الأرشيفتقارير وملفات

“الفاروق” يعلم البشرية مفهوم الحرية ؟

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

 * لقد استطاع “الفاروق عمر بن الخطاب ” رضي الله عنه فى سنوات خلافته العشر أن يؤسس أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ , فقامت دولة الإسلام بعد سقوط امبراطورتى الفرس والروم لتمتد من بلاد فارس وحدود الصين شرقا إلى مصر  وإفريقيا غربا , ومن بحر قزوين شمالا إلى السودان واليمن جنوبا . ومع اتساع رقعة الدولة وأطرافها المترامية , لم يلجأ ” الفاروق ” إلى الحكم الفردي المتسلط . ولم يدخل رعيته فى بيت الطاعة طوعا أو كرها . بل طبق منظومة العدالة على الأمير قبل الغفير , وعلى الحاكم قبل المحكوم . وعلى الكبير قبل الصغير .

إن روح العدل والمساواة هى التي دفعت رجلا  مثل ” الفاروق ” أن يقتص لرجل من عامة الشعب المصري وكان قبطيا , وانتصر له على حساب “والى مصر” وابنه . لقد  كتب” الفاروق ” إلى عمرو بن العاص أن يحضر إلى المدينة المنورة  فى صحبة ابنه، فلما حضر الجميع ، ناول عمر الغلام القبطي سوطًا وأمره أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، فضربه حتى رأى أنه قد استوفى حقه وشفى ما فى نفسه من غيظ وغضب  , ثم قال له أمير المؤمنين: لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك؛ لأن الغلام إنما ضربك لسلطان أبيه، ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلاً له قولته التى سطرها له التاريخ بحروف من ذهب إلى قيام الساعة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟. أهذه دولة دينية فاشية ديكتاتورية مستبدة كما يزعمون , أم دولة الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية..؟

الفاروق-عمر-بن-الخطاب
* إن رسالة الإسلام فى جوهرها هى رسالة تحرير للبشرية من قيد العبودية . فلا يوجد فى الإسلام أسياد وعبيد , وأمير وحقير , وأبيض وأسود , وعربي وأعجمي . بل الميزان الوحيد الدقيق هو ميزان التقوى والعمل الصالح . ولقد حث القرآن الكريم على حرية الفكر والتعبير والرأي الحر . قال الله تعالى “
(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.) وفى  مجال حماية حرية الفكر والتعبير والرأي , وصف الله تعالى أمة الإسلام بقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أرقى وأدق تعبير عن حرية الرأي والتعبير في إطار من الإيمان وحماية المجتمع من الانحراف والانجراف نحو الهاوية . ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد فى الرأي وعدم الجمود وتعطيل العقل , فقال : من اجتهد فاخطأ فله أجر . ومن اجتهد فأصاب فله أجران إن الحرية والكرامة الإنسانية من أوجب ما جاء به لإسلام لتحرير البشرية من الظلم والطغيان .

الإسلام

* رغم اتساع رقعة دولته والمخاطر التى كانت تحيط بها من كل جانب , إحاطة السوار بالمعصم , لم يكن الفاروق رضي الله يقيد حرية الرأى والتعبير والاجتهاد الشخصي مالم يكن هناك نصا يقينيا صريحا . لقد قابل الفاروق رجلا فقال له : ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك ما قال علي وزيد، وهكذا ترك الفاروق الحرية للصحابة يبدون آراءهم في المسائل الاجتهادية، ولم يمنعهم من الاجتهاد، ولم يحملهم على رأي معين .  كما انه لم يستغل سلطته السياسية بصفته ” أمير المؤمنين ” ليفرض آراءه ووجهة نظره على الصحابة أو حتى على عامة الشعب , إيمانا وتسليما منه بأن العمالقة يولدون فى مناخ الحرية , أما الأقزام والعبيد المناكيد فيولدون فى مناخ الكبت والقمع ووأد الحريات , ولايمكن أن تبنى دولة مدنية حديثة على أكتاف العبيد والأقزام . إنه الفاروق عمر .. ومن يحاول للفاروق تشبيها…؟

الفاروق عمر بن الخطاب1
* لم يتوقف تقديس الفاروق عمر لحرية الراى والتعبير على مجرد السماح بذلك , بل فتح الباب على مصراعيه لمن يريد أن ينتقده مباشرة أو يوجه إليه لوما أو عتابا أو انتقادا مريرا يمس شخصه طالما ذلك للصالح العام وليس للتجريح والتشهير وتصيد الأخطاء . لقد قام ذات يوم يخطب فى الناس قائلا : أيها الناس، من رأى
منكم فى اعوجاجاً فليقومه، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه . وليس معنى قول هذا الرجل الشجاع إنهم سوف يقتلونه لو أخطا , لكن المغزى هنا أنه سوف يجد قوة تعارضه فى صده ورده عن الانحراف إن هو أراد أن ينحرف بالسلطة بعيدا عن مصالح الناس وحريتهم وأرزاقهم . ذلكم هو المعنى . وكان الفاروق رضي الله عنه  يقول: أحب الناس إلى من رفع إلى عيوبي، وقال أيضاً: إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تهيبأ مني، وجاء يوماً رجل فقال له على رؤوس الأشهاد: اتق الله يا عمر، فعقب بعض الحاضرين من قوله وأرادوا أن يسكتوه عن الكلام، فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها. انه حاكم فريد فى صفاته وقوته وثقته بنفسه . هل يوجد اليوم على هذه المعمورة حاكما واحدا يخشى أن يستحى الناس منه لمنصبه فلا ينتقدوه أو يعارضوه..؟ انه الفاروق عمر .. ومن يحاول للفاروق تشبيها .


* إن أنظمة الحكم الديكتاتورية فى كل إنحاء العالم على مدار التاريخ لاتحاسب على مافعلت ولا على نهبت ولا على ما أفسدت , وليس حكم مبارك الطاغية لمصر فى ثلاثين سنة كاملة عنا ببعيد . لقد رفع الفاروق عمر شعار الشفافية والمحاسبة وتطبيق قانونمن أين لك هذا..؟” ولا أدل على ذلك من موقفه التاريخي يوم أن وقف خطيبا فى الناس و عليه ثوب طويل , قائلا لهم : أيها الناس،
اسمعوا وأطيعوا، حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته، فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى إياه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، فاقتنع الصحابة، وقال رجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين . وخطب ذات يوم، فقال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصّة ـ يعني يزيد بن الحصين ـ فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة معترضة على ذلك: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله ـ تعالى ـ قال:” وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً” فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ . عوام الناس يستجوبون الفاروق علانية أمام الشعب ولايجد فى نفسه غضاضة فى أن يحاسبه الناس مع انه أمير المؤمنين ويجب أن يكون فوق الاستجواب والمناقشة والحساب حسب المعايير السياسية الحديثة فى عالمنا الثالث . لكنه الفاروق عمر .. ومن يحاول للفاروق تشبيها .

* لقد كان الفاروق دائما منحازا إلى حرية التعبير والرأي والنقد المباشر له . لقد جاء إليه رجل فقال له ـ في وسط المجلس بين الناس ـ: يا أمير المؤمنين اتق الله .فكبرت هذه الكلمة على كثير من الناس الذين سمعوها من ذلك الرجل وهو يجترئ على إلقائها على أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ وأمير المؤمنين في مقدمة الناس الذين يراعون مسالة التقوى حق رعايتها . فكيف يأمره بجانب ذلك بالتقوى، ولما وجد عمر ـ رضي الله عنه ـ أن أولئك الناس وجدوا في نفوسهم حرجا من هذه الكلمة التي قيلت له قال لهم : لا خير فيكم إن لم تقولها ولا خير فينا إن لم نقبلها . وهو بذلك يؤسس لمدرسة الرأى الحر دون قيد أو شرط طالما ذلك فى الصالح العام . لم يؤمر باعتقال أو سجن هذا الرجل , بل شجعه وحثه على المضى قدما فى طريقه . هل هى الثقة بالنفس..؟ هل هو الخوف من الله..؟ هل هى القوة الذاتية للشخصية العمرية..؟ هل هو الصدر الواسع الذى يقبل المعارضة..؟ هل هو كل ماسبق ذكره..؟ اترك لكم الإجابة على هذه الأسئلة .

* ماسبق ذكره هو غيض من فيض , وقطرة من سيل , من تاريخ وسيرة عمر بن الخطاب . لقد كان قائدا سياسيا فذا فى كلامه ومواقفه وزهده وتقواه واحترامه لرعيته . رغم تلك القوة , وهذه الزعامة , وهذه الدولة المترامية الأطراف , ورغم أن ملوك الفرس والروم كانت تخشاه , رغم كلك ذلك إلا أنك لو أردت أن تبكيه وتجعله ينتفض كالعصفور الذى بلله المطر فقل له ” اتق الله يا عمر ..!” ساعتها لن تجد  الفاروق أمير المؤمنين , ولكنك سوف تجد زاهدا باكيا فى محراب الخشية من الله يتململ من البكاء , ويتوارى من الحياء , كفى بالإسلام عظمة وشرفا أن أخرج للبشرية حاكما عظيما كبيرا مثل عمر بن الخطاب . صدق شاعر النيل حافظ إبراهيم حين امتدح الشورى فى عهده فى قصيدته ” العمرية “ قائلا :
يا رافعا راية الشورى وحارسها **** جزاك ربك خيرا عن محبيها
لم يلهك النزع عن تأييد دولتها **** وللمنـيـة آلام تعـانيـها
لم أنس أمرك للمقداد يحمله **** إلى الجمـاعة إنذارا وتنبيـها
إن ظل بعد ثلاث رأيهم شعبا **** فجرد السيف واضرب في هواديها
فاعجب لقوة نفس ليس يصرفها **** طعم المنية مرا عن مراميها
درى عميد بني الشورى بموضعها **** فعاش ما عاش يبنيها ويعليها
و ما استبد برأي في حكومته **** إن الحكومـة تغري مسـتبديـها
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به **** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها .

 ” هذا هو عمر جبار الجاهلية وعملاق الإسلام , فأين حكام العالم اليوم من عدله وطهارته وشفافيته وقبوله للرأى الآخر..؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى