تقارير وملفات إضافية

السؤال المشروع الغائب في الحراك الشعبي بالجزائر: أين استراتيجية تحقيق الهدف؟

بعد أكثر من ثمانية أشهر على اندلاع الانتفاضة الشعبية في الجزائر، لا تزال الأمور تراوح مكانها تقريباً فيما يخص المطلب الرئيسي الواضح منذ اللحظة الأولى، وهو تغيير بنية النظام الحاكم من جذورها، لكن كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل عدم وجود قيادة للحراك أو استراتيجية لتحقيق المطالب؟

موقع ألجيري باتريوتيك الجزائري تناول القصة بالتفصيل في تقرير بعنوان: «لغز الانتفاضة الجزائرية»، سلطت فيه الضوء على جوانب القوة في الحراك وما ينقصه حتى يحقق أهدافه.

في كل مكان في العالم، ومنذ بداية ظهور الحركات الشعبية تهدف أي حركة للتحول بأسرع وقت ممكن لمنظمة مستقلة لها ممثلون يتحدثون باسمها، وفي غياب هذا التنظيم الذاتي والتمثيل، فإن أية حركة شعبية في العالم مصيرها الفشل، سواء عبر انقضاض الأوليغارشية (فئة قليلة من ذوي المال والنفوذ تهيمن على الدولة) عليها واستغلالها للوصول للسلطة، أو ببساطة الاختفاء لأنَّ النخبة الحاكمة لديها كيان خاص بها وممثلون لها.  

إذاً، فلماذا ستكون الحركة الشعبية الجزائرية الحالية استثناءً عن هذه القاعدة، وعلى أي نحو؟ الآن ومع وصول الحراك الشعبي في الجزائر إلى شهره الثامن هل تحول إلى كيان منظم، أم لا يتجاوز تنظيم المظاهرات الأسبوعية دون أن يكون له ممثل يتحدث باسمه؟ 

أشار بعض الجزائريين إلى الحاجة لتنظيم ذاتي تكميلي للحراك المجتمعي، في شكل لجان شعبية مستقلة ذاتياً لها ممثلون، ومع ذلك لم يحدث شيء من هذا إلى الآن! لكن تتطلب الظروف الحالية في الجزائر إعادة النظر في هذه المشكلة.

لنتذكر جذور المشكلة، ونسلط مزيداً من الضوء عليها. من ناحية تُظهِر الحركة الشعبية تنظيماً رائعاً وسلوكاً تكتيكياً مثيراً للإعجاب خلال الاحتجاجات الطلابية الحاشدة التي تُنظَّم أيام الثلاثاء من كل أسبوع. وهذا يبرهن على وجود إطار عمل كفء للغاية، أياً كانت طبيعته، سواء كان نابعاً من الحركة الشعبية نفسها أم من أطراف مُحرِّكة داخلية كانت أم خارجية، أم من مزيج من النوعين معاً. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: ما هي هوية أعضاء هذا الإطار، ومَن يمثلون حقاً؟    

يرى البعض أنَّ المظاهرات الشعبية الجزائرية يحركها متلاعبون من الوكالات الأجنبية الأمريكية والمتخصصين في «الثورات الملونة»، فبالتأكيد بعض جوانب الحركة الشعبية تسمح بهذه الفرضية؛ منها: السلمية والابتسام وتنظيف الشوارع.. إلخ. ومع ذلك فلا جدال أنَّ المتظاهرين يعبرون عن مطالب مشروعة، بعيداً عن فرضيات حول وجود تلاعب.

وعلى الرغم من أنَّ هذه المطالب تقتصر في أغلبها على الرفض برفع شعار «يتنحّاو ڨاع»، (فليرحلوا جميعاً!)، للمطالبة من حينٍ لآخر بطرح «شخصيات» لم يلوثها النظام المرفوض. غير أنه إلى الآن، وفي أي مكان في العالم، لم يحدث أن نجحت أيٌّ من هذه «الشخصيات» التي يطالبون بمثلها، بصرف النظر عن مدى صدقها وكفاءتها، في تجسيد جوهر الحركة الشعبية في بلادها، فهذا لم يحدث مع لينين ولا ماو تسي تونغ ولا هو تشي منه ولا فيدل كاسترو، ولا حتى غاندي ولا نيلسون مانديلا! والبراهين موجودة: أوليغارشية جديدة تحل محل الأوليغارشية القديمة، وبطريقة ما تتعامل مع الشعب بمزيد من القسوة عن سابقتها بحجة أنها أفضل دراية بكيفية تحقيق «سعادة» الناس.

من ناحية أخرى، يرى البعض أنَّ هناك تلاعباً داخلياً بالحركة الشعبية، قادماً من «العشيرة» الأوليغارشية الجزائرية التي هزمها الفائز الحالي. وهي فرضية تستحق أخذها في الاعتبار بنفس قدر السابقة، مع العلم أنَّ الانتفاضة الشعبية لها أسبابها الخاصة والمشروعة للوجود.

بالطبع، لا يتفاجأ سوى الجهلة أو السُّذّج عندما يجدون أنَّ «الشخصيات» السياسية الجزائرية من المعارضة لا تشير أبداً إلى الحاجة لأن تنظم الحركات الشعبية نفسَها وتختار ممثلين عنها من أجل تحقيق الأهداف المشروعة للحركة الشعبية، فمثلاً أكد السعيد سعدي، وهو معارض قديم، في بيان حديث: «لا نزال لم نجب عن السؤال القديم، وهو معرفة أية استراتيجية يمكن من خلالها تجسيد الثورة على النحو الأفضل، وفي أسرع وقت ممكن لتحقيق هدفها المتمثل في التجديد الوطني».

ويتصور سعدي: «الإجراءات المتنوعة والسلمية قادرة على زيادة الضغط على السلطة، بهدف تقصير تلك الفترات الرمادية التي تثير الاستفزازات». أليس هذا غامضاً، غامضاً جداً؛ لذلك من دون تناسق فعلي، ما الذي سيحدث؟ الشخصيات المطروحة على الساحة التي تلقي خطباً رنانة وتعتبر نفسها «المنقذ»! من المستحيل أن تكون مهتمة أو مدركة أنَّ الخلاص الحقيقي للشعب لا يمكن أن يحدث إلا عن طريق تنظيم ذاتي مستقل للحراك الشعبي، وإدارة ذاتية مع وجود ممثلين رسميين. 

وبناءً على ذلك، يمكن مثلاً طلب المشورة من السعيد، لكن لا يمكن تكليفه أبداً بإدارة المجتمع؛ من أجل تجنب إنشاء حكومة أوليغارشية جديدة تُوصَف بأنها «ليبرالية»، أو «حداثية»، أو «علمانية»، «(أو أي من هذه الصفات الرنانة)، وننشئ بذلك أوليغارشية جديدة.

يواصل التاريخ إثبات ضرورة أن يحذَر الشعب ممن يقولون إنهم «أصدقاؤه» أكثر من أعدائه المعلنين، ومن الواضح أنَّ «المنقذين» يقابلون مثل هذه الملاحظات بالتعالي والازدراء، ويوصمونها بأنها «فوضى» و «أوهام خطيرة» و «ملاحظات غير مسؤولة».

بغض النظر عن القوى المُحرِّكة للمظاهرات الشعبية، فإنهم يبدون متمسكين بتنظيم مظاهرات أسبوعية من دون تعزيز هذه الحركة بما لا غنى عنه: أي تنظيم أفقي ذاتي ودقيق في جميع مناطق البلدات والقرى، في شكل لجان شعبية مدارة ذاتياً، واختيار ممثليها في إطار ولاية إلزامية.

لماذا لم يحدث هذا؟ بالتأكيد لأنَّ القوى المُحرِّكة للمظاهرات -خارجية كانت أم داخلية- ليست لديها أي مصلحة على الإطلاق في رؤية الحركة الشعبية تكتسب تنظيماً ذاتياً مطلقاً، يكون هو المحرك لها كل يوم، ويحولها إلى قوة مؤسسية مضادة حقيقية وقوية، تتمتع بالقدرة على مواجهة سلطة الدولة وتحقيق مكاسب.

ومن هنا، ظهرت الشكوك الرهيبة والمشروعة بأنَّ الحركة الشعبية تتعرض للتلاعب على غير رغبتها. على سبيل المثال: الحركة الشعبية ترفض إجراء الانتخابات التي تنظمها سلطات الدولة، ومع ذلك، تبذل السلطة قصارى جهدها لإتمام العملية الانتخابية، على غرار الانتخابات القديمة، من خلال تغيير الشكل الظاهري فقط، والدليل على ذلك هو أحدث تصريحات مولود حمروش الرئيس الأسبق، ورفضه المشاركة فيها.

ومن هنا، لماذا تكتفي الحركة الشعبية برفض الانتخابات المقترحة من قبل الخصم، من دون تنظيم حملة مستقلة لانتخابات شعبية وعلى طريقتها الخاصة؟ هل لأنَّ الحركة لا تملك القدرات؟ إذاً فهي ضعيفة إلى حد خطير يجازف بتعرضها للهزيمة، أم لأنَّ القوى المُحرِكة لها -وأتحدث هنا عن الحقيقية والصادقة وليست المتلاعبة- ليست مقتنعة بهذه الخطوة؟ ما السبب؟ كيف ولماذا؟ إذاً موجهو الحركة الشعبية الذين قدموا كل البراهين على نضجها التكتيكي خلال ثمانية أشهر من المظاهرات الشعبية، غير قادرين على وضع تنظيم ذاتي أفقي للحركة الأكبر والأكثر تكاملاً في الجزائر، ألا يُبرهِن هذا على قدرة تكتيكية مميزة، لكن هناك نقص في القدرات الاستراتيجية.

في الواقع، المظاهرات الأسبوعية هي معارك، لكنها ليست الحرب، فبالنسبة للحركة الشعبية، الحرب التي يتعين خوضها هي التحول لكيان مؤسسي متماسك للخروج منتصرة، وبعبارة أخرى لإزاحة نظام مفترس أوليغارشي والمجيء بنظام اجتماعي يعمل لصالح الشعب. لماذا إذاً لا توجد لجان للمواطنين تُدار ذاتياً في الأحياء الشعبية للمدن وفي القرى، أو حيثما توجد مجتمعات محلية؟ فمن دون هذه الهياكل التنظيمية، كيف يمكن لأية حركة شعبية مهما كانت قوة مظاهراتها وأدائها في الشوارع والساحات العامة، أن تتجاوز مجرد كونها كتلة مناورة تتلاعب بها رؤوس الأوليغارشية المسيطرة التي تخدم مصالحها الخاصة.

وفي الحقيقة، ما حققته الحركة الشعبية إلى الآن ما هو إلا انتصار جزء من الأوليغارشية المهيمنة على آخر، وشروع المنتصر في ممارسة نفس السياسة الاستبدادية التي مارسها المنهزم سابقاً، فيما يتعلق بحقوق المواطنين المشروعة.

ومرة أخرى تبرهن تصريحات حمروش الأخيرة أن هذا هو ما حدث بالفعل؛ إذ أقرّ «لا أكذب عليكم، غداً لو انتُخِبت بهذه الطريقة وهذا الأسلوب وفي مثل هذه الظروف لا يمكنني فعل أي شيء، وحينها ستقولون لماذا كذبت علينا… هناك أشياء لا يمكنني الإفصاح عنها». هل هذه دلائل على حدوث تغير إيجابي في نظام الحوكمة الحالي مقارنة بنظام بوتفليقة؟ 

أليس من المناسب أن نختتم بإعادة صياغة تعبير مشهور «الانتفاضة الشعبية الجزائرية.. أين انتصارك؟». بعبارة أخرى «تحقيق هدفكِ الخاص»؛ ألا وهو بناء نظام اجتماعي أصلي بيدي الشعب ولأجله؟ أو فلنطرح السؤال بطريقة أخرى ملموسة وعملية: الانتفاضة الشعبية.. ما هي استراتيجيتك؟

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى