كتاب وادباء

العقول المبدعة تبقى على قيد الحياة….!

العقول المبدعة تبقى على قيد الحياة….!

من إبداعات الأديب الكاتب

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

 * قال أحد الفلاسفة : نحن مجانين إن لم نستطع أن نفكر , ومتعصبون إن لم نرد أن نفكر , وعبيد إن لم نجرؤ أن نفكر . وقال الأحنف بن قيس : إن عجبت لشئ فعجبي لرجال تنمو أجسامهم  وتصغر عقولهم . ويقول الإمام على : العاقل إذا سكت فكر , وإذا نطق ذكر, وإذا نظر اعتبر .وقال آخر :الحياة ليست ثابتة ، وأولئك الذين لا يستطيعون تغيير عقولهم هم سكان المقابر والمجانين والموتى .  حقا ..  إن العقل قادر على أن يصنع من الجحيم نعيما ويصنع من النعيم جحيما  . لأن العقول كمظلات الطيارين لاتنفع حتى تفتح . ويقول السباعي رحمه الله : لاينمو العقل إلا بثلاث : إدامة التفكير ومطالعة كتب المفكرين واليقظة لتجارب الآخرين . وتقول الحكمة المشهورة : العقول الصغيرة تناقش فى الأشخاص والعقول المتوسطة تناقش فى الأشياء , والعقول الكبيرة تناقش فى المبادئ . نعم.. إن العقول النشطة المبتكرة هى التي تقود العالم وليس العقول الراكدة المتعفنة . 

* قال أحد البلغاء : العاقل لاتبطره المنزلة السنية كالجبل لايتزعزع وإن اشتدت عليه الريح . والجاهل تبطره أدني منزلة كالحشيش يحركه أدني ريح . وسئل الإمام على : صف لنا العاقل : فقال هو الذي يضع الشئ فى موضعه . قيل : فصف لنا الجاهل , قال : قد فعلت , أي الذي لايضع الشئ فى موضعه . وقال أحد الحكماء : أربعة تحتاج إلى أربعة : الحسب إلى الأدب , والسرور إلى الأمن , والقرابة إلى المودة, والعقل إلى التجربة . وقال آخر : أربعة تؤدى إلى أربعة : العقل إلى الرئاسة والرأي إلى السياسة , والعلم إلى التصدير , والحلم إلى التوقير. وقيل : ثلاثة هى رأس العقل : مداراة الناس والاقتصاد فى المعيشة والتحبب إلى الناس .
* وقال بعض الحكماء : العاقل من عقله فى إرشاد ورأيه فى إمداد , فقوله سديد وفعله حميد. والجاهل من جهله في إغراء . فقوله سقيم وفعله ذميم . ولا يكفى فى الدلالة على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وتسريح لحيته وكثرة صلفته ونظافة بزته . وحكي أن أحمقين اصطحبا فى طريق فقال أحدهما للآخر: هيا نتمنى على الله فإن الطريق تقطع بالحديث . فقال أحدهما : أنا أتمنى قطائع غنم انتفع بلبنها وصوفها . وقال الآخر: وأنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لاتترك منها شئيا . قال ويحك أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة..؟. نعم هذا هو الفرق بين الجهل والحماقة من ناحية , والعقل من ناحية أخرى . العقل نعمة .

* يذكر التاريخ أنه لما مات بعض خلفاء المسلمين، اختلفت الروم واجتمعت ملوكها، فقالوا الآن يشتغل المسلمون يبعضهم ورأوا إن الفرصة سانحة للتخلص منهم . وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفةغائباً عنهم.. فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه، فلما أخبروه بما أجمعواعليه قال : في غد أُخبركم , فلما كان الغد أمر بإحضار كلبين شرسين كان قد أعدهما ثم حرش بينهما فتواثبا وتناهشا حتى سالت دماؤهما.. فلما بلغا الغاية فتح باب غرفةجانبية خرج منها ذئب كان قد أعده لذلك، فلما أبصره الكلبان تركا ما بينهمامن شجار وتآلفت قلوبهما فوثبا على الذئب عضا ونهشا حتى قتلاه. فأقبلالرجل على الجماعة فقال:– لايزال الهرج بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو، فإذا ظهر تركواالعداوة بينهم وتآلفوا على العدو. هكذا استحسن الجمع قوله واستصوبوا رأيه واتبعوا مشورته.

* لقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى فى رجاحة العقل قبل النبوة وعمره كان يتراوح مابين العشرين وخمس وعشرين من عمره فى حل مشكلة الحجر الأسود بين القبائل المتناحرة . كانوضع الحجر الأسود في مكانه مشكلة قابلة للانفجار بين القبائل العربية قدتؤدي إلى إراقة الدماء، وكان من الواضح أن المشكلة إن لم يتم حلها في بأقصى سرعة فإن الحرب آتية لاريب فيها، وكما هو معلوم فقد وضع الحجر الأسود فيثوب ودعا  زعماء القبائل إلى الإمساك من أطرافه وحمل الحجر الأسود جماعيًا،وعندما اقتربوا من مكان الحجر الأسود رفعه بيديه ووضعه في مكانه. حل بسيط منع به إراقة الدماء بين قبائل العرب , وتلك هى قمة العبقرية السياسية التى كان يتمتع بها حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم .

* وفي قصة الأعرابي الذي بال في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم دلالةعلى قوة ورجاحة عقل الرسول صلى الله عليه وسلم على دفع أشد الضررين باحتمال أخفهما. يعنى من الممكن شرعا أن تقبل بضرر ومفسدة شرعية ؛ فقط للتخلص من مفسدة شرعية أعظم منها . فالرجل يتبول فى المسجد النبوي , والصحابة غاضبون والرسول يأمرهم ألا يقطعوا بولته..!. كيف يقبل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الفعل الشنيع بالمسجد..؟. أين حرمة المسجد..؟. أين الانتصار بالحق وتغيير المنكر..؟.  وفى هذا درس عظيم بضرورة الرفق بالجاهل وتعليمه قبل تعنيفه وتوبيخه ومعاقبته . لقد خشى الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الأعرابي من أن ينفر من الإسلام بسبب الشدة عليه أو يصيبه أذى بسبب حبس البول , فكان الرفق به حتى يتعلم بهدوء دون فظاظة وغلظة فى التعامل .

* وفى هذا الموقف ضرب صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى فى رجاحة العقل والذكاء والعبقرية . كان جالسا بين أصحابه ذات يوم فدخل عليه أعرابي من البادية فقال له : من أين أتيت بهذا القران يامحمد..؟ فقال المعصوم صلى الله عليه وسلم من عند الله . فقال الأعرابي لو كان من عند الله ماوجدنا فيه هذه الكلمات الأربع . فقال : ماهذه الكلمات ياأعرابى..؟ فقال الاعرابى : “يستهزئ” , فالعرب تقول ” يهزأ ” ولاتقول “يستهزئ” . قال :  هات الكلمة الثانية ياأعرابى . قال : “قسورة” فالعرب تقول “أسد وليث ” ولا تقول “قسورة” . قال المعصوم : هات الثالثة , قال الاعرابى : “كبارا ” فالعرب تقول “كبير” ولا تقول “كبارا ” قال هات الرابعة قال : “عجاب” فالعرب تقول “عجيب” ولاتقول “عجاب” . فسكت الرسول ولم يتكلم لبرهة والصحابة ينظرون إليه حتى أن الاعرابى ظن أنه قد كسب الجولة . وفجأة دخل أعرابي من البادية وقال يامحمد أعطني مالا فالمال ليس لك ولأبيك . فقال المعصوم ماذا تريد ..؟ فقال الاعرابى : أتستهزئ بى يابن قسورة العرب وأنت تراني رجلا كبارا إن هذا لشئ عجاب . فنطق الاعرابى بالشهادتين بسبب هذا الموقف الذي دل على عبقرية عقل النبي الذي استنطق الاعرابى بالمفردات التى كانت محل شك .

* إن رجاحة العقل وفطنتنه وعبقريته هى الطريق لحل المشاكل الكبيرة ولفك شفرة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية , لأنه لاتوجد مشكلة ولايوجد لها حل , فالله عز وجل خلق الداء وخلق من أجله الدواء , لكن أين العباقرة الذين يكتشفون هذا الدواء . لذلك فالمبدعون دائما أحياء فى الذاكرة وإن ماتت أجسادهم ووراها التراب . لاتقل لايوجد حل لمشكلة ما , فهذا خطأ فادح , ولكن قل لايوجد عقل توصل لحل هذه المشكلة بعد , فهذا أقرب للصواب . لاتضع عقلك على ” الرف ” وتقول : ليس فى الإمكان أحسن مما كان , فذلك تفكير الكسالى الذين تعلو وجوههم غبار النوم العميق . المشاكل الكبيرة لايحلها إلا العقول الكبيرة , أما صغار العقول فلا مجال ولامكان لهم بعد اليوم .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى