الأرشيف

الغريب

الغريب

سلطان إبراهيم

بقلم الكاتب الروائى الشاعر

سلطان إبراهيم عبد الرحيم

طرق الغريب الباب

• هذا بيت الحاج طايع ؟

أجاب الشاب بنعم وهو يتطلع فى حيرة إلى من يدخل ويستلقى على أول أريكة تقابله ، ويسأله عن اسمه ، أجابه فى ضيق: اسمي سويلم  ، قال الغريب مبتسما : اسم جميل .. عاشت الأسماء يا سويلم .. ثم سأله : وأين عمى طايع ؟ فأجاب .. فى عمله وهو على وشك العودة ..

• ازدادت حيرة سويلم واغتاظ عندما طلب منه الغريب طعاما.. ، من ذلك الرجل يا ترى .. كيف يدخل هكذا بيوت الناس ويجلس بدون تكليف ويطلب طعاما بدون حتى أن يعرف نفسه ، أعطى سويلم ظهره للغريب وهو لا يدرى كيف سيتصرف معه ، وما أن خطا خطوات حتى ناداه الغريب قائلا : يا سويلم أحضر لي باقي إخوتك لأسلم عليهم ..

• لم يتمالك سويلم نفسه ، فرماه بنظرة مغيظة قبل أن يدخل إلى الغرفة المجاورة التي يجتمع فيها الأهل الذين بادروه بالسؤال عن ضيفه ، فأجابهم بشيء من الاشمئزاز شاب غريب رث الهيئة متسخ الثياب وأظنه حافي القدمين ، يتصرف وكأنه واحد من الأسرة وهو ينتظركم ليسلم عليكم قبل أن أحضر له الطعام..

• دفعهم الفضول للخروج إليه ، أخذ الغريب يسلم عليهم ويسأل كل واحد عن اسمه ، بينما وقفت الأم مع بناتها يتطلعن إلى الغريب من داخل الغرفة.. فى ذلك الوقت دخل الأب فوجدهم مجتمعين حول الغريب الذي هرع إلى الحاج طايع بمجرد رؤيته وعانقه وهو يبكى ويقبل يديه قائلا : عمى طايع ..

• تفرس الحاج طايع فى الغريب فلم يعرفه فسأله.. من أنت ؟ .. فأجابه .. ألا تعرفني يا عمى ، أنا سالم ابن أخيك سويلم 

• دقق فيه طايع النظر ، ثم احتضنه وهو يبكى ويقول: سالم ابن أخي سويلم ، مرحبا بك يا غالى يا ابن الغالي ، وظل معانقا له فترة وهو يبكى ثم أخذه بيده وأجلسه على الأريكة وهو يقول: كبرت يا سالم وأصبحت رجلا.. أطرق سالم برأسه خجلا وهو يقول للعم: لقد اشتقنا إليك كثيرا يا عمى.. .. لاحظ الحاج طايع ملابس ابن أخيه الرثة ، فسأله .. ما هذا يا بنى.. ثم حدج بنيه بنظرة غاضبة وهو يقول : ألم يغير ضيفكم ملابسه إلى الآن ، أفاق الأبناء من ذهولهم على صياح الأب فى سويلم .. اذهب واصطحب ابن عمك وقم على خدمته وأدخله الحمام ليغير هذه الملابس بسرعة ، ثم نادى على زوجته : يا أم سويلم أحضري أطيب الطعام للضيف الغالي ابن الغالي .. ..

• كان سالم قد جاء من سفر طويل ، فقد استأذن من والده أن يسمح له بزيارة عمه ، وقد انطلق من أرض قبيلته فى أم درمان مرافقا جمعا من تجار الجمال ، وقد اشترطوا عليه أن يسوق جمالهم ويحرسها فى الطريق مقابل توصيله إلى مدينة أسوان فوافقهم على ذلك ، ليقطع المسافة على قدميه وسط السهول والجبال متحملا ما لا يوصف من التعب والعناء .. ولكن سالم كان يرى ذلك سهلا لأنه سيظفر فى النهاية بأمله وحلم حياته ، وسيعود بعروسه الحبيبة .. ابنة عمه ، تلك الفتاة التي سكن حبها فى قلبه منذ الصغر ، وكم تمنى أن تكون شريكة حياته ، وهاهو يبلغ سن الزواج ، فيعرض عليه والده أكثر من فتاة ، لكن سالم أصر على الزواج من ابنة عمه فى مصر ، ولم يمانع الوالد بل شجعه وحيا فيه حرصه على تقليد القبيلة العريقة … وها هو يقترب من تحقيق حلمه ، فقد رحب به عمه أيما ترحيب ، أجلسه بجواره على المائدة واستمع إلى قصة رحيله بإكبار وإعجاب ، وأخذ يسأله عن أفراد القبيلة واحدا تلو الآخر وهو يجيبه ،   وأخذ سالم يذكر للعم بعض الطرائف التي حدثت مع بعض الشباب وأهلهم في أيام المباني  وهي الأيام التي يتمم  فيها الشباب زواجهم على عادة أهل القبيلة وفيها تركب العروس خلف أبيها أو أكبر إخوانها على جواد مسرع  وعلى الراغب في زواجها أن يقوم بخطفها من خلف والدها أو أخيها لينقلها على جواده وكم تحدث من طرائف في هذه الأيام

.وهنا   سأله العم فجأة: ألم تتزوج بعد يا سالم ؟ .. فاحمر وجه سالم خجلا، وأطرق برأسه وهو يجيب بصوت منخفض: وكيف أتزوج يا عماه وعروسي وحلمي عندكم هنا ؟ ..

• امتقع لون الحاج طايع وهو يسأل… من تقصد يا سالم ؟ .. قال سالم : أقصد ابنتك الكبرى يا عمى .. .. أطرق طايع برأسه وهو يجيب حزينا : كنت أتمنى أن أحقق حلمك يا سالم غير أن حلمك ليس هنا ..

• أحس سالم بوخز فى قلبه لرد العم ، أهكذا يرفض العم بعد هذا السفر المضني الطويل.. أهكذا يضرب بتقاليد القبيلة عرض الحائط.. أهكذا يرفض بهذه السهولة ؟

• أحس طايع بما يدور بخاطر ابن أخيه ، فأردف قائلا: اسمعني يا سالم ، لقد علمت بأن القبيلة تعتب على لتأخري عن زيارتها فى الفترة الأخيرة ، ولم يكن ذاك يا بنى عن رغبة منى ولكن … ويصمت العم برهة وتتساقط دمعات من عينيه…  فيسأله سالم مستحثا له لكي يكمل، ولكن ماذا يا عماه ؟

• ولكن ابنة عمك التي تريدها زوجة لك قد أصيبت بشلل يا بنى .. شلل فى الحركة والنطق اثر سقوطها من فوق السطح منذ عدة أعوام ، وسعينا فى علاجها طوال هذه الفترة بلا فائدة ، وقد أخبرنا الأطباء أن علاجها غير معروف وأن أمر شفاءها متعلق بالله وحده .. ومنذ ذلك الحين يا سالم وهى قعيدة لا تتكلم ولا يرقأ لها دمع .. ماذا الآن يا سالم، ألم أقل لك أن حلمك ليس عندنا ؟

• أطرق سالم برهة وهو يمسح الدمع المنهمر من عينيه ، ثم قال: يا عم لقد جئت قاصدا الزواج من ابنتك لكي تكون سببا فى سعادتي ، ولطالما حلمت بها .. كنت أتخيل نفسي على جواد بينما هي تركب خلفك على جواد آخر وأحاول أنا خطفها فتضربني أنت بالجريد لتمنعني من ذلك ، حتى أنجح فى اختطافها فأهرع بها إلى خيمتي لتصبح شريكة حياتي وأما لأولادي وسببا فى سعادتي .. وكنت دائما مصرا على تحقيق حلمي الذي ملأ على حياتي .. لذلك قطعت المسافات الطويلة وتكبدت المشاقة لآتى إلى هنا .. والآن يا عمى بعدما سمعت ما حدث لابنة عمى فقد ازداد إصراري على الزواج منها لعلي أن  أكون سببا فى سعادتها وإكرامها وخدمتها ، ولن أكون أبدا أنانيا فلم يربنني أبي على ذلك ،أنا أريد ابنة عمي و ولن أتخلى عنها يوما ، وسوف أبذل كل ما فى وسعى لإسعادها ..

• نظر الجميع إلى سالم فى إكبار وإعجاب بهذه المروءة النادرة.. وحاول العم أن يثنيه عن عزمه، ولكنه أصر على إتمام العقد سريعا..

• أنصتت ابنة العم إلى الحوار الدائر وهي فى الغرفة المجاورة فقد كانت تسمعه كلمة بكلمة وتتجاوب معه بكل أحاسيسها فهي الوحيدة التي عرفت سالما حين رأته ولم تخطئه يوما فقد كان حلمها كما كانت هي حلمه وقد وكاد قلبها ينفطر من الهم والحزن حين  شعرت بأنها أضاعت حلم ابن عمها وخيبت أمله بعدما قطع المسافات الطوال .. .. لقد تفاعلت مع الحوار، حتى لقد كانت جوارحها تنتفض مع كل كلمة.. ، وعندما رأت إصرار ابن عمها على الزواج بها لم تصدق أن هناك من يفكر فيها أو يرتضيها زوجة له.. غمرتها الفرحة عندما أحست بأن هناك من يقدرها ويرغب فى إسعادها ويحمل لها فى قلبه مشاعر الحب النبيل ، انتعش الأمل بداخلها من جديد ، ووجدت نفسها تنطق بدون أن تدرى : جزاك الله خيرا يا ابن عمى …جزاك الله خيرا يا سالم

• كانت هذه الكلمة تختلج فى صدرها لكنها سمعتها بأذنها وأحست بها تخرج منها وتتحرك بها شفتاها ، ولم تصدق أنها قالتها إلا حينما مالت عليها أمها واحتضنتها وهى تبكى وتقول: ابنتي تنطق.. ابنتي تكلمت .. فوجدت نفسها تقوم ببطء لتحتضن أمها وهى تقول : الحمد لله يا أمي الحمد لله

• أخذت الأم تنادى فى انفعال على زوجها وأولادها الذين أقبلوا بصحبة ابن العم ، ولم يصدقوا ما رأوا.. والفتاة لازالت تردد والدموع تنهمر من عينيها: جزاك الله خيرا يا ابن عمى.. جزاك الله خيرا يا ابن عمى..

• احتضنها الأب وهو يبكى ، وتجمع حولها الإخوة يحتضنونها ويقبلونها فى سعادة غامرة.. ويهرع الأب إلى ابن أخيه فيضمه إليه وهو يقول : لقد صدقت الله يا بنى فى مشاعرك النبيلة ، فأكرمك الله وحقق حلمك وأكرمنا بك ، فبارك الله فيك وهنيئا لك عروسك


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى