تقارير وملفات إضافية

السوريون هم الأسرع والأقل تعثراً.. هل نجحت ألمانيا بالفعل في دمج المهاجرين في مجتمعها؟

فيما تتأمل ألمانيا إرث الوافدين إليها عام 2015- وتدرس مدى تقبلها لاستمرار الوافدين الجدد وكيفية ذلك- يتساءل العديد من المراقبين عما إذا كان تأكيد أنجيلا ميركل “بوسعنا فعلها” صحيحاً: هل كانت البلاد بالفعل على مستوى التحدي المتمثل في دمج العديد من المهاجرين؟ لكن لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون التفكير في سؤال آخر أولاً: ما الذي يعنيه الاندماج الكامل، ومن المسؤول الأكبر عن تعزيز عملية الدمج؟

تقول مجلة Foreign Policy الأمريكية، إنه بإمكان السياسة المحلية في مدينة غلزنكيرشن الألمانية توضيح السبب الذي قد يجعل الإجابة عن هذه الأسئلة  معقدة وغير قاطعة. وهذا في جزء كبير منه  يعود إلى أن المدينة استثناء للقاعدة؛ ففي غلزنكيرشن، بدأ السكان المحليون مناقشة الاندماج عام 2014، وليس عام 2015، أي قبل عام من إثارة الموضوع سياسياً في بقية ألمانيا. 

وكانت مخاوف سكان غلزنكيرشين المتعلقة بالهجرة موجهة أيضاً إلى أطراف مختلفة اختلافاً جوهرياً؛ إذ نشأ هذا الشعور بالقلق من انضمام رومانيا وبلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي، وما ترتب على ذلك من حرية الإقامة للرومانيين والبلغار في ألمانيا.

وفي منطقة حوض الرور على وجه الخصوص، التي تعاني ارتفاعاً في معدلات البطالة والفقر، كان المسؤولون قلقين من فكرة اجتذاب تكلفة المعيشة المنخفضة في المنطقة للعمال ذوي المهارات المحدودة القادمين من أوروبا الشرقية، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم المشكلات القائمة. وأضف إليهم طالبي اللجوء الآخرين الذين وصلوا إلى المدينة في السنوات الأخيرة- وكثير منهم من إفريقيا- وستجد أن غلزنكيرشن أصبحت مزيجاً معقداً من الجنسيات والثقافات والتحديات.

وتوجد العديد من القصص الناجحة عن أناس عملوا دون كلل لبناء حياة جديدة لأنفسهم؛ ويوجد البعض ممن بدا أنهم لا يريدون الاندماج؛ ويوجد آخرون ممن جعل نظام الدمج صعباً عليهم، حتى وإن كانوا يرغبون فيه. لكن الاندماج يمكن أن يعني أشياء مختلفة لكل مجموعة، والموارد التي يتلقاها الأفراد للمساعدة في هذه العملية تعتمد على المكان الذي أتوا منه وسبب قدومهم إلى ألمانيا.

تقول ميليك توبالوغلو، رئيسة مجلس الاندماج في غلزنكيرشن: “أنت بحاجة إلى وقت. وعليك أن تتحلى بالصبر. وأنت بحاجة إلى الموظفين والمال. الاندماج لا ينجح بأي طريقة أخرى. ولا ينجح في بعض الأحيان بالطبع. لكن التحديات جزء من عملية الدمج، ولا توجد صيغة سحرية لنجاح أي شيء نجاحاً مثالياً”.

ورغم أن غلزنكيرشن تُعرف بتنوعها قبل ذلك، وضع تدفق الوافدين الجدد في السنوات الست الماضية ضغطاً جديداً على تقليد المدينة الطويل في التناغم بين ثقافات متنوعة. واليوم، ما يقرب من 36% من سكان المدينة لديهم ما يُعرف في ألمانيا بـ”أصول مهاجرين”، وهذا يعني أنهم أو أحد والديهم على الأقل لم يولدوا في ألمانيا؛ ويشكل المواطنون غير الألمان 20% من إجمالي السكان. وثلث هؤلاء من أصول تركية، و12% منهم من سوريا، و9% منهم من رومانيا.

وتواجه المدينة صعوبات اقتصادية أيضاً. والعوامل ذاتها التي جعلت غلزنكيرشن ذات يوم موطناً مثالياً للاجئين ووجهة جذابة للمهاجرين من جنوب شرق أوروبا- الكثير من المنازل الفارغة وتكلفة المعيشة المنخفضة- تعني أيضاً أن تعزيز الانسجام بين الثقافات قد يكون أمراً صعباً. إذ تعاني المدينة، التي تواجه ضائقة مالية، صعوبة في توفير وظائف جيدة وتقديم الخدمات لكل من يحتاج إليها. واليوم، يحصل سكانها على أقل دخل للفرد في ألمانيا فضلاً عن أعلى معدل بطالة في البلاد وأعلى نسبة فقر بين الأطفال.

وغالباً ما يُحمَّل المهاجرون مسؤولية هذه المشكلات التي تواجهها المدينة، وغالباً ما تخفق المناقشات عن الاندماج والمشكلات التي تسببت فيها الهجرة في التمييز بين الأشخاص الذين ينجح الاندماج معهم ومن لا ينجح معهم.

وحين يتحدث الناس في غلزنكيرشن عن مشاكل الاندماج، فإنهم عادةً ما يشيرون إلى المهاجرين من جنوب شرق أوروبا، وليس العرب أو الأفارقة: ففي حين يتمكن اللاجئون عادةً من الاستفادة من دورات اللغة والاندماج فضلاً عن المساعدة المالية، لا يتلقى القادمون من داخل الاتحاد الأوروبي الموارد نفسها.

إذ يواجه العديد من السِّنتي والغجر تمييزاً منهجياً في بلدانهم الأصلية، لذا فغالباً ما يكون مستواهم التعليمي أقل من غيرهم ولا يثقون في سلطات الدولة غالباً. ونتيجة لذلك، يظل كثيرون منهم في مجتمعات مغلقة إلى حد ما، ويتعلمون القليل من اللغة الألمانية أو لا يتعلمونها على الإطلاق ولا يلتزمون دوماً بضرورات إرسال أطفالهم إلى المدرسة. وفي بلد يعتبر النظام والقواعد أمراً مهماً في ثقافته، يشكو بعض سكان المدينة من إلقائهم القمامة في الشارع أو حتى خارج نوافذهم.

وفي لالوك ليبر، المركز المجتمعي المعني بالأطفال والشباب اللاجئين والمهاجرين- مثل العديد من السِّنتي والغجر- تتعامل فينيشيا هارونتزاس مع هذه التحديات كل يوم.

وترى فينيشيا أن الاندماج الناجح لا يعني الاندماج في المجتمع الألماني بل يعني الموازنة بين الاحتفاظ بالتقاليد والأعراف الثقافية في الوطن القديم والالتزام بالقواعد والتوقعات في الوطن الجديد.

وتقول: “الأشياء التي تعلمتها من عائلتك لا بد أن تتمسك بها، لكنك تعيش في نظام مختلف، ويتعين عليك اتباع قواعد هذا النظام. الاندماج ليس طريقاً باتجاه واحد. لا بد أن أبذل بعض الجهد، لكن عليك أن تتقبلني كما أنا. لا بد أن نتلاقى في المنتصف”.

هذا النوع من الفهم- أن الاندماج يتطلب جهداً من كلا الجانبين- كان مفيداً جداً لآلاء إبراهيم، الفتاة السورية التي تبلغ من العمر 25 عاماً. فحين وصلت هي وعائلتها إلى غلزنكيرشن عام 2015، حصلوا على شقة في بناية سكنية في الشارع الرئيسي بالمدينة، حيث بذل جيرانهم قصارى جهدهم لإشعارهم بالترحاب، ومساعدتهم على التعامل مع البيروقراطية الألمانية، وكانوا بمثابة نظام دعم غير رسمي.

تقول آلاء: “في البداية ظننت دوماً أنه يتعين عليّ الابتعاد قليلاً والاكتفاء بالتحية. لكن جيراننا أظهروا لنا شيئاً مختلفاً: كانوا ودودين. ولم يكفّوا عن مساعدتنا. ودائماً ما يبادلوننا التحية بابتسامة. وهم حقاً أفضل أصدقائي هنا، إنهم أفضل من في غلزنكيرشن”.

تقول فيلما ميتلباخ، أحد جيران آلاء التي تحاول مساعدة اللاجئين الوافدين على الاستقرار، إن السكان بحاجة إلى التحلي بالصبر مع الوافدين الجدد إلى المدينة، وإدراك أنه لا ينبغي التسرع في الحكم على الأشخاص ذوي الأعراف أو الخلفيات الثقافية المختلفة بأنهم ليسوا أهلاً للثقة. إن تغيير الأفكار المسبقة لدى العديد من السكان القدامى عن اللاجئين ضروري وإن كان سيتطلب وقتاً.

وقالت: “لا توجد طريقة أخرى سوى بذل جهد حقيقي والتحلي بالصبر لإقناعهم. نقول دائماً: “هل سلب اللاجئون وظيفتك أو منزلك أو تسببوا في رفع الإيجار؟”لا، بل هو خطأ جهة أخرى تماماً”.

يواجه اللاجئون من أماكن أخرى، مثل البعض من بلدان إفريقيا، عقبات كبيرة تحول دون اندماجهم في ألمانيا، أو حتى الخروج من مخيمات اللاجئين والاندماج في المجتمعات التي يمكنهم النجاح فيها. إذ جاء ألاسا مفوابون، البالغ من العمر 31 عاماً، من الكاميرون إلى ألمانيا باعتباره لاجئاً لأول مرة عام 2018 بعد رحلة طويلة وصعبة عبر ليبيا، والبحر المتوسط، وأخيراً إيطاليا. ولكن بعد احتجاجه على عمليات الترحيل في مخيم للاجئين في ولاية بادن فورتمبيرغ جنوب ألمانيا، وترحيله إلى إيطاليا بموجب قانون دبلن في الاتحاد الأوروبي؛ انتظر بصبر، وكان ينام في محطة قطار هناك، حتى سُمح له بالعودة إلى ألمانيا بعد ستة أشهر.

وبدأ مفوابون سنته الثانية في برنامج تدريبي في الإعلام في غلزنكيرشن ويساهم في إدارة منظمة تدافع عن حقوق زملائه اللاجئين. وقال إن الغالبية العظمى منهم يرغبون في العمل والمساهمة في مجتمعاتهم المحلية لكنهم لم يُمنحوا الفرصة لذلك؛ وفي المقابل، توجه إليهم الانتقادات بأنهم لا يرغبون في الاندماج الكامل.

وقال: “يقولون إن اللاجئين الذين نستقبلهم لا يريدون الاندماج. اللاجئون هنا على استعداد للعمل.. لكن الحكومة الألمانية لم تمنحهم فرصة الذهاب إلى المدرسة، ولم تمنحهم فرصة العمل، ولم تمنحهم الفرصة لتلقي التدريب المهني. ثم يقولون إن اللاجئين عاطلون عن العمل”.

ربما تكون الطريقة المثلى لمقاومة هذه الصور النمطية هي جهود وإنجازات اللاجئين والوافدين الجدد أنفسهم، ورغبتهم في المساعدة في تحسين الوضع في المدينة. يرى محمد عكّور، البالغ من العمر 20 عاماً من حلب، أنه من مسؤوليته ومسؤولية اللاجئين الآخرين رد الجميل كيفما أمكنهم ذلك: وبعد نجاحه في جهوده لتلقي تعليم جيد، يقول عكّور إنه يريد المساعدة في تحفيز ودعم شباب المهاجرين الآخرين لفعل الشيء نفسه.

وقال: “نحن اللاجئين والمقيمين الجدد هنا في غلزنكيرشن بحاجة إلى أن نؤدي دورنا أيضاً في مساعدة هذه المدينة. لا نريد أن نكون عبئاً عليها، بل على العكس تماماً. نريد أن نحقق شيئاً ونساهم في تحسين الوضع هنا”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى