الأرشيفتقارير وملفات

الشيخ الغزالي… والتدين المغشوش…!

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* يمر العالم الاسلامى اليوم بمحنة لا قبلها ولا بعدها محنة . إنها محنة التدين المغشوش لشرائح غير قليلة فى المجتمعات العربية والإسلامية . يقيمون معارك فقهية وعلمية على الفروع , ويتجاهلون الأصول . يهتمون بالمظهر وينسون الجوهر . يتعاركون على الجزئيات على حساب الكليات . لو سقطت شعرة واحدة من لحية أحدهم عن طريق الخطأ , ترى وجهه مسودا وهو كظيم , أما إذا سقطت كل بلاد المسلمين تحت الاحتلال اللعين , فلا تراه نادما ولا مكروبا ولا يشعر بالحزن الدفين . إنه التدين المنقوص المغشوش الذي لايقدم ولا يؤخر ولايفيد المسلمين فى حاضر ولا فى مستقبل. إنها محنة كئيبة سوداء لم يمر بها المسلمون الأوائل فى عصر الجاهلية الأولى . صار لدينا مشايخ الفضائيات , ودعاة القنوات , وعلماء الانترنت أصحاب الهزائم والنكسات . يحلون ما حرم الله , ويحرمون ما أحل الله . الدين بالنسبة لهم ليس عقيدة ولا رسالة تنوير للمجتمع , بقدر ماهو مصدر للاسترزاق , فهم ليسوا أكثر من أبواق , لا يملكون على المنابر غير الحناجر , مجرد ظاهرة صوتية فارغة كالطبل الأجوف . بضاعتهم رديئة , وثقافتهم دنيئة ,وخطبهم فى كل ما يرضى الله برئية من أى موقف جاد لنصرة الحق ودحض الباطل . أليس ذلك تدينا مغشوشا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء …؟

فتاوى

* يقول العلامة الفيلسوف الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فى كتابه ” هموم داعية ” : ” نظرت بعيدا عن دار الإسلام وراقبت زحام الفلسفات والملل التى تتنافس على امتلاك زمام العالم.. فوجدت الإعلاميين أو الدعاة يختارون من أوسع الناس فكرا  وأرقهم خلقا  وأكثرهم حيلة فى ملاقاة الخصوم وتلقف الشبهات العارضة . فلما رجعت ببصري إلى ميدان الدعوة فى أرض الإسلام غاص قلبى من الكآبة..! كأنما يختار دعاة الإسلام وفق مواصفات تعكر صفو الإسلام وتطيح  بحاضره ومستقبله  . وما أنكر أن هناك رجالا فى معادنهم نفاسة , وفى مسالكهم عقل ونبل , بيد أن ندرتهم  لاتحل أزمة الدعاة التى تشتد يوما بعد يوم . والغريب أن الجهود مبذولة لمطاردة الدعاة الصادقين من العلماء الاصلاء , والفقهاء الحكماء للقضاء عليهم , وترك المجال للبوم والغربان من الأميين والجهلة يتصدون للدعوة ويتحدثون باسم  الإسلام .” فى هذا الشرح الموجز يشخص الشيخ الغزالي الداء فى جسد الأمة كالطبيب الماهر الحاذق الذى يشعر بالمريض ويصف له الدواء قبل أن يقدم للطبيب شكواه . فالحال يغنى عن الكلام . إنها الرؤية العميقة والبصيرة النافذة والقلب النابض الحى الذى يشعر بالآم الأمة .

سلاطين

* ثم إن الشيخ الغزالى يصب جام غضبه على شرائح من الشباب لم تعرف من الإسلام إلا شكله ولا من القران إلا رسمه , فيقول :” يوجد بين المتدينين قوم أصحاب فقر مدقع فى ثقافتهم الإسلامية ، وإذا كان لهم زاد علمي فمن أوراق شاحبة تجمع كناسة الفكر الإسلامي ، والأقوال المرجوجة لفقهائه ! وهم يؤثرون الحديث الضعيف على الصحيح ، أو يفهمون الخبر الصحيح على غير وجهه ، وإذا كانت المدارس الفكرية في تراثنا كثيرة ، فهم مع ظاهر النص ضد مدرسة الرأي ، وهم مع الشواذ ضد الأئمة الأربعة ، وهم مع الجمود ضد التطور وقد سمعت بعضهم يحارب كروية الأرض ودورانها ، فلم تهدأ حربه حتى روى له أن ابن القيم يقول باستدارة الأرض ! ومازال البحث جاريا عن رواية أخرى تقول : إن الأرض تدور كي يسكت ويستكين . . . !! هل بين أولئك القوم وبين الخوارج القدامى قرابة روحية وفكرية؟ ربما  ..!” إن الشيخ هنا يدعو الشباب إلى التعمق فى الفكر الاسلامى وتحصيل العلم النافع الدقيق بعيدا عن القشور التى لاتسمن ولاتغنى من جوع . فهل إلى ذلك من سبيل..؟

* ويرى الشيخ العلامة في كتابه الرائع الجميل ” علل وأدوية ” أنَّ الاهتمام المبالغ فيه في المظهر على حساب الجوهر سبب في هزيمة الأمة هزيمة نكراء فيقول :” وعندما يتحول التدين إلى حركات بدن، وإتقان شكل، فإن حقيقته تضيع وغايته تبعد أو تتلاشى. المعنى الأصيل للتدين أن يكون حركة قلب، ويقظة فكر، أما المراسم الجوفاء والصورة الشاحبة فلا دلالة لها على شيء، ومن عجز عن تصحيح قلبه ولبه فهو عما سواهما أعجز، ويوم يتولى عملا ما في المجتمع فسوف يكون نموذجا للفشل لأنه لن يدفع تيارات الحياة إلى حيث يجب، بل ستدفعه هذه التيارات إلى حيث تشاء. وهنا الهزيمة الشنعاء للدين والدنيا.  ” يركز الشيخ هنا على اللب لا على الشكل والصورة . فإن المسلمين اليوم فى أمس الحاجة إلى من يفكر لهم ومعهم فى حل مشاكلهم الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية . لقد كان الشيخ حقا نافذ البصيرة , عميق النظر , يفكر للأجيال القادمة ولاينظر تحت قدميه دون النظر إلى طول وعمق الطريق .

* ويرى أيضا فى كتابه ” مشكلات فى طريق الحياة الإسلامية ” أن للتدين المغشوش أثراً كبيراً في إذكاء نار الخلاف الفقهي وشغل الأمّة بقضايا فرعية ، كما يرى أنَّ نفسيات أصحاب هذا التدين تستحق أنْ توضع تحت الدراسة ، فيقول : ” ليس الدين ستارة لتغطية العيوب ، وإنما هو طهارة منها ، وحصانة ضدها ، وفى تجاربي ما يجعلني أشمئز من التدين المغشوش ، وأصيح دائما أحذِّر عُقْباه . . إن المنحرفين يسترون بركعات ينقرونها فتوقا هائلة في بنائهم الخلقي وصلاحيتهم النفسية ، وهم لا يظنون بالناس إلا الشر ، ويتربصون بهم العقاب لا المتاب ، وهم يسمعون أن شُعَب الإيمان بضع وسبعون شعبة ، بيد أنهم لا يعرفون فيها رأسا من ذنب ، ولا فريضة من نافلة ، والتطبيق الذى يعرفون هو وحده الذى يُقرون. إفراط . . وتفريط والخلاف الفقهي لا يوهى بين المؤمنين أُخوّة ، ولا يحدث وقيعة ! وهؤلاء يجعلون من الحبة قبة ، ومن الخلاف الفرعي أزمة . والخلاف إذا نشب يكون لأسباب علمية وجيهة ، وهؤلاء تكمن وراء خلافاتهم علل تستحق الكشف.

* المجال لا يتسع هنا  لذكر كل المواقف والغزوات والمعارك الحربية الفقهية المصطنعة التى ألقى الشيخ الغزالي رحمه الله الضوء عليها , كما أنني فى هذا المقال عندما أفتح ملف هذه القضية , فلست أهدف إلى الغمز واللمز أوالتجريح أو التشهير بحزب أو هيئة أو مؤسسة أو جماعة أو  دعاة ومشايخ وعلماء بعينهم وأشخاصهم , بقدر ما أهدف إلى لفت الأنظار إلى فكر العلامة الفقيه ” الشيخ الغزالى “ ودأبه المستمر فى تصحيح صورة ومظهر بل وجوهر هذه العقيدة الغراء التى ما نزلت من السماء إلى الأرض , إلا لاعمارها وإصلاحها وليس لتخريبها وإفسادها . إن أوطاننا اليوم فى حالة يرثى لها من التردي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والصحي , ومن ثم أصبح فرض عين على كل العلماء والخبراء والمفكرين والمشايخ والدعاة وأصحاب الرأي والفقه والعلم والفكر المستنير أن يلتقوا على كلمة سواء , وان ينبذوا الخلافات السياسية والحزبية والفقهية الضيقة من أجل مصلحة الدين والوطن , ويبتعدوا بأنفسهم عنها كما تبتعد الأسود الأبية عن الجيف النافقة النتنة . لابد لهم أن يشخصوا الداء ويصفوا الدواء الناجع الذى يخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور , ومن ظلام الجهالة إلى نور العلم , ومن التشرذم والخلافات , إلى الاتحاد والالتقاء على رؤى مستقبلية تنقذ سفينة الوطن من الغرق المؤكد . ومن أمة تابعة , إلى أمة متبوعة لها كرامتها ووزنها وشرفها بين الأمم . يجب أن ننأى بأنفسنا عن أى صورة من صور التدين المغشوش الذى يفسد ولايصلح , يهدم ولايبنى , يؤخر ولايقدم . إن جوهر ديننا هو حرية , كرامة إنسانية , عدالة اجتماعية  على قاعدة أن كل الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بين عربي وأعجمي , ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح . رحم الله الفقيه العلامة الشيخ الغزالي . فهل إلى تحقيق ما سبق ذكره من سبيل..؟ اللهم أنى اجتهدت وبلغت , فإن أصبت فمن الله , وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان . اللهم بلغت … اللهم فاشهد .

.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى