الأرشيفتقارير وملفات

القدس ينادينا فهل من مجيب ؟

بقلم الباحث التاريخى

 

محمد المصرى التركى

المجاهدين الأبرار  الذين عرفوا حق الله عليهم أصبحوا تحت الثرى أو فى السجون ومامن أحد يجيب نداء القدس أسير الصهاينة فقبضة النظم العميلة للنفوذ الصهيوصليبى قاسية على شعوبها فاتحة أبواب المعتقلات والسجون وتقوم بإدارة آلات التعذيب وتصفية الأحرار قائمة على قدم وساق وغاب عن الشعوب القادة والزعماء فأصبحوا شرازم وشيعا تتوه فى البيداء لا تعلم حقا ولا حقيقة مسلطا عليها أبواق تصدح بالكذب ليلا ونهارا لتُغيِّب وعى الشعوب عمَّا يحيق بها من مخاطر شديدة من طمس هويتها  والقضاء على  حريتها  وقتل روح الجهاد فيها لتعيش فى الذل  والهوان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيلِ اللهِ إلا خذَلهم اللهُ بالذُّلِّ ) الراوى : ابن كثير المصدر :البداية والنهاية  :   المحدث :أنس بن مالك   الجزء أو الصفحة  6/305 حكم المحدث : صحيح  .

فالجهاد فريضة من فرائض الشريعة وهو العنصر العملى للإيمان  لضرورته للشعوب للدفاع عن العرض والمال والوطن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (مَن قُتِل أو قال مَن مات دونَ مالِه فهو شهيد) الراوي:عامر بن كريز المحدث:الطبراني المصدر:المعجم الأوسط الجزء  أو الصفحة:8/93 حكم المحدث:لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن  عامر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد الله بن مصعب وأوْلى الجهاد أن يكون من أجل القدس لأنه أُولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى المصطفى عليه الصلاة والسلام ولذلك أصبحت القدس قضية كل مسلم  وكل مسلمة وواجب العمل على تحريره  ببذل المال والنفس ولابد من مواجهة الصهيوصليبية العالمية بكل الطرق  بالتوعية بالكتابة  أو بالحديث لدى الناس فى الإجتماعات وعلى شاشات القنوات الحرة والحث على التوحد من أجل تحرير القدس الذى هو ميزان إيمان الأمة ونبراس للشعوب لمن يريد أن يعيش فى عز وكرامة  ويكون مرتبطا بخدمة دينه وأمته  .

وإذا تصفحنا تاريخ  الأمة الإسلامية سنرى العجب العجاب عالم ملىء  بالفتن واللامبالاة والإنكباب على الدنيا وشهواتها وعلى إكتناز المال والبحث عن الملذات وإعتناق تظريات غريبة أوغير واقعية لا تتواءم مع  الإسلام كالعلمانية والليبرالية والوجودية المادية والشيوعية التى إستخدمت شعاراتها الرنانة للقضاء على الإسلام  لدفع معتنقيها بالإنجراف  فى تيار الفساد والتبعية للقوى الصهيوصليبية التى سيطرت على إقتصاد العالم وهيمنت على ثروات الشعوب الضعيفة  فقال قائل الجهاد :

 وما فتىء الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرون

 ولم أعد أرى في الركب قومي. وقد عاشوا أئمته سنين  

 وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمون  أين المسلمون !!

كما سنرى أيضا عالم ملىء بعمل الخير ورعاية الفقراء والإنتماء للوطن وتقويم المجتمع والتمسك بشريعة الإسلام نصا وروحا والعمل بتعاليمها دون تعطيل أى عنصر من عناصرها وعلى رأسها الجهاد وهذا كله أصبح من المبادىء الأساسية  للإخوان المسلمين الذى أنشأها الإمام حسن البنا وفقا لمنهج القرآن فهو رجل أحب الجهاد بشقيه بالكلمة وبالقتال فحرك المياه الراكدة لشعوب مغلوبة على أمرها إستطاع الإحتلال غمسها فى الرذيلة ونفخ فيها روح جديدة مقاومة وأمام هذا نرى أن الدنيا تقوم على عنصرى الخير والشر ولا يمكن أن تقوم على أحدهما فقط طالما إختلفت طباع الناس ومشاريها الثقافية والفكرية فإذا أبطل نظام أى دولة هذه الشرائع فلا يلومن الشعب إلا نفسه على ضياع  دينه وهويته وعرضه وماله وأرضه ولابد أن يدور الصراع حثيثا بين الخير والشر

5

 إذ يقول الشاعر :

ويمضى بنا الزمان حثيثا بين صراع ووئام *

فيفوز الخير حينا ويغلب الشر أحيانا.

ومن المعروف أن الجهاد يحمل قيما كثيرة وأولها  طاعة أوامر الله عز وجل والبعد عن نواهيه  وعلى رأس هذه الأوامر  صد المعتدين عن بلاد الإسلام وتكوين  قوة يخشاها العدو فلا يمتد  بأطماعه إلى بلاد المسلمين وهناك أبواب كثيرة للجهاد منها الدفاع عن الدين والعرض والأرض والنفس والمال والولد ومنها مجاهدة النفس وحضها على ترك الأنانية والطمع والجشع يقول الله تعالى فى محكم كتابه على لسان سيدنا يوسف : [ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌيوسف – الآية 53 وصرف الجهد لإحياء المجتمع  كما يوجد الجهاد بالكلمة للتوعية ودحض أكاذيب النظم العميلة التى تقوم ابواقهم التى تسمى إعلام  بنشرها أو الإشاعات التى يتشرها أعداء الإسلام بواسطة عملائهم ومرتزقتهم والتى ضرب الزعيم الوطنى مصطفى كامل أروع مثل لحربه ضد هذه الأكاذيب والإشاعات ونشر الوعى الوطنى ونبذ الأنانية  بقوله : ما إستحق أن يولد من عاش لنفسه فقط والجهاد بالكلمة ضرورى جدا لتجديد فكر الشعوب ولإيقاظ الناس من غفلتهم  بتنبيههم  إلى ضرورة  التحصن بشرع الله حتى لا يقع فى حبائل الشياطين التى تمتد إلى عمق العقيدة ذاتها بوضع الشكوك والتأويلات فى كل مسألة من مسائل الشرع وخاصة الروح والغيب  فيقع الإنسان الغير مزود بالعلم صريعا لهذه الشكوك  لذلك ظهر علماء الأمة لضبط إيقاع الفكر على الشريعة كالإمام مالك وابن حنبل وأبوحنيفة النعمان والشافعى رضى الله عنهم ولابد قبل الإنجراف فى تأويل أى مسألة من مسائل الدين ضرورة النظر فيما كتبه هؤلاء الإئمة العظام الذين توجوا الفقه الإسلامى بروائع فكرهم ورغم هذا الإبداع الفكرى يقول مدعو  السلفية : وهل كانت فى عهد الرسول مذاهب ويصدقهم العامة  ولا يلتفتون إلى أن المدينة التى هى دولة الرسول الأولى كانت عربية صرفة يفهم أهلها  لغة القرآن يقول الله تعالى : [ِكتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصلت 3  أى يعلمون لغة القرآن فلما إتسعت الدولة وكثر الداخلين فيها من الأجناس الأخرى الغير عربية  بدت اللغة العربية بكلماتها  غريبة عليهم بسبب دخول كثير من مصطلحات وتعبيرات لغات البلاد التى فتحوها فى حديثهم دون إعتبار لفقه اللغة أو أصول النحو مما أدى إلى وجود تأويلات أخذت تسير فى مجراها الخاطىء فكان لابد من وجود أمثال هؤلاء الفقهاء ليجرى على منهجهم الناس حتى لا ينحرفوا فى تأويلاتهم للقرآن والسنة  وبذلك  يريد مدعو السلفية تجريد الأمة من  إجتهادات هؤلاء المفكرين العظماء الذين حفظوا لنا الفقه الإسلامى لكى يقوموا هم بصناعة  كهنوتا يشبه كهنوت النصارى واليهود وبعض الفرق الإسلامية كالنصيرية والدروز والرافضة الذين أهملوا كتبهم المقدسة وتعاليم دينهم وصاغوا لأنفسهم أحكاما أخرى تسمى قرارات كنسية تأخذ طابع القداسة مكان الإنجيل وضعه رهبانهم من النصارى وحرم  حاخامات اليهود على عامة اليهود قراءة التوراة أو تفسيرها وجعلوها لفئة اطلقوا عليهم لقب القرائين ليكونوا هم  المفسر الوحيد للتوراة  كذلك الدروز أخفوا عقيدتهم التى تتركز فى عبادة شخص الحاكم بأمر الله الفاطمى الذى تبرأ منها وأمر بقتل حمزة الداعية إليها  وركزوا  فهم الديانة فى العقول أى الفقهاء الذين يدعى الواحد منهم عقل ولهم رئيس يسمى العقل الأول ومنعوها عن بقية الطائفة وعن المخالفين لهم حتى  لا تقوم المناقشات التى تظهر العوار فى تصوصها مما أدى إلى جهل هذه الطوائف بكتبهم المقدسة وخضوعهم لتعليمات زعمائهم الدينيين وتوجيهاتهم  مهما كان درجة خطئهم  .

وكذلك من  أساليب الجهاد مقاومة الفساد الذى قضى على أعتى الإمبراطوريات وأودى بالأمم ويكفى أن نعلم أن الفساد أودى بأكبر إمبراطوريات العالم فى ذلك الوقت وهى الإمبرطورية  الرومانية الوثنية فى العصر القديم والإمبراطورية البيزنطية المسيحية والإمبراطورية الفارسية فى العصر الوسيط والإسلامى لكى ندرك أن فساد الفكر والأخلاق من أخطر عوامل هدم الدول وبه تدنت مصر إلى درجة مؤذنة بالسقوط فلا بد والأمر كذلك  من القضاء على كل صور الفساد والحث على الفضائل وإصلاح المجتمعات ولدينا على مدار التاريخ  عدد كبير من المصلحين منهم فى التاريخ الوسيط الذى نلقبه بالتاريخ الإسلامى إمام اهل السنة أبو حامد الغزالى الذى صرع المادية  بكتاباته ذات الطابع الروحى وإتجه إلى إصلاح المجتمع الذى تجذر فيه الفساد روحيا لترتقى الروح فى معارج الرضوان وقنَّن التصوف وجعل منه مذهبا قائما على الزهد والجهاد وليس التبطل والخنوع دون إجبار لمن يريد أن يبقى على الجانب المادى ولا يريد أن يرتقى بروحه فى تلك المعارج والذى قال الله عنها  :[ من الله ذى المعارج تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ]   المعارج – الآية 3، 4  لترتقى  الروح فتصعد إلى درجة النفس اللوامة التى أقسم الله بها إذ قال فى كتابه العزيز  [ ولاأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامة ] القيامة – الآية 2 ليصل بكفاحه لهذه النفس إلى معراج النفس المطمئنة وهى آخر درجات النفس التى ليس بعدها شيىء إلا الجنة  والذى قال الله تعالى  لها : [ يا أَيَّتُهَا النفس المطمئنة إرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةًالفجر    27  فإذا ماوصل إلى معراج النفس المطمئنة أى النفس التى لا يداخلها شكوك فى وحدانية الله وعظمته ولا  فى اليوم الآخر وتؤمن بالغيب إطمأن إلى ثواب الله لتيقنه فى الإيمان به وذلك من قول  الله تعالى : [ فادخلى فى عبادى وَادْخُلِي  جَنَّتِي  ] الفجر  27 ،28  ولذلك إستحق أن يطلق علي أبو حامد الغزالى  لقب شيخ الإسلام فى عصره  ويكفى أن نقرأ كتابه إحياء علوم الدين لنعرف كيف إستخدم الفقه الإسلامى من منظور الروح ليُقوِّم المجتمع الذى إنغمس فى  الفساد فى القرن الخامس الهجرى بسبب الثروات التى تدفقت على الأمة الإسلامية فأقبلوا على الحياة ولذاتها ينهلون منها وتحللوا من القيم الإسلامية فضعفوا بسبب العيش فى البذخ عن ملاقاة المغول الذى أقام لهم المذابح وأحرق المدن وبسبب نقد الإمام أبو حامد الغزالى للمنهج المادى وإستخدامه للمنهج الروحى شنَّ عليه الفلاسفة حربا شعواء واعتبروا ذلك خروج على المنهج العقلى ويكفى أن نقرأ كتابه التهافت لنعرف كيف وضع الإسلام كثيرا من نظريات الفلاسفة  الفاسدة تحت أقدامه لثبوت عدم صحتها فقد قامت على مقدمات لم بثبت صحتها وكذلك ظهر فى التاريخ الحديث عبد الرحمن الكواكبى السورى الأصل الذى أدان الطغيان وشجبه بشدة  لأنه  الوكيل الرسمى للإحتلال  والنفوذ الصهيوصليبى وظهر أيضا جمال الدين الأفغانى الذى قاوم  الإحتلال بالفكر والكلمة من منظور إسلامى وتلميذه الشيخ محمد عبده  الذى أيد ثورة الضابط الوطنى الثائر أحمد عرابى وعبد الله النديم صاحب البعكوكة التى كانت مجلة للسخرية من الإحتلال وعملائه فى مصر مما أدى إلى مطاردته من النظام الإقطاعى عميل الإحتلال  ونفيه خارج مصر والمفكر العظيم سيد قطب صاحب فى ظلال القرآن الذى أفرد  فصلا  شجب فيه الطغيان وأبرز تأثيره السلبى على تقدم  الشعوب  والذى يؤدى إلى إنهيار الدول وإستند عليه  كمال الدين حسين أحد ضباط انقلاب 1952 فى معارضته للطغيان إذن فالمفكرون جميعا والفقهاء يرون ضرورة الجهاد .

عز-الدين-القسام

كذلك من ألوان الجهاد دفع العدو بالقوة المسلحة للحفاظ على الأمة ودينها  ووجودها وحريتها وكرامتها والمحافظة على الأرض والعرض فنرى من الأبطال سيدى البدوى المجاهد العظيم الذى حارب بفرقته من الفقراء ـ   ليس فقرا من حاجة ولكن هى درجة من درجات التعبد لله يقول الله تعالى [  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ  ] فاطر – الآية 15  والتى ضمت  الزهاد والمتصوفة الذين سارعوا  لحرب جيوش الصليبيين  فكانت هذه الجيوش لا تخشى فرسان المماليك الذين هم سادة الحروب وفرسانها فى ذلك الوقت بقدر ما تخشى السيد البدوى وفرقته بسبب عدم مبالاتهم بالموت وإقبالهم على الشهادة طبقا لوصية سيدنا أبى بكر الصديق :أقبل على الموت توهب لك الحياة ـ إما بإرهاب العدو بسبب شجاعتهم أو باستشهادهم ـ حيث قال الله تعالى : [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا  فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ] آل عمران 169وهو ما سار على نهجه الإخوان المسلمون الذين سطروا حكايات عن تضحياتهم وحروبهم ضد الإحتلال البريطانى والعصابات الصهيونية كأنها
الأساطير مما جعل النفوذ الصهيوصليبى يعمل على إقامة نظم عربية عميلة مهمتها القضاء عليهم وإخفاء بطولاتهم ونشر الأكاذيب عنهم وتضليل الرأى العام بشأنهم وبث الكراهية لهم ولإمامهم الشهيد حسن البنا الذى أيقظ أمة من غفلتها  وهدفهم أن تظل بلاد المسلمين إقطاعيات فاسدة لهذا النفوذ كما ظهر أسد الصحراء عمر المختار وفرقة المجاهدين الأشداء من السنوسية المتصوفة فى ليبيا لمقاومة الإحتلال الإيطالى وأسد المغرب العربى الذى قاوم النفوذ الصليبى عبد الكريم الخطابى من المنطقة التى خرج منها المجاهدين بحارة الأساطيل العربية فى  البحر المتوسط  الذين سيطروا عليه وجعلوه بحيرة إسلامية  والمجاهد البطل عز الدين القسام الذى أشعل الثورات فى سوريا  وفى فلسطين الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذى أعاد المقاومة الإسلامية إلى فلسطين بعد أن خف وقعها بعد إستشهاد البطل عز الدين القسام ورفاقه وهؤلاء لهم مواقف عظيمة ومقاومة شرسة  نابعة من الإيمان والثقة بالله والإقبال على الشهادة قلَّما تجدها فى آخرين  كذلك من صور الجهاد  العمل بالسياسة التى تدافع عن حق الأمة المسلمة فى المحافل الدولية وتتصدى  للإتهامات الباطلة ضد المسلمين بوصمهم بالإرهاب كما فعل وزير خارجية مصر محمد صلاح الدين فى حكومة الوفد فى زمن الملكية والدكتور محمد مرسى ابن مصر الوطنى الأصيل الذى وقف كأسد فى الأمم المتحدة ليعلن أن مصر الآن لن تحترم من لايحترم إسلامنا وحريتنا وقال مصر الآن غير مصر الأمس  .

كما ضرب “عز الدين القسام” المثل العظيم فى تعاضد العرب والمسلمين ضد الهجمات الصهيوصليبة فهو رغم أنه من  بلدة جبلة بمحافظة اللاذقية فى  سوريا إلا أنه إعتبر الوطن الإسلامى الكبير وطنه فإحتذى بسلفه العظيم ابن الشام سليمان الحلبى الذى جاء  من حلب مدفوعا بحماسه الشديد لقتال الفرنسيين الذين أتوا بحملتهم لغزو مصر وإقامة إمبراطورية  فرنسية فى العالم الإسلامى تكون قاعدتها مصر والشام ودفعه إلى هذا غيرته على  الأزهر الشريف  الذى يمثل العالم الإسلامى الذى إنتهك الفرنسيون  حرمته وهذا دل على أن الأمة الإسلامية ُلم تخلوا  يوما من المجاهدين الربانيين الذين  يذيقون أعداء الإسلام الويلات ويقودون  شباب أمتهم للجهاد العظيم  أينما يتواجدون خاصة في المحن  تدفعهم فورات الغضب  ضد غزوات الصليبيين الذين يتربصون بالعالم الإسلامى وضد الصهاينة الذين سلبوا الأرض وسفكوا  دماء الفلسطينيين الغزيرة  من أهل القرى ويدفعهم الغضب  لدينهم  طاعة لأمر الله وإيمانا يضرورة الجهاد ضد النفوذ الصهيوصليبى  المعتدى  على الأرض والعرض ودفاعا عن أمتهم ودينهم  طبقا لقول الله تعالى :  [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ] المائدة   الآية 35 .

 وقد شغلت هموم الوطن العربى الكبير “عز الدين القسام” منذ طفولته شأنه شأن زعماء الأمة الذين يولدون ومعهم الإحساس بالإهتمام بشعوبهم  قبل ذواتهم طبقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : [مَن لَمْ يهتَمَّ بأمرِ المُسلِمينَ فليس منهم ومَن لَمْ يُصبِحْ ويُمْسِ ناصحا لله ولرسولِه ولكتابِه ولإمامِه ولعامَّةِ المُسلِمينَ فليس منهم ] الراوي : حذيفة ابن اليمان المحدث : الطبراني المصدر :المعجم الأوسط الجزء أو الصفحة 7/270 حكم المحدث:لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد الله بن أبي جعفر الرازي والنصح هنا ليس بالقول فقط ولكن بالعمل أيضا وعلى هذا الدرب سار عز الدين القسام ينظر بعينيه  إلى حال الوطن العربى والإسلامى الكبير نظرة إهتمام  فى سن مبكرة فمنذ ولد فى 1882 م / 1300  هـ  والإحساس بحال الوطن العربى يؤرقه كما يحزنه ما يحدث فيه من سلبية لا تتفق مع شريعة الدين الإسلامى طبقا لما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يحزنه خضوعه للإحتلال الصليبى  وقد وضج هذا حبه للعزلة منذ طفولته  مما يوحى بأنه  خلق  لشيىء أكبر من النظر أو التفكير فى زخرف الحياة ونمىَّ هذا المبدأ فيه تتلمذه على يدى الإمام محمد عبده والعالم الجليل محمد أحمد الطوخي  رحمهما  الله تعالى مما يعنى أنهم غرسوا فيه الإبمان وحب الوطن والعمل الذى يقدسه  الإسلام لقوله تعالى [وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَهود – الآية 121  ولذلك قام بالعمل  كحلوانى فى القاهرة لكى لا يكون عالة على أحد وليستطيع الإنفاق على نفسه ولم يكن يخجل منه بل تفاخر به فى وقت كانت  فيه  المجتمعات العربية  تأنف فيه من العمل اليدوى ويعدونه شيئا متدنى  يفقد الإنسان به كرامته وظهر هذا النمط من التفكير فى صديقه عز الدين التنوخي الذى كان يستحى من عملهما وكان يختبئ  لشعوره بالضعة منه فكان عز الدين القسام  يقول له : من الواجب  أن تفخر بعملك فعز الدين القسام لم يكن يأبه لهذا الفكر المخالف  لشرع الله إما عن جهل وإما تقليد للطبقات الإقطاعية باعتبارهم طبقات متميزة وهى التى إحتقرت العمل وعاشت على التبطل بحيازة الأرض وإكتناز الأموال وإستغلت شعوبها للقيام بالعمل بالسخرة أو بأجور ضعيفة لا تسد الرمق  لإعتبارهم أن  الشعوب عبارة عن طبقات فقيرة متدنية تحتاج للعمل لتقتات منه وهذا ما تفعله الطبقة الغنية المتولدة عن الطبقة الإقطاعية والموالية للنظام الإنقلابى فى مصر والعمالة للصهيوصليبية العالمية كما كان دأبهم  وهى الطبقة التى إعتبرت مصر إقطاعية لها فسيطروا على الإقتصاد وقاموا  بنهب ثرواتها وسلب مقدراتها وإشتغلوا بسرقة أراضى الدولة واستحلوا الرشوة وظهر أنهم يكرهون الشعب المصرى دل على هذا موالاتهم للنظام الإنقلابى وتآمرهم على ثورة 25 يناير ظنا منهم أن النظام الإنقلابى سيعيد لهم نفوذهم القديم ولكن هيهات فالمد الشعبى القوى لن يمكنهم من هذا ولاشك أن هذه الطبقة ستزاول فسادها القديم هذا أمر طبيعى لابد من حدوثه لأن بمرور الزمن بكثر أعداد هذه الطبقة بزيادة نسلها ويشتد الطمع فيحوز الكبار منهم الأرض ورؤوس المال ويحرم منها الأجيال المتوالدة طبقا للنظرية الإقطاعية التى لا تميل لتفتيت الأرض وطبقا لأيدولوجيتها  تنظر هذه الأجيال للعمل نظرة إحتقار فيلجأون إلى الرشا والنصب والسرقة إذ لا يوجد طريق أمامهم للتكسب إلا هذا ولا يجدوا من يردعهم عن هذا  لأن النظام الفاسد يحميهم وطبيعى أن تغرس هذه الطبقة بنفوذها وقبضها على إقتصاد البلاد هذا التبطل فى المجتمعات العربية فأصبحت تأنف فيه من العمل اليدوى ويعدونه شيئا متدنيا وسبة يخجل منها الناس فمن يزاوله يتأذى بإحتقارهم  وتذدريه العيون التى تنظر إليه على أنه قرين للتدنى وللأسف ماذالت كثير من الأسر اليوم تحتقر من يعمل بيده وترد طلبه فى الزواج بإحدى فتياتهم ضاربين عرض الحائط بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما أَكلَ أحدٌ من بني آدمَ طعامًا خيرًا لهُ من أن يأكلَ من عَملِ يدِه،إنَّ النَّبيَّ داودَ عليهِ السَّلامُ كانَ يأكُلُ مِن عملِ يدِه ) الراوي :المقدام بن معد يكرب الكندي المحدث : أبو نعيم المصدر : حلية الأولياء الجزء أو الصفحة:  5/246 حكم المحدث : صحيح من حديث خالد ولذلك ضرب عز الدين القسام عرض الحائط بهذه التقاليد السيئة المخالفة للشريعة والتى تؤدى إلى التخلف الإقتصادى لأنه يعلم أن المجتمع الذى لا يتمسك بشرع الله ينحرف بفكره إلى تقاليد ضارة تتفشى فى  المجتمعات  ضاربة بالشرع عرض الحائط وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم :  (لئن يحتطب احدكم حزمة خير من  أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ) الراوي : أبو هريرة المحدث: البخاري  المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة : 2074 حكم المحدث: صحيح  وهذا التبطل  عن العمل فى المجتمعات مطابقا للإستراتيجية  الصهيوصلبيبية التى تهدف للسيطرة على إقتصاد الدول العربية والإسلامية لنهب المواد الخام منها  بأسعار متدنية للغاية وبيعها لها بعد تصنيعها بأسعار مرتفعة فتمكن الإحتلال بذلك من تحويل هذه البلاد إلى سوق كبير تعج بمنتجات ومصنوعات بلاده  ويدر عليه بالخير العميم فأثرى ثراء فاحشا أمكن به نهوض بلاده وتطويرها بسبب توفر الإمكانات المادية التى نهبوها من البلاد العربية والإسلامية وبسبب توفر الإمكانات العلمية التى بنوها على علم المسلمين وحضارتهم  كل هذا  شجع على العمل والإختراع  بين شعوبهم  فإرتقت بلادهم بينما تدنى العالم العربى والإسلامى  وبهذه الإمكانات عملوا على  تطوير أسلحتهم لإحكام السيطرة على البلاد العربية والإسلامية الضعيفة  بحيث تصبح شعوبها عبيدا ترتع  فى مستنقع الجهل والفقر والمرض ولذلك إندفع عز الدين القسام إلى  العمل طبقا لدعوة  الشرع [ وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ] التوبة  105 بل دعا الشرع إلى الإبداع فيه وتطويره  ولم يكتف عز الدين القسام بذلك  بل تباهى  به ولذلك ما أن زارهم والد صديقه ورأى ما يفعلان فرح وقال له : لقد علمك صاحبك عز الدين القسام الحياة .

نعم فالعمل حياة لأنه يحيى فى الإنسان الكرامة وعزة النفس والإستقلال  ولكى نتأكد من هذا يجب أن ننظر إلى عبودية موظفى الدولة الذين يتقاضون رواتب كأنها إعانة من الدولة او صدقة نظيرعبوديتهم للنظام والإلتزام بالصمت والرضا بما تفعله النظم من خيانات لشعوب بلادهم والعمالة للنفوذ الصهيوصليبى ولذلك فالحكمة من أمر الله بضرورة العمل والذى حث عليه الشرع أنه يرتبط  بالكرامة الإنسانية فالمؤمن يجب أن يكون عزيز النفس دائما لا يجب أن يمد يده لأحد مادام يقدر على الكسب ولهذا أصبح العالم  الإسلامى منذ الدعوة الإسلامية عبارة عن خلية نحل  فلا تخلوا مدينة من مدنه من إحدى الصناعات فائقة الجودة التى يتهافت عليها العالم بأسره ويتباهى الناس بها وتتوقف القوافل التجارية فى كل مدينة من هذه المدن  لتاخذ مايجود فيها من صناعة وتزودها  بمصنوعات ومنتجات المدن الأخرى وبهذا عاش العالم الإسلامى فى وحدة إقتصادية متكاملة تسد حاجات بعضها البعض وإضطرت دول أوربا أن تتاجر معها بالقليل من منتجاتها التى لم لم تتفوق فيها إلا بيزنطة ـ بلاد اليونان حاليا ـ لقربها من العالم الإسلامى وانتنقال طرق الصناعات إليها من دول الشرق  القديم حيث صنع المصريون أعظم حضارة فى التاريخ القديم ولذلك عمل الغرب الصهيوصليبى على تفتيت هذه الكتلة المتكاملة إقتصاديا إلى دويلات صغيرة ووضع الحواجز والحدود بينها حتى تنقطع الصلة بينها وتتجه إلى التعامل مع دول النفوذ الصهيوصليبى     .

فلما عاد عز الدين القسام إلى  بلدته جبلة فى سوريا عمل مدرسا في جامع السلطان إبراهيم ثم أنشأ مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية فأثبت أن إسمه متوائم مع عقيدته وإيمانه الشديد بها لأن تحفيظ القرآن يحفظ العقيدة وتعليم اللغة العربية يحفظ الهوية وبفضل عقليته المنظمة الواعية التى تعرف كيف تحسب خطواتها رأس جمعية الشبان المسلمين لأنها تعتبر المخزن الأساسى للشباب المسلم الذى يمكن تربيته على الهدى وغرس قيم الإسلام فيه وتحفبزه للجهاد ولذلك عمل النظام الإقطاعى ومن بعده العسكرى الصهيونى فى مصر على الهيمنة على جمعية الشبان المسلمين فنزعوها من الإمام حسن البنا وعينوا عليها عملاء لهم لتحويلها من جمعية للنشاط التربوى والدعوى والتصدى  للفساد والأمية السياسية إلى أوكار للهو والحديث الفارغ الذى يقضى فيه الشباب وقته فيزداد جهلا على جهل ولأن العمل الدعوى مهم جدا  لذلك سيطر النظام العسكرى فى مصر على الأوقاف  لتحجيم الدعوة لحصرها فى العبادات والإستكانة أمام الطغيان وفساده  الذى نهب أموالها حتى لا ينفق على بناء المساجد أو تجديدها أو ترميم الآيل منها للسقوط  وليعيش الدعاة على الكفاف و يتندر الناس بفقر إمام الجامع  وقلة معرفته ومنظره  الرث الذى لا يليق بإمام مسجد أو داعية رغم أن عمله  مهم  جدا حض الله عليه بقوله تعالى: [ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ]  التوبة 122   وبناء على ذلك   قام عز الدين القسام بالتدريس الذى يدخل فى العمل الدعوى لنشر المبادىء والأفكار للتوعية الوطنية التى هى جزء من الوعى الدينى وهى الترمومتر الحقيقى لقياس درجة الإيمان فالوطنية هى العنصر الأساسى الذى يقاس به إيمان الشخص  أما من يدعى الإيمان بمظهره من تربية اللحى الطويلة ولبس الكلسون الطويل تحت الجلباب القصير وغطاء الرأس الخليجى او العمامة فهذا كله  لا يغنى عن الإيمان شيئا بل هو نفاق وأدوات زيف مادام لم يقرنها بالعمل وهو المظهر الذى يبدوا به مدعو السلفية الذين رضوا بالهوان أو مدعو التصوف الذين تركوا الجهاد  كما نراها فى بعض عمائم الأزهر الذين كشفت الأحداث عن زيف إيمانهم ومزقت أقنعتهم  لتظهر  وجوه قبيحة عميلة  للصهيوصليبية  ولذلك ما أن إشتعلت الثورة في  سوريا ضد  الإحتلال  حتى سارع الشيخ بالمشاركة فيها بكل قوة بل بفضل إيمانه العميق بضرورة العمل لطرد هذا الإحتلال أصبح له دور  بارز فيها وهذا ما دعا سلطة الإحتلال إلى أن تعرض عليه منصبا فى القضاء لتبعده عن المشاركة فيها لأن له تأثير كبير على الناس ولكنه رفض بشدة.لأنه يعلم أن الثمن الذى يجب أن يدفعه فى حالة الموافقة على العمل قاضيا أن ينفذ أوامر سادته ذلك أن سلطات الإحتلال لن تنصبه قاضيا بالمعنى المفهوم ولكنه سيكون بوقا لسلطات الإحتلال لإملاء الأحكام الجائرة والظالمة التى تصدر من هذه السلطات ضد المجاهدين والثوار وهو فى هذا  سوف يكون كقضاة مصر الذين هم عبارة عن أبواق تتلوا أحكام تصدر من سلطات الإنقلاب ضد الوطنيين والثوار من أبناء مصر رغم مخالفتها  لكل القوانين والأعراف الدولية فيصبح عز الدين القسام بتنصيبه قاضيا عميلا لسلطات الإحتلال فيقضى على مروءته وإسلامه ويسقط من نظر الناس إلى الأبد  كما سقط  فتحى زغلول  فى مزبلة التاريخ  لإصداره أحكام الإعدام ضد أبناء دنشواى الذين خرجوا للدفاع عن قريتهم ضد عبث وإستهتار الإنجليز بالمواطنين فى مصر وما عمله القضاء المصرى المدنى والعسكرى بثوار وقيادات ثورة 25 يناير من أحكام إعدامات ظالمة وأحكام حبس جائرة دون أن يلتمسوا الأدلة أو يستمعوا لشهود عدول وما ذلك إلا لأنهم أدوات قمع للشعب المصرى  ومجندة من  النظام الصهيونى  الذى يدفع لهم أجورا باهظة ليوظفهم كأبواق تتلوا أحكام أصدرها النظام  فيعطونها  الطابع القانونى باعتبارها صادرة من القضاء  .

كان جزاء ثبات عز الدين القسام  على موقفه العظيم أن حكم عليه القضاء السورى العميل بالإعدام بعد أن إتهموه بمساعدة مجاهدى ليبيا من متصوفى السنوسية الأشداء بزعامة أسد الصحراء عمر المختار إذ كوَّن مائتين وخمسين مناضلا لجمع التبرعات من المال والسلاح لهؤلا ء المجاهدين ضد المحتل الإيطالي ورغم أن الدول الأوربية لا تكون دائما على وفاق إلا أنها كدول صليبية تتوحد معا ضد العالم الإسلامى مهما كانت درجة الصراع بينها  لتوحد مصالحها وأهدافها كما أوضح منطوق الحكم بإعدام عز الدين القسام أن الخونة أشد على بنى وطنهم من المحتل نفسه فدائما الخائن ينحط فى خيانته ويدفعه لذلك  قذارة نفسه التى جعلت منه مرتزقا لعدو بلده كما يدفعه هذا الإنحطاط إلى سوء معاملته  لبنى وطنه ليظهر تعاونه مع أعداء الوطن  ويقوم بالإنتقام من الوطنيين لكى يتاكدوا من إخلاصه لهم كعميل كما يفعل أتباع النظام الإنقلابى فى مصر من إضطهاد وتعذيب نفسى وبدنى وتصفية  للوطنيين والثوار ونستطيع أن نلمس تمسك عز الدين القسام  بمبادئه منذ صغره والتى  صقلتها الأيام  عندما رجع  إلى بلدته جبلة طلب منه والده أن يذهب معه ليسلم على الآغا ـ رئيس البلدة ـ فرفض بشدة وقال   إن المقيم هو من يأتى وكما نرى هى حجة لعدم قيامه بزيارة رجل يتعاون مع الإحتلال أو يضع يده فى يد خائن لله ولرسوله وللإسلام والمسلمين والوطن وصدق الشاعر إذ يقول :

لمصر ام لربوعِ الشامِ انتسبُ * هنا العلا وهناكَ المجدُ والحسب

ومع تعرضه لكل هذا لم يكن يؤرقه ليلا ونهارا إلا عدم طاعه لله عز وجل فى تركه الجهاد فى سبيل الله  بسبب التضييق عليه من الإحتلال وإذكاء العيون عليه من أبناء وطنه العملاء وجواسيسه التى تراقب حركاته وسكناته ومع هذا لم  تضعف عزيمته ولم يتزعزع  إيمانه ولذلك غادر هربا إلى فلسطين  ١٩٢١ ليكمل الجهاد  فتولى رئاسة جمعية الشبان المسلمين وعندما بدأت  تنتشر لم يكن يعلم الناس عنه شيئا سوى أنه رئيسها والشيخ والمأذون الشرعى والمعلم وفوجئوا به كمجاهد يفور فوران القدر ضد الإحتلال وهو ما لم يألفوه من أئمة المساجد الذى قعد بهم الجبن من فقدان أرواحهم أوالخوف من فقدان رواتبهم عند التصدى للإحتلال أو الطغيان إلا أن عز الدين القسام الشجاع تمكن من مواصلة  الجهاد هناك غير آبه لتلك المخاوف وبدأ بطريقة أفضل فكون مجموعة من  الفقراء والفلاحين الذين نزحوا إليه  عندما تسامعوا بوجوده وهكذا تتحرك الناس وأولهم عامة الشعب من فقرائه وفلاحيه وعماله التى  تسرع بتلبية نداء الجهاد وتشارك فيه عندما تتوفر القيادات الوطنية فعمل على تأهيلهم للجهاد وإتخذ مسجد الإستقلال بالحي القديم بحيفا منبرا له وظل يعلمهم أمور دينهم وينمي فيهم الشجاعة وروح الجهاد إلى أن أراد اليهود حرق المسجد كعادتهم عام  ١٩٢٩ فأراد بعض الوجهاء اللجوء إلى المحتل البريطاني الذئب الكبير ليمنع اليهود عن إحراق المسجد ورأى البطل عز الدين القسام بوعيه الكبير أن هذا عين الجهل بمجريات الأمور إذ كيف يمنع الذئب صغيره من إلتهام فريسته التى أتى له بها ليلتهمها وهذا يمثل السذاجة فى التفكير والتى يتمتع بها حتى الآن الكثير من أبناء الشعوب العربية التى لا تستطيع التفكير فى الأمور السياسية لغياب التوعية بسبب إمتلاك النظم العميلة وسائل الإعلام لذا لم تتحرك بعض فئات من المجتمع المصرى عند قتل الثوار فى رابعة والنهصة ولم تتحرك عند إعتقال الشباب الوطنى ولا عند التعذيب والتصفية ولم تتحرك عند ترسيم الحدود بين مصر وقبرص واليونان وإسرائيل لتصبح حقول الغاز الطبيعى فى حوزتهم وتستورد بلادنا الغاز منهم مقابل نسبة تعطى للعسكر فى مصر أى أن هذا النظام الصهيونى تنازل عن ثروة مصر  من الغاز  الطبيعى لتعود بالنفع على العدو الصهيونى والنظام ويدفع الثمن الطبقة الشعبية فى مصر وكذلك لم يتحرك عند التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير لإسرائيل ـ وليس للسعودية إنما السعودية مجرد سمسار ـ إنما تحركت هذه الفئات فقط عند غلاء الأسعار والشعور بأن بطونهم أصبحت خاوية  وذلك لأن أبواق هذا النظام تصب فى آذانهم الأكاذيب ليلا  ونهارا وتصدقها هذه الفئات  بسبب إستشراء الأمية فلما إنخفضت شعبية النظام طالبه الإعلاميون بالتوقف عن مشروع محو الأمية لكى يحافظ على ماتبقى له من هذه الشعبية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى