أنا شخصياً كان كحال أورويل،
وانتابتني نفس الروح الفضولية عندما وجدت فيلماً وثائقياً بعنوان «الأسطول
الأصفر»، يحكي عن تلك السفن التجارية، التي فُرض عليها التكيّف مع الحياة
عمراً في قلب البحيرات المرة.

كان الأسطول مكوناً من أربع سفن
إنجليزية، وسفينتين ألمانيتين، وسفينتين بولنديتين، وسفينتين فرنسيتين، وسفينتين
سويديتين، وسفينة أمريكية، وسفينة بلغارية، وواحدة من تشيكوسلوفاكيا، واضطرت أربع
عشرة سفينة أن ترسو في البحيرات المرة، ورست سفينة واحدة في بحيرة التمساح.

الغرابة هنا كانت تكمن في تلك
الحكاية من أولها إلى آخرها، عندما قادتهم الحرب للتجمّع من ثماني دول مختلفة،
ليكونوا كياناً مستقلاً عن العالم لمدة تزيد عن ثماني سنوات.

سُمي ذلك الكيان بالأسطول الأصفر،
نسبه لرمال الصحراء التي قامت بتغطيه السفن الراسية في النهر، من السهل عليك أن
ترى حرباً في التلفاز، لكن من المرعب أن تراها على مرمى البصر أمامك، والطائرات
تحلق فوقك بغزارة حتى كادت تغزو السحاب، والطلقات والانفجارات تُداعب عينيك
بالرعب، فقد كانوا على بعد ميل واحد من مطار الإسماعيلية، لذلك كانوا يشاهدون
المنظر وكأنهم في حضرة فيلم مرعب، لا يعلمون متى تصدر فيه كلمة النهاية.

لكن بعد مرور ستة أيام وانتهاء الحرب
احتل الإسرائيليون سيناء، وحكم على السفن والبحارة بالسجن لمدة غير معلوم مداها في
ذلك الوقت، وتم السماح فقط للسفن المسافرة بالمغادرة، لكن لم يُسمح للسفن التجارية
أو الحربية بالمرور.

 أغلب ما وَصف به البحارة
رحلتهم تلك، أنها كانت أشبه بالسجن الغريب جداً، حيث إن الشهر الأول كان أشبه
بالعطلة، والشهر الثاني كان أصعب، وبحلول الشهر الثالث كانت الأمور مريعة، وفي
الشهر الخامس اجتمع رؤساء السفن لتكوين ما يسمى بجمعية البحيرات المرة الكبرى.

أمام ذلك المستقبل المجهول لم يملكوا
من الأمر شيئاً سوى التأقلم، في تلك الظروف غريزة البقاء هي الحاكم الأقوى على
الإنسان، يبحث عن أبسط الطرق التي تُعطي له أملاً في النجاة.

أول ما قاموا به هو رسم علم البلد
على كل سفينة تنتمي إليه، ثم حاولوا إيجاد طرق تساعدهم في التواصل مع العالم
الخارجي، فلم يجدوا أمامهم سوى المذياع المركزي، الشيء الوحيد القادر على إطلاعهم
على ظروف العالم وظروف بلادهم والحرب التي سجنتهم عمراً في البُحيرات.

لكن بمرور الوقت صادرت الحكومة
المصرية ذلك الجهاز، ومنعتهم من استخدامه، حتى لا يقوموا بتسريب أخبار الحرب، ثم
بعثت الحكومة رجل شرطة ليكون معهم في السفينة.

جعلوا قوارب النجاة الوسيلة الوحيدة
للتنقل بين السفن، وكانت السفن تقوم بتبادل الطعام فيما بينها، ليساعدوا بعضهم على
النجاه، الغريب في الأمر أن تلك السفن التي تنتمي لدول مختلفة استطاعت في ذلك
الوقت التعاون وكأنها دولة واحدة، رغم أن معظم تلك الدول نفسها كانت تعادي بعضها
قبل أسرهم في مكان واحد.

بمرور الوقت بدأت الدول المسؤولة عن
كل سفينة في بعث أفراد جدد كل أربعة أشهر، ليتم التبديل بينهم وبين العمال في
السفينة، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، الجميع يريدون الفرار والنجاة بذواتهم، كل
واحد منهم لديه عائلة وحياة أخرى في بلاده يريد العودة إليها، لكن في لحظات كثيرة
كان العمال فيما بينهم يعطون الأولوية للعمال المتزوجين والذين لديهم أولاد، وكأن
الإنسانية تبلغ ذروتها في بعض المواقف التي تعزز الشجاعة في النفس، وخلال السنوات
الثماني كلها خدم على متن السفن المحتجزة في قناة السويس مجتمعة 30 ألف رجل،
وأثّرت تلك التجربة في البعض كالنقش في الأنفس، ولم يتمن أحد من الذين عاشوا تلك
التجربة أن يعود بهم الزمن دون خوضها مرة أخرى، فتأثيرها الإنساني عليهم جعل منهم
أشخاصاً أفضل، كما قال بعضهم.

وفي اللحظات الصعبة والخوف من
المجهول يمكن  لأي إنجاز بسيط أن يُشعرك بالانتصار في ذلك الوقت، فقط لأنه
أعطى لك الأمل في قدرتك على النجاة، لذلك قامت السفينة البولندية بعمل أولمبيات
محاكاة لتلك التي قامت في المكسيك عام 1968، ولم يتوقف الأمر عند السفينة
البولندية فقط، بل كانت تُقدم الخدمات الكنائسية على السفينة التابعة لألمانيا
الغربية، ويتم عرض الأفلام على السفينة البلغارية، وكانت السفينة السويدية تحتوي
على مسبح يستجم فيه البحارة، ومباريات كرة القدم كانت تُلعب على أكبر السفن مساحة.

كان الحديث عن ذلك الأسطول المحتل في
ذلك الوقت يكاد يكون منعدماً، فكان العالم لحظتها منشغلاً بالحرب الباردة، لذلك
اجتمع رؤساء تلك السفن لتأسيس جمعية البحيرات المرة الكبرى، ليشعر العالم بوجودهم،
ثم قاموا بمراسلة الدول الأجنبية برسائل تحمل طوابع بريدية مبتدعة باسم جمعيتهم،
وبطوابع بريدية أخرى حقيقية متعارف عليها لضمان وصول الرسائل إلى وجهتها، لكن قيل
إن بعض تلك الرسائل وصلت بالطوابع المبتدعة باسم البحيرات المرة فقط.

لا يمكنني أن أُطلق على ذلك الأسطول
-الذي استطاع أن يصبح دولة وكياناً واحداً في قلب البحيرات المالحة بسبع لغات
مختلفة- سوى دولة العجائب!

كانت السفن قادرة على التواصل معاً
رغم اختلاف اللغات، وتتقاسم الطعام رغم العداء القديم بين دول معظمهم، وتخلق
لذاتها سُبلاً للتعاون معاً ترغمهم على التمسك بالأمل رغم طول الانتظار، فخُلق وسط
البحيرات دولة رغم قسوة ظروفها المحيطة، ورغم صوت الحروب حولها فإنها كانت أكثر
البقاع سلاماً في ذلك الوقت.

ولم تدُم دولة العجائب أكثر من ذلك،
في عام 1975 تم تطهير المنطقة، وفتح قناة السويس وتحرير تلك السفن، وعاد لكل سفينة
استقلالها كدولة مختلفة عن باقي السفن، والمبهر في الأمر أن كل السفن احتاجت إلى
القطر، إلا السفينة الألمانية، فإنها تحركت وعادت إلى بلادها اعتماداً على كفاءه
محركاتها حتى وصلت هامبورغ، وكان في استقبالها 30 ألف شخص.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى