آخر الأخباركتاب وادباء

القبائل البدوية غرب اسكندرية “الحلقة الثانية”الفنون البدوية

من ذاكرة اسكندرية

سلسة مقالات الأسكندرية من روائع الأديب الكاتب

المهندس/ محمود صقر

من بلكونة شقتي في العجمي كنت أرى الحياة اليومية للأسرة البدوية في البيت العربي الملاصق لسكني، الأولاد الصغار بنينا وبناتا يلعبون في الهواء الطلق، وتختلط خطواتهم بحركة الطيور الداجنة من حولهم، مع حركة الماعز والغنم، والسيدات يفترشن الأرض في جماعات، منهن من تغزل الصوف، أو تصنع الحلي، أو تخيط الملابس، أو ترعى دواجنها وغنمها، المرأة هي عامود البيت والمحرك للحياة داخل الأسرة البدوية.

وكنت أسمع صوت الأغاني البدوية المنبعثة من حوش الجيران، ففي هذا الوقت من الثمانينات وحتى بداية التسعينات كان العصر الذهبي لشريط الكاسيت.
بدأت أستدعي من ذاكرتي السمعية القديمة صوت المطرب البدوي “حميدة موسى” وكان معروفا في الأوساط السكندرية، فقد كان أحد المطربين المعتمدين في إذاعة اسكندرية، وكان له أغنية نالت شهرة كبيرة في اسكندرية وهي أغنية “حلوة بالحيل”، وكان حميدة من سكان باكوس ثم العجمي حتى وفاته عام 2000.

كنت من بلكونة شقتي أستمع إلى ما تدور به أشرطة الكاسيت من بيت عم “سيد”، وكأن قدَري أن يتشكل جزء من ذاكرتي السمعية وذائقتي الفنية عن بُعد من خلال الشباك والبلكونة.

برغم النغمة البدوية التي تتكرر داخل الأغنية الواحدة تكرارا رتيبا، وبرغم اللهجة البدوية التي أحاول فك شفرتها وتفسير معانيها بصعوبة، التقتت أذني كلمات أعجبتني وشعرت معها بشاعرية ورومانسية جميلة، وكان مطلع الأغنية: (في ليلة وَحدِنا انا والزين .. في ليلة وحدنا تحت التوت)، والكلمات تتحدث عن حبيب وحبيبته خلا لهم الجو ليلا، واجتمعا تحت شجرة توت، ودارت الحكاوي بينهما في حالة من الروقان وراحة البال، وشارك وحدتهما صوت غناء العصفور، واستمرت ليلتهم في سرور وحبور.

وقعت كلماتها في نفسي، ووجدتُ النغم المصاحب لها له وقع مختلف عن غيرها، وكلماتها أكثر وضوحا من غيرها من أغاني أجد صعوبة في تفسير معانيها، عدتُ إلى جاري عم “سيد” الذي صار مرجعي في معرفة عادات وتقاليد وتاريخ عرب المنطقة، وسألته عن هذه الأغنية ومن هو مغنيها.
فأجابني بكل ثقة وتعجب: (فيه حد ما يعرف الشيخ صِدِّيق.؟!)
قلت له: اعذرني أول مرة أسمع عنه.

الشيخ صديق هو “صِدِّيق بوعبعاب” من قبائل أولاد علي التي تتواجد من غرب اسكندرية وحتى داخل ليبيا، وبعض أماكن بمحافظة البحيرة.
“بوعبعاب” هو لقب له اشتهر به بسبب مطلع أول أغنيه اشتهرت له ومطلعها:
تعال خَبِّر يا بوعبعاب .. أنت صادق مانَك كذاب
و “بوعبعاب” هو من أسماء طائر الهدهد.

كان “بوعبعاب” يسكن في منطقة “وادي القمر” بحي “المكس”، وله شعبية كبيرة جدا في وسط العرب من ساكني المنطقة، وُلِدَ كفيفا وحفظ القرآن من صغره، وأتاح له حفظه للقرآن وجمال ونقاء صوته ليبدأ حياته قارئا للقرآن في مسجد شركة المكس للملاحات بالإسكندرية، وبعدها احترف الغناء.

شَكَّلَ “الصديق بوعبعاب” حالة فنية بدوية متميزة ومدرسة متفردة، صاحبه في رحلته الفنية آلة السِمسِمية التي قام هو بتطويرها وتطويعها للون الغناء البدوي برغم أنها آلة سواحلية، ولحن هو بنفسه أغلب أغانيه، ومعظم أغانيه من كلمات عمه “عبد المنعم مرسي”، الذي كان بدوره شاعرا بدويا شهيرا في أوساط البدو ولقبوه بأمير شعراء البدو، وابن عمه “حامد عبد المنعم مرسي”، كان رفيقه الدائم على آلة الطبلة، وكانت فرقته المصاحبة بخلاف السمسمية والطبلة، الدف والإيقاع والكمان.
وامتد أثره في عموم غرب مصر، وممتدا إلى ليبيا التي أقام بها عدة حفلات، ونال فيها جماهيرية كبيرة، وتوفي عام 1991، في نفس المنطقة التي ولد وعاش فيها في وادي القمر.
ومازال للحديث عن عرب البادية بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى