السعودية تبدأ تغيير سياستها في اليمن ومع قطر، ولكنها ستواصل نهجها المتشدد بملف واحد

السعودية تحتاج إلى تغيير سياستها بعد توليها رئاسة مجموعة العشرين والأهم لتحسين صورتها خارجياً لجذب الاستثمارات الأجنبية لتحقيق رؤية السعودية 2030، وبالفعل يبدو أنها تتجه لتحقيق بعد التغييرات ولكن هناك ملفات لن يطالها التغيير. 

ففي الأول من ديسمبر/كانون الأول، تولت المملكة العربية السعودية رسمياً رئاسة مجموعة العشرين. 

وعادة ما تكون مهمة قيادة هذا المنتدى الاقتصادي رفيع المستوى، التي تتناوب عليها سنوياً الدول الأعضاء، مسألة شكلية أكثر منها جوهرية. لكن مخاطرها بالنسبة للسعودية -العضو العربي الوحيد في المجموعة- كبيرة، حسبما ورد في تقرير نشر بمجلة Foreign Affairs الأمريكية.

إذ تتولى الرياض زمام الأمور في وقت يشوبه الكثير من الضبابية. فصورة المملكة تأثرت كثيراً بعد سلسلة من الأزمات المحلية والدولية، بدءاً بالتدخل العسكري المدمر في اليمن ومروراً بحملة الضغط المتعثرة على قطر وانتهاءً بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي عام 2018 الذي تردد صداه على نطاق واسع. 

وتدهورت على إثر ذلك سمعة وشرعية الزعيم الفعلي للسعودية، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. فيما يتباطأ الاستثمار الأجنبي، الذي يحتاجه السعوديون لإصلاح اقتصادهم المعتمد على النفط.

تحاول الحكومة السعودية، في غمرة لهفتها لإصلاح صورتها، تصحيح مسارها بشكل جذري بحلول الوقت الذي يجتمع فيه زعماء العالم في الرياض لحضور قمة العشرين السنوية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام المقبل. 

وعلامات التحول المقبل واضحة بالفعل. 

فلأول مرة منذ سنوات، تبدو الرياض منفتحة على إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية في اليمن والمصالحة مع قطر، وهما الخطوتان اللتان ستعيدان تشكيل المشهد السياسي للخليج بشكل كبير واللتان بدا من المستبعد حدوثهما حتى وقت قريب. 

ومن الصعب التوصل إلى حل سريع لأي من الصراعين -إذ تتطلب أية تسوية دائمة وقتاً والتزاماً طويل الأجل لتنجح- إلا أن تحركات الرياض التصالحية تبشر بالخير للمنطقة.

خطوة إلى الأمام، وخطوتان إلى الخلف

تحمل السنة المقبلة أهمية خاصة لمحمد بن سلمان، ولي العهد. 

ويُذكر أن محمد بن سلمان، منذ صعود والده إلى العرش في يناير/كانون الثاني عام 2015 وتعيينه رسمياً ولياً للعهد في يونيو/حزيران عام 2017، عزز سلطته بشكل لم يفعله سوى قلة من القادة السعوديين قبله. 

فهمّش خصومه المحتملين في العائلة المالكة، وتخلص تدريجياً ولكن بطريقة غير لائقة في كثير من الأحيان من عدد من من الوزراء والخبراء التكنوقراط من كبار السن الذين خدموا لفترة طويلة ووضع مكانهم كوادر شابة من الموالين له. 

وفي أواخر عام 2017، أمر باحتجاز العديد من رجال الأعمال البارزين في البلاد -في فندق ريتز كارلتون في الرياض- في خطوة صدمت مجتمع رجال الأعمال في السعودية. وركّز سلطة اتخاذ القرار أيضاً في لجنتين يتمحور عملهما حول المسائل السياسية والاقتصادية وشرع في سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ضمن أمور أخرى، استغل محمد بن سلمان سلطته الجديدة لمتابعة خطة طموحة لوقف اعتماد اقتصاد البلاد على النفط والحد من البطالة. 

ويهدف هذا المشروع، المعروف باسم رؤية 2030، إلى تشكيل قطاع خاص أكثر حيوية يتمحور حول السياحة والوظائف التي تتطلب مهارات عالية. وقد أدى البيع الأخير لحصة تبلغ نسبتها 1.5% من شركة النفط الحكومية أرامكو إلى مستثمرين من القطاع الخاص -وهو الأول في تاريخ البلاد- إلى البدء في تنفيذ هذه الخطة عبر تحويل الأموال إلى صندوق الاستثمارات العامة بالمملكة، الذي سيوظف هذه الأموال في تعزيز الاقتصاد المحلي.

وصور محمد بن سلمان نفسه أيضاً على أنه نموذج للشباب في بلد تقل أعمار غالبية مواطنيه عن 30 عاماً. 

وقد منحت سلسلة من سياسات التحرر الاجتماعي التي طال انتظارها المرأة الحق في قيادة السيارات والسفر والعمل دون موافقة ولي الأمر. وسمحت اللوائح المخففة للصناعات الترفيهية المحلية بالظهور في الرياض وجدة، حيث لم تعد الحفلات الموسيقية والفعاليات الرياضية وحدائق الترفيه نادرة. 

وكانت النتيجة تحول اجتماعي يمكن رؤيته والإحساس به بسهولة في المراكز الحضرية في المملكة. وواجهت هذه التغييرات معارضة لا تُذكر من رجال الدين المعروفين بتشددهم، الذين تقلص نفوذهم بعد العديد من عمليات الاعتقال البارزة وصدور مرسوم قانوني يحد من قوة السياسة الدينية في البلاد.

على أنه ينبغي تقييم هذه التطورات الإيجابية في ضوء عدد من الإجراءات القمعية الصريحة المثيرة للجدل التي اتخذها محمد بن سلمان. إذ استمرت الدولة، تحت إشرافه، في اعتقال المنتقدين ونشطاء حقوق الإنسان. 

فقبل أن ترفع الرياض حظر قيادة النساء في مايو/أيار عام 2018، احتجزت العديد من الناشطات في مجال حقوق المرأة، مثل لجين الهذلول، وعزيزة اليوسف، وإيمان النفجان، وهتون الفاسي. واتهمت النيابة العامة السعودية فيما بعد هؤلاء النسوة بتهديد الأمن القومي بتآمرهن مع دولة معادية، يُفترض إلى حد كبير أنها قطر. 

وعندما طالبت كندا بالإفراج عنهن، خفضت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع أوتاوا. 

وإذا لم يكن هذا دليلاً كافياً على أن الرياض لم تغير من أساليبها الاستبدادية، فتجب الإشارة إلى أن عملاء المخابرات السعودية قتلوا جمال خاشقجي وقطعوا أوصاله في القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول عام 2018.

وأدّت سلسلة أخطاء السياسة الخارجية الأخيرة إلى الإضرار بالمكانة الدولية للمملكة. 

فاعتقال رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، بطريقة غريبة وإجباره على الاستقالة خلال رحلته إلى السعودية في أواخر 2017 لم يأتِ فقط بنتائج عكسية (وقوف الشعب اللبناني والنخبة السياسية وراء الحريري، الذي أعيد فوراً إلى وطنه)؛ بل كشف أيضاً عن حدود المحاولات الغريبة للمملكة من أجل تشكيل السياسات الداخلية في بلاد الشام. 

وأثارت الكارثة الإنسانية الناجمة عن التدخل العسكري في اليمن بقيادة السعودية في إدانة عالمية، مثلما كان الحال مع مقاطعة قطر التي استمرت لعامين بقيادة السعودية والإمارات.

 وكانت انتقادات الكونغرس الأمريكي، بشكل خاص، حادة على نحوٍ غير معتاد، مع تشكيك العديد من المشرعين الأمريكيين في سياسات محمد بن سلمان وقدرته على القيادة.

كان لهذا الضرر الذي لحق بسمعة المملكة آثار اقتصادية سلبية انعكست في صورة تثبيط همم المستثمرين. 

ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية من 1.4 مليار دولار في 2017 إلى 3.2 مليار دولار في 2018، لكن يظل هذا الرقم أقل من الذروة التي بلغها عام 2008 حين بلغ  3.9 مليار دولار، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للاستثمار العالمي. 

وتأثرت المملكة أيضاً من انخفاض أسعار النفط، إلى جانب التكلفة الباهظة للحرب في اليمن، التي تقدر بحوالي 5  إلى 6 مليارات دولار شهرياً، وكشف الهجوم المدعوم من إيران على منشآت نفطية سعودية في سبتمبر/أيلول الماضي الضعف الذي أصاب صناعة النفط مما أدى إلى انخفاض قيمة شركة أرامكو.

تبدو السعودية حريصة على تجنب المزيد من الأخطاء، خاصة خارج المملكة. في اليمن، بدأت المملكة البحث عن مخرج، بعدما أدركت أن تدخلها، الذي كان يهدف في الأساس إلى احتواء الحوثيين المدعومين من إيران، أدى إلى تعزيز اعتماد المتمردين الحوثيين على حليفهم الإيراني. وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ساعدت السعودية في التوسط لاتفاق بوقف القتال بين الفصائل المتناحرة المناهضة للحوثيين، في ما يعتبره البعض نقطة انطلاق محتملة من أجل اتفاق سلام أشمل ينهي الصراع. 

وتخوض الرياض أيضاً محادثات مباشرة مع الحوثيين، وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني، سافر خالد بن سلمان، شقيق محمد بن سلمان، إلى سلطنة عمان، التي عملت لفترة طويلة باعتبارها وسيطاً غير رسمي للحوثيين. 

كل ذلك يشير إلى أن الرياض جادة في سعيها لإيجاد مخرج لها من الصراع، شريطة أن تتمكن من إنهاء اعتماد الحوثيين على إيران التي تزعم السعودية أنها زرعت المتمردين في المنطقة ليحاربوا عنها بالوكالة.

وبالمثل، لم يعد إنهاء القطيعة مع قطر احتمالاً مستبعداً. في يوليو/تموز 2017، قطعت السعودية والبحرين ومصر والإمارات واليمن علاقاتهم الدبلوماسية فجأة مع قطر، مصرّين على أن توقف دعمها المزعووم للجماعات الإرهابية، وقطع علاقاتها مع إيران، وإغلاق شبكة الجزيرة الإعلامية، من بين مطالب أخرى. 

لكن هذا الحصار والقطيعة لم يثبت إلا كونه فشلاً آخر في السياسة الخارجية للمملكة. بعد عامين ونصف، يبدو أن قطر تجاوزت الأزمة ولم تقدم بعد أي تنازلات. 

وفي الوقت نفسه، أدى النزاع إلى انقسام في مجلس التعاون الخليجي، المنظمة الاقتصادية والسياسية التي تأسست عام 1981 بغرض التحصّن ضد إيران. 

وهنا أيضاً بدأت الرياض تميل إلى الاسترضاء مؤخراً. 

والنتيجة قد تكون، على المدى المتوسط، الاتفاق بين الدول أعضاء مجلس التعاون الخليجي على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهم البعض، على غرار ما اتفق عليه المجلس عام 2014 بسبب نزاع مماثل بين قطر وجيرانها.

وتجدر الإشادة بأي محاولات لتجنب التصعيد ضد الحوثيين أو قطر، في ظل عدم وجود اتفاق وحيد قادر على حل توترات المنطقة بسرعة. 

وفي فترة ما بعد الحرب في اليمن، قد تحتاج السعودية إلى الحفاظ على السلام بين الجماعات السياسية والقبلية الكثيرة والاستثمار بكثافة في جهود إعادة إعمار اليمن من أجل الحد من قدرة الجماعات الإرهابية مثل تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش) على تجنيد أفراد وقوات جدد، بعدما اكتسبت هذه الجماعات موطئ قدم بالفعل في البلاد. 

وبالمثل، فإن الوقت وحده مع بعض التدابير القائمة على الثقة المتبادلة سيتكفّلان بإعادة بناء الثقة بين قطر والسعودية والإمارات.

وعلى الصعيد الداخلي، يصبح الوضع أقل مدعاة للتفاؤل. فقد أظهرت موجة الاعتقالات الأخيرة للصحفيين والمثقفين أن قمع الرياض للمعارضة الداخلية مستمر بلا هوادة. قد تحقق رؤية 2030 لمحمد بن سلمان، الركيزة الأساسية لقيادته، المزيد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، لكن لا يبدو أن الإصلاح والتحرر السياسي أمر مطروح.

ومع ذلك، تمثل رئاسة مجموعة دول العشرين فرصة لمحمد بن سلمان ليعيد حساباته بعيداً عن القرارات السياسية المتهورة خلال السنوات الماضية. 

يمكن للمملكة استخدام مجموعة العشرين بمثابة منتدى لمناقشة قضايا التغيرات المناخية والبطالة بين الشباب، القضيتان المهمتان للغاية في الشرق الأوسط، لتتمكن بذلك من تغيير وتحسين صورتها أمام العالم، وقد تؤدي أيضاً السياسة الخارجية الأكثر حكمة إلى استعادة ثقة المستثمرين، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار في المنطقة.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى