تقارير وملفات إضافية

السياحة في «أم الدنيا».. مبادرات شبابية تتحدى الواقع الصعب لجذب السائحين

السياحة في مصر كانت دائماً أحد أهم أركان الاقتصاد، وهذا طبيعي في بلد يشتهر بأن به أكبر تجمع أثري في بلد واحد على سطح الكرة الأرضية، لكن هذا الرافد الهام للدخل القومي شهد نكسات كبيرة، وتراجع بشدة بفعل عوامل متعددة، والآن هناك رواد أعمال شباب يحاولون استعادة السياحة رغم المعوقات، فما هي قصتهم؟

صحيفة إلبايس الإسبانية نشرت تقريراً حول القصة بعنوان: «مقترحات في بلد الأهرامات لاستعادة السياحة»، ألقت فيه الضوء على المحاولات والمعوقات التي تواجهها.

لا يزال الوجود العسكري مكثّفاً في القاهرة. أصبحت المتاريس والحواجز مشهداً مألوفاً عند مداخل فنادق العاصمة ومناطق الجذب الرئيسية، ولكن يبدو أن السياحة في مصر قد بدأت تتعافى بعد سنوات من الاضطرابات السياسية التي تمكنت منها.

بعد الإسهام بنسبة 16.5% من الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص عمل بنسبة 9.5% في عام 2018، وفقاً لبيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة، يعود قطاع السياحة إلى مكانته تدريجياً، ووفقاً لهذا الاتجاه، تتجه العديد من الشركات الناشئة نحو تنفيذ نماذج أعمال مستدامة ذات تأثير اجتماعي أكبر يسهل السياحة وفقاً لأجندة رؤية 2030.

أطلقت منظمة Enpact مبادرة Travel Tech 4 Good، وهي عبارة عن دورة مكثفة تدرَّبت فيها مجموعة من الشباب من ست شركات ناشئة محلية لمدة ثلاثة أشهر، في مجالات مثل تطوير العلامة التجارية، وخدمة العملاء، والاتصالات، التسويق، والتجارة الرقمية، وتجربة المستخدم.

يقول جوست نيومان، رئيس البرامج الاستراتيجية في مؤسسة TUI Care Foundation: «نوفر للمشاركين الأدوات حتى يتمكنوا من توقع احتياجات العملاء الغربيين، وفي نفس الوقت من أجل تمكين المجتمعات وتنويع السياحة وزيادة الوعي الاجتماعي والبيئي».

تدعم المؤسسة المذكورة هذه الدورة المكثفة، التي بالتعاون مع Enpact، تسهل على المواهب المحلية اقتراح بدائل ذات تأثير إيجابي.

ووفقاً لبيانات منظمة السياحة العالمية (UNWTO)، من المتوقع أن يتجاوز عدد الزوار في مصر 11 مليون زائر في عام 2019، ويقترب العدد تدريجياً من الأرقام التي كانت قبل «ثورة يناير 2011، عندما وصل العدد إلى 14.7 مليون زائر، وكان أقصى عدد بعد ذلك في عام 2016، عندما وصل إلى 5.4 مليون فقط.

تقول الخبيرة أدايا أريزمندي، المتخصصة في الابتكار والتحول الرقمي في منظمة السياحة العالمية: «تشهد مصر تغيراً في السياحة ونمواً في عدد الزوار للسنة الثانية على التوالي».

ويبدو أن البلاد تسير على الطريق الصحيح لتغيير الوضع السابق، إذ توضح أدايا: «يجب أن نواصل تشجيع برنامج يدعم ريادة الأعمال والمبادرات التي تفيد فيها الأموال الاقتصاد المحلي».

بالنظر إلى هذا الطلب على السياحة المستدامة التي تسهم في تحقيق المساواة والإدماج والعمل الشريف والحفاظ على النظم الإيكولوجية والتراث، تبرز هذه الشركات الناشئة الست، التي تلتزم بتنفيذ أشياء مختلفة ومعالجة المشاكل الحالية للوجهات السياحية.

يشجع القطاع وجود محركات للبحث عن الرحلات وحجوزات دولية للإقامة، وهو الأمر الذي يضر وكالات السفر المصرية، لمكافحة العجز في الوجود عبر الإنترنت، طورت Halla Travel منصة رقمية خاصة بها لتجمع المؤسسات المحلية التي لا تملك القدرة على الوصول إلى المسافرين، ويقول مؤسسها، أمير عبدالله: «إذا لم نساعدهم، فلن يكون أمامهم خيار سوى الإغلاق».

ونتيجة لزيادة الأسعار، كان العزم على تخفيف قطاع الوسطاء هو الهدف الرئيسي لأحمد حامد، مؤسس شركة ToBadaa، من خلال شعاره «ادفع أقل، وشاهد أكثر»، قرر هذا الشاب المصري الرهان على نظام يوفر خدمة الجولات المصحوبة بمرشدين.

أما عن مشروعه، فهو عبارة عن قاعدة بيانات يسجل فيها المرشدون المحليون الذين لديهم سيارة خاصة بياناتهم لتقديم أنواع مختلفة من الجولات.

يقدم الموقع وصفاً للتجارب وملفات تعريف الإرشادات والانتقادات والآراء الإيجابية في نظام يسمح لهم بالعمل دون حاجة إلى شركات السياحة لتوظيفهم، ويقول حامد: «يمكن للمرشدين أن يؤدوا دور البطولة».

تقول الخبيرة الاستشارية غابرييلا شوينبرغر، التي تعمل مدرّبة في هذا المعسكر التدريبي: «لا يجب أن يعتمد كل شيء على النمو والزيادة؛ بل على الاهتمام بالسائحين».

من بين التحديات التي تواجه السياحة، سلّطت المدربة الألمانية الضوء على أهمية التكنولوجيا وكيف يجب أن يتماشى هذا القطاع مع العادات الاستهلاكية الحالية.

لهذا، تخطط شركة Conictus الناشئة لتجهيز مساعد صوتي للغواصين الذين يزورون البحر الأحمر، ومن خلال هذا الجهاز، يريد أمير جرجس جمع المعلومات بعد كل رحلة غوص، لتقديمها إلى الشركات في القطاع، وإلى إدارة المنتزهات الوطنية لتسهيل مراقبة النظام البيئي البحري.

وهذا الاتحاد بين السياحة والذكاء الاصطناعي يرافقه أيضاً الوعي لدى الغواصين لتغيير ممارساتهم عند العودة إلى الوطن، يقول جرجس: «عندما تأكل سلحفاة كيساً بلاستيكياً فذلك لأنها تخلط بينه وبين قنديل البحر، ويرى السائح ذلك بنفسه، ويدرك أنه أمر حقيقي، وليس حملة إعلامية».

ويعد الحفاظ على التراث تحت الماء هو أمر أساسي بالنسبة لمصر؛ فالعديد من السياح يأتون إلى أماكن مثل الغردقة أو مرسى علم أو محمية رأس محمد الوطنية للاستمتاع بأنشطة مائية متنوعة.

وبالتالي، لم يكن أمام الجهات الحكومية في البحر الأحمر خيار سوى حظر البلاستيك الذي يُستخدم مرة واحدة، في يونيو/حزيران الماضي. وهو انتصار تحتفي به شركة Blue Odysea.

توفِّر هذه الشركة الناشئة منتجعات مائية ودورات مجانية للغوص في دهب وشبه جزيرة سيناء، تهدف إلى نشر تجربة تربط المشاركين بالطبيعة، ويرى مؤسساها، رغدة عزالدين وأحمد سليمان، أن مصر لا يمكنها أن تظل مكاناً يُستهلك فيه حوالي 12 مليار كيس بلاستيك سنوياً، وفقاً لبيانات السلطات المحلية.

يوضح كريستوفر ويكبيرج، وهو مهندس أعمال في مؤسسة TUI: «سوق مصر واعد والمستقبل مفتوح أمام العديد من الفرص»، ولكن هناك مناطق معينة فقط من البلاد هي التي تظهر في الأدلة السياحية.

تحاول ريهام أبو بكر إقناع المصريين منذ ثلاث سنوات بأن هناك نوعاً آخر ممكناً من الرحلات، وتدير ريهام شركة GeoTravel، وهي أول شركة للسياحة الجيولوجية في البلاد، وتنظم رحلات استكشافية إلى المناطق النائية، وتقول: «إنها فرصة لأولئك الذين يريدون رؤية وجه آخر لمصر».

لقد وجدت هذه الشركة الناشئة طريقة لتوحيد أهداف السياحة المستدامة، من خلال زيارة أماكن مثل حلايب أو واحة سيوة، وهناك تشجع لمعرفة التراث الطبيعي ورفع قيمة الطابع الجغرافي للبلاد، مع دعم المجتمعات القروية التي أصبحت ترى في السياحة دخلاً لم يكن موجوداً من قبل.

تريد ريهام أن يتشبّع الزائر بالعادات المحلية، ويتشرب بالموائل الطبيعية والثقافية لمنطقة غير مستكشفة، وأن يدرك قيمتها، ومن خلال سلسلة من المقترحات والأفكار، يريد رواد الأعمال المصريون الشباب تغيير وجه قطاع السياحة في بلدهم.

وإذا تماسك الوضع السياسي فقد يصبحون قريباَ مراجع لقطاع يحاول أن يتكيف مع أهداف التنمية المستدامة، وينبغي له ذلك، وفي الوقت الحالي يعمل هؤلاء على تحقيق ذلك.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى