كتاب وادباء

العمل السياسي بين التوافق والتراشق..!؟.

العمل السياسي بين التوافق والتراشق..!؟.

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

* يقول الله عز وجل ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين” . يقول العلماء المفسرون : أن الله قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة أي على دين واحد . لكنه قضى بحكمته وعلمه أن يبتليهم , وأن يبلوا بعضهم ببعض لذلك قال ” ولا يزالون مختلفين ” أي مايزال الاختلاف بين الناس على أديان شتى , ومذاهِِِِب شتى , وأراء شتى , لأن الباطل متعدد بخلاف الحق فهو واحد . وليس كل خلاف يؤاخذ عليه صاحبه , وإنما الخلاف الذي يؤاخذ عليه صاحبه ماكان متعلقا بالعقيدة وأصول الدين . أو كان مخالفا للأدلة الصريحة الصحيحة . أو ماكان مبنيا على الهوى والتعصب . وأما ماسوى ذلك فليس هناك أحد معصوم . خاصة فى مسائل الاجتهاد . حتى على مستوى حظوظ الناس من الدنيا فقد خلق الله الناس متفاوتين متباينين , فهذا شقى وهذا سعيد . وهذا غنى وهذا فقير , وهذا صحيح قوى وهذا مريض ضعيف . وهذا أسود وهذا أبيض , وهذا عالم وهذا جاهل , وهذا عربي وذاك أعجمي .

* إن الاجتهاد ومن ثم الاختلاف فى الفروع وفى الوسائل وفى التوجهات السياسية وطريقة الحكم ونظام الترشح للانتخابات , ونظام القائمة أو الفردي , ونظام الحكم يكون رئاسيا أم برلمانيا , ومدة رئاسة الحاكم وصلاحياته , والحد الأدنى والأقصى ,كلها أمور مختلف عليه ولا اتفاق فيها أو عليها . لكن الكل يتفق على أن أي نظام حكم هو خادم للشعب بعقد مشروط ومحدد المدة . وأن الحرية حق للشعب وليست منحة من الحاكم يمنحها ويمنعها متى يشاء . والكل يتفق على أن صندوق الانتخاب هو الحد الفاصل بين الأغلبية والأقلية , وأن التزوير جريمة أخلاقية لاتسقط بالتقادم , وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته . وان حكم البلاد لابد أن يكون مدنيا خالصا حتى يتفرغ الجيش لمهامه المنوطة به فى الدفاع عن الوطن ضد أعدائه . إن مساحة الاتفاق أكبر بكثير من مساحة التفرق والاختلاف والشقاق , فلماذا التشاحن والتراشق والخصومة والكيد بين أبناء الوطن والقضية جلية واضحة .

* بالعقل والمنطق , هل المطلوب من كل الفصائل السياسية سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو علمانية أو يسارية أن يتحدوا ويتفقوا حتى يصير الكل فى واحد , توجه واحد , خطة واحدة , منهج واحد , لغة واحدة , وسائل واحدة , لاتباين ولاختلاف ولا تناقض ولا تنوع , وكأننا صرنا جميعا كقطع متجاورات من التماثيل المنحوتة المرصوصة التي لاتعى ولاتفهم ولا تتحرك …؟. إن هذا الفكر ضد طبيعة الأشياء لأن مكلف الأشياء ضد طباعها متكلف فى الماء جذوة نار . اعتقد أننا بهذا المنطق نسبح عكس تيار العقل والمنطق وأصول الأشياء . لان التوافق يعنى الاتفاق والتفاهم على المساحة المشتركة من المبادئ والأسس العامة التي لايختلف عليه اثنان ولا يتناطح فيها عنزان .

* دعونا نتفق على أن يسع بعضنا بعضا رغم الاختلاف والتباين والتناقض . إن التوافق أن يقبل كل منا الآخر ويستمع إليه ويتعرف على وجهة نظره وبرنامجه وخطته برحابة صدر دون إسفاف أو تحقير أو تخوين أو تشويه أو تشويش . فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة , ولا أحد على الصواب الكامل وغيره على الباطل التام , ولا أحد يمتلك حلولا سحرية لحل مشاكل الوطن والآخر فاشل لايفهم ولايعى . كلنا مجتهدون نخطئ ونصيب . إن سجادة السياسة كبيرة وتسع كل الأقدام للوقوف والاصطفاف عليها , فلما يركل بعضنا بعضا ويدفع بعضنا بعضا ويقصى بعضنا بعضا ..؟ . هل نتفق على هذا المفهوم ..؟ إن اتقنا فقد اقتربنا خطوة أخرى من بعضنا وردمنا جانبا من الحفرة التي بيننا .

* التوافق يعنى أن الاحتكام إلى الشعب والى إرادة الشعب والى رأى الشعب هو الملاذ الوحيد وقت الاختلافات السياسية والصراعات الحزبية . لان الشعب هو الذي يمنح لمن يشاء الأغلبية ويقول لمن يشاء انتم الأقلية…!. الشعب هو الذي يختار من يمثله والشعب هو الذي ينزع الصلاحية عمن يشاء . أليست تلك هى آليات الديمقراطية فى بلاد العالم الأول المتقدمة سياسيا…؟ دعونا نتفق أن البديل لصندوق الانتخابات هو صندوق الذخيرة , وان البديل للحكم المدني هو الحكم العسكري , وان البديل للحرية هى العبودية , وأن البديل للديمقراطية هى الديكتاتورية . هل هذه المفاهيم يمكن الاتفاق عليها ..؟ إذا كان الأمر كذلك فقد اقترب بعضنا من بعض وردمنا جانبا من الحفرة التي بيننا .

* التوافق يعنى ألا نلجأ للقوى الخارجية للاستقواء بها وقت الخلافات. ولا يحرض بعضنا على بعض أعداء الوطن . التوافق ألا نناشد الرئيس الامريكى بأن يتدخل فى الشأن المصري لنصرة طرف على طرف , ولضرب طرف لصالح طرف , فهذه عمالة وخيانة ونذالة ليس لها محل من الأعراب . من أراد العمل السياسي فليجأ إلى الشعب وليعرض نفسه عليه , وبعد ذلك الشعب هو الحكم من خلال صناديق الانتخابات . التوافق ألا نستدعى الجيش للتدخل فى السياسة ومناصرة جهة ضد جهة , وحزب ضد حزب , وجبهة ضد جبهة لان قوة الجيش وأسلحته ومعداته هى موجهة فى الأصل ضد أعدائنا فى الخارج وليست لتصفية الحسابات السياسية بيننا . إن اتفقنا على هذا المبدأ فقد اقترب بعضنا من بعض وردمنا جانبا من الحفرة التي بيننا .

* التوافق يعنى أن نتفق جميعا وبلا استثناء على أن الدم المصري كله حرام , وعرض المصري وماله كله حرام . وأن هتك عرض المصريات واغتصابهن فى السجون والمعتقلات جريمة شنعاء فى حق هذا الشعب فى الماضي والحاضر والمستقبل . وأن اعتقال برئ واحد دون ذنب هو جريمة فى حق المصريين .دعونا نتفق أن إلقاء التهم على الناس دون أدلة واضحة ساطعة كالشمس , هو مصيبة أحلت بهذا الوطن . دعونا نتفق على استقلال مؤسسات الدولة فلا وصاية للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية حتى تستقر العدالة فى هذا الوطن . دعونا نتفق على أن الشعب المصري قد بلغ سن الرشد ولايحتاج من أحد لا فى الداخل ولافى الخارج أن يكون وصيا عليه . هل من الممكن أن نتفق على هذا المفهوم..؟

* إن الاختلاف فى وجهات النظر , والتباين فى الأفكار , وتنوع الأيدلوجيات , فهذا اسلامى , وهذا ليبرالي , وهذا يساري , وهذا اشتراكي , أمر مقبول فى مجتمع تعداده 90 مليون نسمة . وهذا التنوع يؤدى إلى تنوع البضاعة المعروضة فى سوق السياسة , وعلى الزبائن وهم كل الشعب أن يختاروا البضاعة التي تحلو لهم ويرتاحون لهم وتحل لهم مشاكلهم وتوفر لهم لقمة العيش وفرصة العمل وعلبة الدواء وكوب الماء النقي النظيف وتتوافق مع عقيدة الأمة وهويتها . لكن أن تتحول الساحة إلى ميدان للتراشق وتبادل السهام والتخوين وإلقاء الاتهامات , فهذه ليست سياسة ولا اختلاق . وإنما بغضاء وشحناء لايعلم مداها إلا الله عز وجل .

* إن صناع التهم ومثيري الفتن يخسرون كل يوم شرائح كبيرة من الشعب بسبب شراسة طباعهم وغلظة قلوبهم ورداءة أخلاقهم وسوء سلوكهم وبذاءة ألسنتهم , حتى أوشكت الأرض أن تضيق عليهم بما رحبت . سئل الإمام على كرم الله وجهه عن أهل ” الجمل ” أمشركون هم..؟. قال ” من الشرك فروا . قيل له : أمنافقون هم..؟. قال : إن المنافقين لايذكرون الله إلا قليلا . قيل له : فما هم…؟. قال إخواننا بغوا علينا . هذا هو حكم الإمام على عليهم بعد حرب ضروس بينه وبينهم , نعتهم بالإخوة ودافع عنهم بكل قوة . لم يتهمهم بالإرهاب أو أنهم خرجوا عن حدود الإسلام . هذا هو منهج الإمام على السياسي فى الاختلاف . فيجب أن نتعلم من عظماء التاريخ أدب الاختلاف والتنوع . حرام أن تضرب مصر من الخارج بأسلحة التآمر والمتآمرين , ومن الداخل بسفاهة الحمقى والمغفلين . يجب أن نكف ألسننا وأيدينا عن القمم , وندرب أنفسنا على الشمم , ونترفع عن دنس اللمم , ونمر كراما على الرمم . وأهلا بكم فى وطن جديد بلا تراشق ……!؟

تعليق واحد

  1. هذامقال رائع جدا وثمين فى مجتمع كثر فيه الخلاف وكثر فيه الفتن ولو أن الدولة تمتلك حكماء يوقرهم أتباعهم وطوائفهم لإصطلح الحال بهم ورضى الجميع حكم هم وتراضوا على الصلح والتوادد والتراحم من أجل الوطن الذى يجمع شتات الناس فيتلاحمون ويتعاضدون رغم إختلافهم فى الفروع دون الثوابت فمثلا القول بأن مصر إسلامية بحكم رسوخ الديانة الإسلامية فى نفوس وعقول الأغلبية نعنبرها خط احمر لا يجوز الإقتراب منه وثقافة الطوائف الأخرى لها جذور نابتة فى التربة الإسلامية فلا نجد فرق بين عقلية اصحاب الديانات المختلفة فى الثقافة المصرية فقط عندما يتطرق إلى الدين تجد أن أغلب الهرم من الفاعدة إلى القرب من القمة متفقة فى الأخلاق والتراحم والتعاطف فى الديانات واحترام كل اتباع دين للآخرين .
    كما يجب الإتفاق على خطوط عريضة دون التفاصيل للإلتزام بها مثل الديموفراطية فخطوطها العريضة إحترام الصندوق لأنه يمثل إرادة الشعب فاى إنقلاب على إرادة الشعب بعلم انه جاء ليضع إرادة الشعب تحت قدميه ومثل الكرامة الوطنية لها خطوط حمر اء لا بد من معاملة الأجهزة الأمنية للمواطنين معاملة الملوك المتوجين حنى نثبت إدانته وحتى فى حالة الإدانة لا يليق التخلى عن المعامله الإنسانية ومثل الجيش له خطوط حمراء فهو لايتجاوز الحدود والدفاع عن البلد ويجب ان يحافظ على الوطن المصرى لا أن يقتلهم ولا يسيطر على إقتصاد البلد والوحدة الوطنية لهاخطوط حمراء لا يتعداها أحد فإذا وجدنا الكنيسة تلاعبت بها سنستنتج أن هناك شيىء لا يصعب تفسيره وهو أن الذين تلا عبوا بكل الخطوط الحمراء لا بد أن يكونوا عملاء للصهاينة وأعداء للديموقراطية والوحدة الوطنية والشعب ولا يصلح ان يتواجدوا على أرض مصر ويعيشوا بين شعبها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى