تاريخ وحضارات

السدود سلاح ذو حدين تعمر أوتدمر…. “الحلقة الأولى”

بقلم المؤرخ الكبير

الدكتور عبد الفتاح المصرى

كنت فى ذات يوم أسير على قدمى فى شوارع القاهرة فراقنى صوت جميل كأنه صادر من السماء لم أصدق أنه صوت بشر فأنا لم أسمع مثله من قبل كان كل ما أسمعه أغانى وموسيقى فقط ولا أهتم بشيىء على الإطلاق سوى كيفية يناء مستقبلى ولا شأن لى بشيىء آخر ولكن الصوت ظل يطرق أذنى برفق وبجمال فاق ما سمعته من موسيقى وأغانى وألحان حيث قرأ الشيخ قوله تعالى [َأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ] سبأ 16 فإستوقفنى ورجعت سريعا ولم أكمل سيرى وتركت المهمة التى كنت أتجول من أجلها فى مصر الفاطمية وقلعة الناصر صلاح الدين الشامخة والمتحف الإسلامى العريق ومجرى العيون والسيدة عائشة رضى الله عنها لأصور القطع الفنية فى الأثار الإسلامية لعمل موسوعة فنية لقطع الآثار الإسلامية بعيدا عن السرد الذى لا يصلح لغذاء العقول أو إنهاض الهمم إنما كان الغرض فعلا إيقاظ حاسة التذوق الفنى التى فسدت وأصبحت موسيقانا صخب تتأذى منه الآذان كما أصبح الفن عبارة عن شخبطة تفسرها كما تشاء دون رابط أو ضابط بما بسمى بالفن التَشكيلى والذى بشبه الشعر الحر الذى تحرر من قواعد الشعر العربى من ميزان وقافية وبحور ورمل ففقد جاذبيته وأصبح عبارة عن سجع يتلى يظن من يتلوه أنه يقول شعرا وفرق شاسع بين الشعر والسجع وأصبحت مبانينا عبارة عن أحجار متراصة يعلو بعضها بعضا عاطبة من الجمال وشوهت جمال وروعة المنطقة الأثرية فى ميدان القلعة الفسيح الذى ينبض بروح الفن الإسلامى.
ولكن هناك من حافظ على سمة الفن الإسلامى الأصيل وروحه وعمل على التناسق بين المبانى فالمهندس الذى بنى جامع الرفاعى حرص على أن يكون متناسقا مع جامع السلطان حسن فى ضخامته وفخامته وجعله تحفة معمارية رائعة متوازية فى الجمال والنقش مع هذا الجامع الذى عده الأثريون الهرم الرابع يدون جدال وقد كانت المجموعة التى جندت نفسها لعمل موسوعة الفن الإسلامى من شباب وكهول كنت أصغرهم سنا وأقلهم علما وخبرة ولكن كنت أجرأهم فى إقتحام المخاطر ولذلك ندبونى لأكون المصور لهذه التحف الفنية الثمينة ويقومون هم بكتابة تعليقات رائعة ومفيدة جدا عنها لنشر الوعى بين الناس وترقية تذوقهم الفنى بتفاصيل مثيرة وما أن سمعت الآية الكريمة حتى أغلقت آلة التصوير وعدت لزملائى لأعتذر عن مهمة التصوير وأعددت نفسى للسفر إلى اليمن لأنظر إلى سد سيل العرم ومدى قوته وكيف بناه السابقون فى عصور ماقيل التاريخ كانوا يقولون عنها أنها عصور كانت تحبو فيها الحضارة حبوا .
ومن أجمل الرحلات أن تسافر على ظهر سفينة عبر البحر الأحمر لترى حسن صنعة الله فى كونه فى سمائه وفى أرضه ويأخذك المشهد بعيدا عن الماديات وجفائها إلى الروحانيات التى أعطت للكون لمسة سحرية غامضة ولكنها غامرة للنفس البشرية تريحها من صلابة الماديات وقسوتها إلى حنو الروحانيات ونعومتها فترى المياه هادئة كأنها مرآة تشف عما تحتها لعدة أمتار وفيها من المخلوقات العدد الكبير متزينة بألوان رائعة مابين أسود وأحمر وأصفر وأخضر وترى ذات الأحجام الكبيرة والصغيرة مالا يدركه العد كما تظهر لك الشعب المرجانية العجيبة بعضها فى عمق بعيد والبعض الآخر فى عمق قريب وترى الأسماك تدخل فيها أو تخرج منها وتغطى بعضها الطحالب فتصنع منظرا ساحرا تتمنى لو غصت إليه لتراه عن قرب وتلمسه بكلتا يديك.
وعلى هذا سارت السفينة تطوى البحر الذى لا تدرك العين نهايته فكلما إمتد البصر ترى البحر يتكور ليصنع له تقوس عند آخر مرمى البصر فإذا وصلنا إلى هذا التقوس وجدناه منبسطا ليصنع تقوسا آخر وهكذا ويحيرنا لون المياه الذى يتغير من ساعة لأخرى والذى أجبر الناس على التفكير كيف يكون البحر أحمرا أو حتى أسودا أو أبيضا والماء فى المحيطات لا لون له فيتلون حينا بلون السماء الأزرق وحينا بلون أبيض أو أحمر أو اسود وقد رأى الناس بعض الأسماك حمراء فظنوا أنها السبب فى إكساب ماء البحر الأحمر لونه الأحمر ونظروا للبحر وقت الغروب فظنوا أن الشفق هو السبب فى هذا اللون المبهر والغامض الذى كسى البحر بلون أحمر قشيب ولكن الحقيقة أن أحجار الجبال الحمراء تعكس صورتها على ماء البحر فتلونه يلونها حتى إذا جاء الشفق عكس صورته على البحر فمال إلى الإحمرار ولذلك فدائما ما أنصح ركاب السفينة بعدم الإنطواء على أنفسهم فى كبائنهم وإضاعة فرصة التمتع يهذا الجمال الباهر وأنه من الأنسب التواجد على ظهرها لمشاهدة إبداع الله فى خلقه ورؤية الشمس عند غروبها وهى تكسى البحر باللون الأحمر وكنت أحذرهم من الإقتراب كثيرا من حافتها فهناك قروش متوحشة عيونها جامدة كأنها أحجار وفكوكها ذات أسنان بشعة مخيفة

يقتل سنويًّا ما يقرب من 200 مليون قرش، ويبيع الصيادون أنيابها بحوالي عشرة آلاف دولار للناب الواحد. تستخدم جلودها في صنع الأحذية بأنواعها والحقائب والمحافظ

وتستطيع القفز بقوة عضلاتها على سطح السفينة لتنقض على الراكبين وتخطف واحدا منهم ومع هذا الرعب من هذه الوحوش يوجد فى البحر أصدقاء للإنسان تمبزوا بالجمال والدلال وهى الفقمات أو مانسميه نحن كلاب البحر لوفائها للإنسان وهى تألفه وتحبه وتدافع عنه ضد وحوش البحردفاع المستميت رغم أن هذا قد يكلفها حياتها ومع ذلك لا يرجون إلا صداقة الإنسان ولذلك تتقافز الفقمات على ظهر السفينة غير هيابة من الناس فأسرعت بالنزول إلى كابينتى لأحضر المسجل الذى يحمل أناشيدا دينية ووطنية فأنا أعشق هذا النوع من الأغانى والأناشيد والتواشيح كما أحب الموسيقى الشرقية الخالصة التى لم تتلوث بالموسيقى الغربية ولا أفهم موسيقى بيتهوفن ولا موتزات إلا أن لهم بعض مقطوعات موسيقية كانت لها أهداف وطنية فى مقاومة الطغيان بينما موسيقانا لم تستخدم إلا فى التسبيح بحمد الطغاة وفتحت المسجل بصوت عالى لتستمع الفقمات إلي موسيقانا الشرقية إذ كنت أود أن أرى تأثيرها عليها وفعلا تقافزت أعداد منهم على ظهر السفينة وأخذت ترقص على النغمات برشاقة وكأنها راقصات باليه وسعدت جدا بها وكأنهم أقاموا حفلة لى على ظهر السفينة لكن بمجرد أن إنتهى المسجل من بث موسيقاه وأناشيده وتواشيحه قفزت عائدة إلى البحر لأنه لا طعام يقدم إليها ولا موسيقى ترقص عليها فعلام تيقى .!!
وبعد قليل وصلت السفينة إلى ميناء عدن الذي لعب دوراً هاما في العلاقات التجارية بين مصر والهند والصين منذ القرون الأولى للميلاد وأصبح سوقا حرة للسلع الشرقية قبل الإسلام يقام في العشر الأوائل من رمضان وهو المرفأ الهام، الذي إلتقت فيه السفن القادمة من كل أنحاء آسيا وشرق أفريقيا وإتخذته كمرسى تحت جبل صيره لأنه عبارة عن رصيف برى إمتد إلى الجنوب نحو نصف ميل يتسع من سبعين إلى ثمانين سفينة حماه بناء محكم خلف مرسى السفن من جهة البحر ليكسر الموج الشديد، الذي تثيره الرياح الشمالية الشرقية،فلا تصل إلي هذا الرصيف فأصبح ميناء محميا من الرياح فهو عبارة عن سهل ضيق بين الجبال والجزر المتناثرة ملائما لرسو السفن التى أقبلت ببضائعها لترسو فيه كما عملت رأسان بركانيان متصلتان بحزام ضيق من الأراضي خليجين آخرين أحدهما في الشرق والآخر في الغرب ساهما كمينائين في إستيعاب أعداد كبيرة من السفن،ولذلك شيد بها الجمرك لتحصيل الرسوم على البضائع، فبنى بنو زريع 439–569هـ/1047-1173م حكام اليمن أول سور بينها وبين البحر لمنع نهرب السفن من دفع الرسوم على البضائع فإزدهرت عدن تجاريا في أيامهم ولا يخلو أسبوع من ورود عدة سفن محملة بالبضائع ونظرت إليه فإذا به يبدو وكأنه خليح مغلق تحيطه الجبال فلم أرى منفذا له يوصلنا إلى الميناء ولكن فوجئنا بأن هناك نفقا محفورا فى جوف الصخر يوصل إلى أرض عدن ولابد من عبوره للوصول إلى الميناء وهو مظلم يضاء بالكهرباء وفى أعلى الجبل حصن التعكر ليطل على مدخل النفق للحراسة والمراقبة .

في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت مملكة “سبأ” وعاصمتها “مأرب” شرقي اليمن، تكتب التاريخ الذي سيتذكره الأجيال لآلاف السنين

وللنفق بابان عبرنا من أحدهما لكى نعد أنفسنا لرحلة طويلة إلى موقع السد الذى تحدث عنه القرآن الكريم باسم سد سيل العرم والزيارة ضرورية لفهم سر حدوث هذا السيل الذى أغرق البلاد وشتت العباد وكان له نتائج خطيرة على مصير دولة سبأ فى اليمن كما كان له أثر على الدول المجاورة .
وسرت فى عدن أبحث فى طريقى عن فندق لأبيت فيه قبل دخول الظلام فأعطانى البحث فرصة لأشاهد تصميم المبانى التى لم تختلف عن مبانى القاهرة الفاطمية وسارعت فى البحث عن مصلى لأصلى فيه صلاة المغرب قبل أن ينقضى وقته ويأتى أوان صلاة العشاء وفجأة وجدت على يمينى جامع شامخ يتميز بالفخامة له مآذن وقباب على الطراز المملوكى وشغلتنى الصلاة عن البحث عن كيفية إنتقال فن عمارة المماليك إلى اليمن التى خضعت للدولة الأيوبية فى مصر ردحا من الزمن لأن السلطان صلاح الدين الأيوبى حاز الجزيرة العربية والشام وأصبحت اليمن بعد وفاته من نصيب توران شاه الذى أرسل من قبله عثمان الزنجبيلى نائبا عنه 817 –1183 ثم إنتقلت إلى حكم المماليك .

قوم سبأ و سيل العرم

ولما دخلت في الجامع وجدته أروع وأفخم مما تصورت فنقوشه على الطراز المملوكى وقبابه من الروائع التى تعتبر من الطراز الشرقى الخالص والتى تعد من أصعب فنون البناء فى العالم والتى فرضتها الطبيعة الصحراوية الشديدة الحرارة حيث برعت فى بنائها دولة المناذرة فى صحراء جنوب العراق وبعد الصلاة قمت بجولة فى أركان المسجد فهالنى عظمة نقوش منبره وقبلته وجدرانه التى صممت بعض نقوشه بفن المستقيمات المشكلة على هيئة المربعات والمعينات والمستطيلات وبداخلها الزهور وتحيط بها أوراق الشجر كما صممت بعض نقوش أخرى بفن الخط العربى الذى تقبل حروفه الإستقامة والتقويس والتقعير كما أنه عمل من بعضها زوايا و دوائر غاية فى الجمال الفنى ثم غادرت لأتوجه إلى فندق أستريح فيه إلى الصباح وأجدد نشاطى فأمامى رحلة شاقة وفجأة برز أمامى فندق من طراز إسلامى عتيق يطل على الشارع بهيبة ووقار ودخلت الفندق على وجل فلا حارس له أو مضيف يرحب بى ولا عامل يحمل عنى حقائبى أو يرشدنى إلى الطريق ودخلت متهيبا من صمت المكان الشديد وسرت فى ممر طويل خافت الضوء مما زادنى رهبة لأجد رجل يرتدى عمامة يمنية قابع خلف مكتب مصنوع من خشب غاية فى الصلابة ومشكل على طريقة فن الأرابيسك وهو الفن الذى إخترعه المسلمون وبرعوا فيه حيث دفعهم الإسلام دفعا إليه لأنه حرم عليهم التصوير المجسم بما يعرف بفن النحت أى التصويرالذى له ظل أو منظور فاستعاضوا عن ذلك بتصوير الأشكال الهندسية من مثلثات ومربعات ومعينات ومسدسات ومثمنات وحاكوا الزهور والأغصان وفروع الشجر وأوراقها كما إستخدموا الحروف العربية فى التزيبن لما لها من خصائص الإستقامة والتقويس وعمل الزوايا ورأوا أنه لابأس برسم وتصوير الأشكال المسطحة التى لا ظل لها وإرتقوا بهذا الفن العربى رقيا كبيرا فأطلق عليه دارسوا الحضارة وأساتذة الفنون Arabesque والتى تعنى الفن العربى .

صورة لميناء عدن تحيط به الجبال
ودار الحوار بينى وبين الرجل القابع خلف المكتب فسألنى عن جنسيتى وعن المدة التى سأمكث فيها وعن سبب حضورى هل هى للرحلة أم للتدريس فى الجامعة فقلت له :لقد حضرت لأشاهد سد مأرب فنظر إلى بدهشة وإستغراب كبيرين !! وقال لى هل أنت مدرك لما تقول ؟ ولماذا ّتريد رؤيته !!؟؟ قلت له لدى دراسة عنه فقال لى : هل تعلم أنك لن تستطيع الذهاب لوحدك من مأرب إلى موقع السد فالصعود إلى سد مأرب يحتاج إلى دليل يسير معك ليرشدك إلى السد ويجنبك الأماكن الخطرة وهل تعلم أنك ستقطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام لتصل إليه فهل ستذهب وحدك أم مع مجموعة ؟ قلت له بل وحدى فنظر إلى بدهشة أكبر من دهشته فى المرة الأولى !! وقال :أنت إنسان مغامر كيف تسافر وحدك ؟ لابد من سفرك فى مجموعة فهى الضمانة لتصل إلى هدفك ثم تعود سالما أنت تجاذف بحياتك !!! هل تحب أن أستدعى لك دليلا قلت نعم قال :ولكن هذا مكلف جدا سأتصل به وفى باكر صباح غد ستجده هنا ثم رحب بى مرة أخرى وقال :حجرتك جاهزة وفى الصباح الباكر بعد إنتهائى من الإفطار إحتسيت القهوة فى بهو الفندق جاء الدليل وهو رجل صلب العود بدا كأنه يتحمل المشاق وقال لى هيا لنلحق قافلة العربات قبل أن تغادر وهناك على قارعة الطريق وجدنا حوالى سبعة عربات أخذ الناس من رجال ونساء وأطفال يتوافدون عليها وجلسوا فى أماكنهم فى إنتظار السائق أن يتحرك فلما هممت بالركوب إستوقفنى السائق وقال لى أين انت ذاهب يا أخا العرب ؟ قلت له أنا ذاهب إلى مأرب فنظر إلى وقال وماذا تريد من مأرب قلت له : لأرى السد قال لى :هل معك دليل قلت نعم وأشرت للدليل الذى يرافقتى فأوصاه بى خيرا وقال له هذا أخونا وإبن عمنا أريد أن أراه بخير ونظر السائق إلى كراسى العربة ووجد معنا سيدتين فهلل بهما وانطلق ولم أدرى لم كل هذا التهليل بسيدتين من الركاب فتعجبت وأولتها بسوء الخلق !! وإنطلقت العربة بسرعة فائقة كأنها تطير بجناحين وكأن السائق يريد أن يسبق الزمن والطريق أمامه منبسط صنعته الطبيعة كأنه بساط من حرير و تلقى الجبال الشاهقة على يسار العربة بظلها عليه فتخفف شدة الحرارة وعن يمينها خليج عدن الذى أطلق عليه جغرافيو العرب بحر بربرة ولا تستطيع العين أن ترى له نهاية فيهب منه نسيم لطيف تشعر معه كأنك فى ربيع دائم وطوال الطريق لاترى أثرا لإنسان أوحيوان ولا تطهر إلا طيور النورس التى تنقض أثناء طيرانها من علو شاهق على أسماك التونة فتخطف الأسماك كبيرة الحجم تتدلى من منقارها أثناء طيرانها وهى تتلوى فى محاولة يائسة للإفلات منها وترى أعدادها تسبح بكثرة فى الماء ظاهرة للعيان وفى أثناء الطريق إستوقفنا جماعة يحملون السلاح ونظروا داخل العربة فرأوا السيدتين فأشاروا للعربة بالإنطلاق إلى أن وصلنا إلى مأرب العتيدة ونزلت ومعى الدليل وأخذ يبحث عن فندق لنستريح فيه ولكنه لم يجد بعد فترة بيت ضيافة ملكية إحدى القبائل العريقة التى تمتد أصولها لدولة سبأ اليمنية ذات المجد التليد ورغم أننى وضعت على رأسى عمامة اليمنيين إلا أن بشرتى وطريقة كلامى كانت تنبه اليمنيين إلى مصريتى فكانوا يرحبون بى كثيرا ويقولون لى نحن أجدادكم وأنتم أحفادنا فأبتسم لهذا التشبيه الرائع ويسألوننى لماذا أتيت إلى اليمن !؟ هل قدمت للتدريس فى الجامعة ؟ فأقول: لا فيسالوننى إذن لماذا قدمت إلى مأرب ؟ فأحكى لهم حكايتى وسماعى للآية العجيبة التى غيرت إتجاهى فيتعجبون من هذا ويقولون لى أهلا بحفيدنا ونمت ليلتى مؤرقا من تعب السفر ومن هاجس يلح علىّ أن لا أستطيع أن أواصل السفر لعظم المشقة وخوفى من مخاطر الطريق ونفاذ المال الذى معى
وفى الصباح قدم لنا بيت الضيافة وجبة سمك غاية فى الدسم فأكلت منها يشغف شديد كرجل يخشى أن لا بجد بعد ذلك طعاما ثم قدم لنا القهوة اليمنية ذات المذاق الرائع وتحركنا نبحث عن عربة تذهب بنا إلى سد مأرب ومن الصعب أن تجد عربة خاصة تأخذك إلى السد ولكن توجد مواصلات عامة وجاءنى الدليل متهلل الوجه ويقول لى العربة موجودة وهى على مسافة قريبة من هنا فهيا بنا لنلحق بها وقد أسرعنا الخطى لنلحق بها وهناك وجدنا العربة فى إنتظارنا وبمجرد أن رآنا السائق أدار عربته فصعدنا إليها وإنطلقت تسابق الريح فى طريق ممهد ثم بدأت تصعد فى طرق ملتوية كأنها ثعاببن ولا يدرى الراكب أن العربة تصعد فى الجبل إلا إذا نظر تحته فلما نظرت من النافذة صعقت من الإرتفاع الشاهق الذى تسير فيه العربة وكأنه طريق ممتد ومنبسط فأغمضت عينى لا أعاود النظر مرة أخرى وفى الطريق إستوقفتنا مجموعة من اليمنيين المسلحين بالرشاشات ونظروا داخل العربة فرأوا السيدات فطلبوا من السائق تعريفة العبور عن كل فرد وقالوا له : سنكتفى بنصف المبلغ فقط لوجود سيدات معكم عندئذ أدركت لم نظر السائق الذى سافر بنا من عدن إلى مأرب إلى السيدات وإبتسم وكان ظنى فيه سيئا وأدركت أيضا سر الجماعة التى إستوقفته فى الطريق من عدن إلى مأرب ثم جالوا بعيونهم داخل السيارة وتركوه يغادر سريعا دون أن يتقاضوا منه تعريفة المرور الذى يسمونها حق الطريق وما ذلك إلا لوجود السيدات معنا فهم يحترمون المرأة جدا ويعاملونها معاملة رقيقة ولا يفرضون عليها أتاوات أو رسوم ولايقطعون عايها الطريق يل ويحمونها .

ولذلك عندما حكمتهم يلقيس خضعوا لها بينما فى مصر عندما حكمتها حتشبسوت كوصية على ابن أخيها الذى ما أن وصل لسن الرشد حتى تخلص منها وخرب آثارها حتى لا يبقى لها أثرا كما حطم تماثيلها حتى لا يكوت لها حياة أخرى فطبيعة شعب اليمن الرضاء بالحاكم أيا كان نوعه ويرى رحال القبائل أن مناطقهم التى يعيشون فيها حق لهم وأنها ملكهم وتنفرد كل قبيلة بمنطقة تتحصل فيها على رسوم المرور على عربات المسافرين أو البضائع فيتحصلون منها على الرسوم كما كانت تفعل الدول الغابرة على القوافل التجارية التى تمر عليهم ويرون أن الحكومة لا سلطة لها عليهم ويببدوأن الحكومة لا نفوذ لها على مناطق القبائل ولا تتجاوز سلطتها المدن وهم لايأذون سيدة أو فتاة أو طفلا أو يهودى ولذلك عاش يهود اليمن فى رحاب القبائل فى أمان تام وعندما إتفق على عبد الله صالح الرئيس اليمنى المخلوع مع المسؤولين الإسرائيليين سرا بتهجير بعض اليهود إلى إسرائيل لم يتمكن إلا بعد أن خلق مشكلة مدعيا بعدها أنه نشبت بين اليهود ورجال القبائل معارك طالب فيها اليهود الحكومة بحمايتهم فقامت بعض القوات بإجلائهم من منطقتهم إلى صنعاء وأقاموا فى فنادقها على حساب الحكومة حتى تم ترحيلهم إلى فلسطين الأسيرة مرتكبا جرما فى حق الفلسطينيين لأن ذلك يعنى مصادرة الإسرائيليين لأراضى الفلسطينيين لتوطين المهاجرين اليهود وهذا كله تم بمكر الدول الصهيوصليبية التى تريد الكثرة العددية لليهود لتغييرأثنولوجيا المكان فى فلسطين لتصبح ذات أغلبية يهودية وما المخلوع على عبد الله صالح إلا أداة لهم ينفذ أوامرهم إما بالمال أو خوفا من خلعه من على كرسى الحكم ومع ذلك لم يمكث قليلا حتى تم الإنتفاض عليه بواسطة الشعب اليمنى قد لا يكون تآمره على فلسطين بتهجير اليهود اليمنيين إليها سببا لها ولكن بسبب فساده الشديد ونهبه لثروات البلد وسرقاته والسماح للطائرات الأمريكية بدون طيار بضرب اليمنيين بالقنابل والصواريخ وقتل المدنيين بحجة أنهم من تنظيم القاعدة ,ولم يعتبر بالنميرى رئيس السودان الذى كان يورد الفلاشا اليهود من الحبشة إلى إسرائيل فما لبث قليلا حتى إنقض عليه سوار الذهب وخلعه وسلم السلطة للزعماء المدنيين [وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ ] فاطر 43

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى