دنيا ودينكتاب وادباء

الرسول القدوة في شهر مولده . . . . . 4 –

الزوج المثالي الأول

إعداد

محمد أبو غدير المحامي

مقدمة :

قال الله تعالى عن الرسول الكريم : ( وأنك على خلق عظيم ) وهكذا كان صلى الله عليه وسلم ذا خلق عظيم ومعاملة رفيعة لجميع الناس، لم يؤتها أحد قط ، خاصة مع أهله ، فقد كان ودوداً رحيماً بهم، رفيقاً في معاملتهم وهو القائل وصدق : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

كما أن الله سبحانه وتعالى اختار لحبيبه صلى الله عليه وسلم زوجاته من صفوة النساء، وجعلهنَّ أمهات المؤمنين، في وجوب الاحترام والتعظيم، وفي حرمة الزواج بهن حتى بعد وفاته عليه السلام تكريماً لرسوله فقال سبحانه وتعالى : {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ…} الأحزاب: 6 ، وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيما ً} الأحزاب: 53 .

أولا : التعرف على زوجاته صلى الله عليه وسلم :

أ – بيان أزواجه عليه الصلاة والسلام :

 . 1 خديجة بنت خويلد (توفيت 3 ق. هـ): زوجة الرسول الأولى ونصيرته في السنوات الأولى للبعثة، كانت تدعى قبل البعثة” الطاهرة”، تزوجها الرسول قبل البعثة بخمس عشرة سنة، أولادها من النبي القاسم وعبد الله وقد ماتا صغيرين، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ساندت الرسول وثبتت جأشه توفيت في عام الحزن ودفنت بالحجون.

– 2 عائشة بنت أبي بكر (توفيت 58 هـ): تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية بعد الهجرة، لم يتزوج النبي بكرا غيرها، كانت أحب نسائه إليه ، كانت تكثر الرواية عن رسول الله، كانت أفقه نساء الأمة وأعلمهن بالدين والأدب. توفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع.

– 3 زينب بنت جحش (توفيت 20 هـ): بنت عمة رسول الله تزوجها زيد بن حارثة وكان اسمها برة، وطلقها زيد فتزوجها الرسول وسماها زينب، كانت تكنى أم الحكم وكانت دينة ورعة كثيرة الصدقات، وكانت صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء، وكانت تعطي ذوي قرابتها وأيتامها.

– 4 أم حبيبة بنت أبي سفيان (توفيت 44 هـ): هي رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها ولكنه افتتن ومات نصرانيا فبعث رسول الله عمرو بن أمية الضمري فخطبها لرسول الله وزوجه إياها النجاشي وأصدقها أربعمائة دينار.

– 5 أم سلمة (توفيت 57هـ): هند بنت أمية، صحابية قديمة الإسلام، هاجرت الهجرتين، وقتل زوجها ببدر فتزوجها الرسول، كانت من أكمل الناس عقلا وخلقا وكانت تعرف الكتابة، عمرت طويلا وتوفيت بالمدينة ودفنت بالبقيع.

– 6 جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار (توفيت 56 هـ): برة بنت الحارث، سباها المسلمون بعد انتصارهم على بني المصطلق، ووقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها على مال تؤديه فتعتق، فجاءت رسول الله تطلب منه العون فعرض عليها أن يؤدي عنها كتابتها ويعتقها ويتزوجها.

– 6 حفصة بنت عمر (توفيت 45 هـ): لما ظهر الإسلام أسلمت وهاجرت هي وزوجها إلى المدينة فمات عنها بعد وقعة بدر، فخطبها الرسول من أبيها فزوجه إياها، توفيت بالمدينة.

– 8 سودة بنت زمعة (توفيت 23هـ): أسلمت هي وزوجها وهاجرت إلى الحبشة، وتوفي زوجها وتزوجها الرسول بعد وفاة خديجة وهاجر بها إلى المدينة.

 . 9 صفية بنت حيي بن أخطب (توفيت 50 هـ): كانت من يهود بني أخطب، وكانت من سبايا فتح خيبر فاصطفاها النبي وأعتقها وأسلمت فتزوجها، توفيت بالمدينة.

– 10 مارية القبطية (توفيت 16هـ): مصرية الأصل أهداها المقوقس حاكم مصر سنة 7هـ إلى النبي ثم أعتقها وتزوجها فولدت له إبراهيم ، لما توفي النبي تولى الإنفاق عليها أبو بكر ثم عمر، وتوفيت في خلافة عمر.

 . 11 ميمونة بنت الحارث (توفيت 50هـ): كان اسمها برة فسماها النبي ميمونة، وهبت نفسها للنبي ونزل فيها {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} (سورة الأحزاب آية 50).

وكان له صلى الله عليه وسلم زوجتان لم يدخل بهما هما :

 . 1 أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضاً فمتعها وردها إلى أهلها .

 . 2 عمرة بنت يزيد الكلابية وكانت حديثة عهد بكفر فلما قدمت على رسول الله استعاذت من رسول الله فقال رسول الله: منيع عائذ الله، فردها إلى أهلها .

ثانيا : تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أساسه وحكمته :

كان تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم مغرم أكبر من كونه مغنم ، وأعباء شديدة أكبر من كونه متعة ، لما يترتب على ذلك من القيام بحقوق هذا العدد الكثير. وسياستهن وتدبير أمورهن من جهد، مع كثرة أعباء الرسول صلى الله عليه وسلم الأخرى من جهاد وتعليم وتدبير ، وهو في حقيقته دليل وشاهد على نبوة النبي ورسالته وذلك لما فيه من الحكم الكثيرة والمصالح المتعددة .

أ – التعدد كان تكليفا إلهيا له صلى الله عليه وسلم :

فلقد أحل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ما شاء بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} . الأحزاب : 50

وقال الله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ 38 ) الأحزاب

 ثم أنزل بعد ذلك: { لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ )

فزواج الرسول صلى الله عليه وسلم كان بأمر الله تعالى . فالأمر رباني لا يجوز القياس عليه ، فهو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأحد من أمته صلى الله عليه وسلم أن يزيد على أربع نساء ، مدعيًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج تسعًا .

ب – لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شهوانيا :

والذين ينتقدون نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لتعدد زوجاته كما وصفنا ويصفونه بأنه شهواني هؤلاء مخطئون كل الخطأ .

فلو كان صلى الله عليه وسلم كذلك لتزوج وهو في عزِّ شبابه حينما كانت الرغبة إلى النساء قوية ، إلا أنه لم يعدد إلا بعد أن كبر وضعفت فيه الرغبة إلى النساء ، وقد كان في شبابه مكتفيًا بخديجة بنت خويلد – رضي الله تعالى عنها – التي تكبره بخمس عشرة سنة . فقد كان عمرها أربعين سنة ، بينما كان عمره صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة ، وظل معها حتى ماتت رضي الله تعالى عنها .

ثم إن النساء اللاتي تزوج بهن صلى الله عليه وسلم كلهن ثيبات كبيرات في السن عدا عائشة رضى الله عنهن جميعا ، كما أنه كان لكل زواج من زيجاته صلى الله عليه وسلم حكمة بالغة كما سيأتي بيانه بعد .

ولا ضير على الرجل العظيم أن يحب امرأة، ويشعر بمتعتها ، فهذا سواء الفطرة لا عيب فيه ، أرأيت إلى السمك وهو يعبر الماء الملح في موسمه المعلوم فيطوي ألوفاً من الفراسخ ليصل إلى فرجة نهر عذب يجدد فيها نسله ثم يعود أدراجه ؟ أرأيت إلى العصفور وهو يبني عشه ويعود من هجرته إلى وطنه ؟ أرأيت إلى الزهر وهو يتفتح ليغري الطير والنحل بنقل لقاحه ؟ ، فحب المرأة لا معابة فيه إنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن سوائه وحتى يشغل المرء عن غرضه .

ويقول العقاد في هذا الشأن :

قال لنا بعض المستشرقين إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية ، قلنا: إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر الجنسية لأنه لم يتزوج قط ، فلا ينبغي أن تصف محمداً بأنه مفرط الجنسية لأنه جمع بين تسع نساء.

ج – حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم:

إن الحكمة من تعدّد زوجات الرسول كثيرة ومتشعبة، منها التعليمية والتشريعية ، والاجتماعية والسياسية.

 . 1 الحكمة التعليمية :

لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصف المجتمع، وقد فُرِضَ عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال.

وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن، كأحكام الحيض، والنفاس، والجنابة، والأمور الزوجية، وغيرها من الأحكام .

روى أن إمرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فعلّمها صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل، ثمّ قال لها: خذي فرصة ممسّكةً (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهّري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهّري بها، قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ فقال لها: سبحان الله تطهّري بها! .

قالت السيدة عائشة: فاجتذبتها من يدها، فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم، وصرحت لها بالمكان الذي تضعها فيه.

كما أنّ السنّة المطهّرة ليست قاصرة على قول النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هي تشمل قوله وفعله وتقريره ، وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فكانت زوجات النبي هن اللائي ينقل للأمة أخبارَه وأفعالَه عليه السلام في المنزل .

 . 2 الحكمة التشريعية :

كان لتعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة تشريعية ظاهرة تتمثل في إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة، ومنها على سبيل المثال بدعة التبني ، فقد كانت ديناً متوارثاً عندهم ، يتبنّى أحدهم ولداً ليس من صلبه، ويجعله في حكم الأبناء من النسب، في جميع الأحوال: في الميراث، والطلاق، والزواج، ومحرمات المصاهرة، ومحرمات النكاح ، وما كان الإسلام ليقرّهم على باطل، ولا ليتركهم يتخبّطون في ظلمات الجهالة ، فمهّد لذلك بأن ألهم رسوله عليه الصلاة والسلام أن يتبنّى زيد بن حارثه وأصبح الناس يدعونه ب ( زيد بن محمد ).

روى البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إنّ زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنّا ندعوه إلاّ زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله} [الأحزاب: 5] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت زيد بن حارثه بن شراحبيل».

وقد زوّجه عليه السلام بابنة عمته (زينب بنت جحش الأسدية) وقد عاشت معه مدةً من الزمن، ولكنها لم تطل فقد ساءت العلاقات بينهما ، ولحكمة يريدها الله تعالى طلّق زيد زينب ، فأمر الله رسوله أن يتزوجها ليبطل بدعة التبني) .

وهكذا انتهى حكم التبني، ونزل قوله تعالى مؤكداً هذا التشريع الإلهي الجديد: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40].

وقد كان هذا الزواج بأمرٍ من الله تعالى، ولم يكن بدافع الهوى والشهوة .

 . 3 الحكمة الاجتماعية:

وتظهر الحكمة الاجتماعية بوضوح في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بابنة أبي بكر الصّديق ثمّ بابنة الفاروق عمر رضي الله عنهما وأرضاهما ، ثمّ باتصاله عليه السلام بقريش اتصال مصاهرة ونسب. وتزوجه العديد منهن، ممّا ربط بين هذه البطون حول دعوته في إيمان وإكبار وإجلال.

لقد تزوّج النبي صلوات الله عليه بالسيدة (عائشة) بنتِ أحبّ الناس إليه، وأعظمهم قدراً لديه، ألاوهو أبو بكر الصدّيق ، حيث قال عليه السلام- كما في الترمذي- مُشيداً بفضل أبي بكر: ما لأحد عندنا يدٌ وقد كافأناه بها، ما خلا أبا بكر ، فإنّ له عندنا يداً يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر. وما عرضت الإسلام على أحدٍ إلاّ كانت له كبوة (أي تردد وتلكؤ) إلا أبا بكر فإنه لم يتعلثم، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، أإلا وإنّ صاحبكم خليل الله تعالى.

فلم يجد الرسول صلى الله عله وسلم مكافأة لأبي بكر في الدنيا، أعظم من أن يُقرَّ عينه بهذا الزواج بابنته، ويصبح بينهما (مصاهرة) وقرابة، تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق.

كما تزوج صلوات الله عليه بالسيدة (حفصة بنت عمر) فكان ذلك قرّة عين لأبيها عمر على إسلامه، وصدقه، وإخلاصه، وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام، الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين، فكان اتصاله عليه السلام به عن طريق المصاهرة، خيّرَ مكافأة له على ما قدّم في سبيل الإسلام.

 . 4 الحكمة السياسية:

لقد تزود النبي صلى الله عليه وسلم ببعض النسوة، من أجل تأليف القلوب عليه، وجمع القبائل حوله رسالته نصرة وحماية دعوته ، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك لتتضّح لنا الحكمة، التي هدف إليها الرسول الكريم من وراء هذا الزواج.

تزوّج صلوات الله عليه بالسيدة (جويرية بنت الحارث) سيّد بني المصطلق، وكانت قد أُسِرت مع قومها وعشيرتها، ثمّ بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه بشيء من المال، فعرض عليها الرسول الكريم أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها فقبلت ذلك فتزوجها، فقال المسلمون: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت أيدينا؟ (أي أنهم في الأسر) فأعتقوا جميع الأسرى الذين كانوا تحت أيديهم، فلما رأى بنو المصطلق هذا النبل والسمو، وهذه الشهامة والمروءة أسلموا جميعاً، ودخلوا في دين الله، وأصبحوا من المؤمنين.

وكذلك تزوجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة (صفية بنت حُيّي بن أخطب) التي أسرت بعد قتل زوجها في (غزوة خيبر) ووقعت في سهم بعض المسلمين فقال أهل الرأي والمشورة: هذه سيّدة بني قريظة، لا تصلح إلاّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا الأمر على الرسول الكريم، فدعاها وخيّرها بين أمرين : إمّا أن يعتقها ويتزوجها عليه السلام فتكون زوجة له ، وأمّا أن يُطْلِقَ سراحها فتلحق بأهله ، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة له، وذلك لما رأته من جلالة قدره، وعظمته وحسن معاملته، وقد اسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس .

وكذلك تزوجه عليه الصلاة والسلام بالسيدة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) الذي كان في ذلك الحين حامل لواء الشرك، وألدّ الأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلمت ابنته في مكة، ثمّ هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فراراَ بدينها، وهناك مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة، لا معين لها ولا أنيس، فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى (النجاشي) ملكِ الحبشة ليزوجه أيّاها، فأبلغها النجاشي ذلك فسُرّت سروراً لا يعرف مقدراه إلا الله سبحانه، لأنها لو رجعت إلى أبيها أو أهلها لأجبروها على الكفر والردَّة، أو عدبّوها عذاباً شديداً، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسه، ولما عادت إلى المدينة المنورة تزوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ولما بلغ (أبا سفيان) الخبرُ أقرَ ذلك الزواج وافتخر بالرسول ولم ينكر كفاءته له ، فكان تزوجه بابنته سبباً لتأليف قلبه وقلب قومه وعشيرته، كما أنه صلى الله عليه وسلم اختارها لنفسه تكريماً لها على إيمانها لأنها خرجت من ديارها فارة بدينها، فما أكرمها من سياسة، وما أجلها من حكمة؟

 ثالثا : الزوج المثالي في نظرته وعشرته وسياسته وتأديبه زوجاته:

رأينا أن كل امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في زواجها مصلحة وحكمة وخلق عظيم وإنسانية عالية، تلمح بها سمو تصرفات النبوة ومثاليتها وأخلاقيتها، وسنرى في هذه الفقرة ونحن نستعرض الخطوط العريضة لسيرته صلى الله عليه وسلم معهن أن كل خط من هذه الخطوط دليل على النبوة وفيه أرقى أمثلة الأسوة.

أ – التكافؤ المطلق بين الرجل والمرأة :

من أول القيمة الإنسانية التي أقام الرسول عليها الحياة الزوجية التكافؤ بين الرجل والمرأة ، فكان صلى الله عليه وسلم ينزل على مشورة بعض نسائه وأنه كان يسمح لهن بمناقشته، وإذا تزوج امرأة فبرضاها ، و شواهد ذلك ما يأتي :

في يوم الحديبية أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يحلقوا وينحروا بعد الصلح ليتحللوا. فبقوا واجمين فدخل على زوجه أم سلمة وهو متأثر فسألته، فأخبرها فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ، فلما رأى المسلمون ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم زاح عنهم الذهول فقاموا عجلين ينحرون هديهم ويحلق بعضهم بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل الآخر..” راجع قصة ذلك في صحيح البخاري.

وقال عمر : تغضبت يوماً علي امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل قال ، فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟ قالت نعم ، قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر.

وقال أنس في الحديث عن صفية:” فكان صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراء بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية – رضي الله عنها – رجلها على ركبته حتى تركب”.

ومن مظاهر هذا التكافؤ أيضا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته، وأن يخدم نفسه، بل إنه كان يقوم أحياناً بحاجة أهله، وكان يقول: “ خدمتك زوجتك صدقة”، فقيام المرأة بشأن البيت ليس عاراً يترفع عنه الرجل، بل هو كمال يتطاول إليه الرجل ولا يأنف، وكيف يأنف المسلم وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولا يتعارض ذلك مع قوامة الرجل التي قررها الاسلام لتسيير حركة الأسرة وتحقيق أهدافها، باعتبار الرجل مديرها وقائدها ، حيث قال تعالى {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} البقرة : 128 .

ب – العدل الكامل بين الزوجات في كل شيء :

في السكن والنفقة والكسوة والمبيت والزيارات والوقت ، كان بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الجميلة جداً والكبيرة والشابة والعادية الجمال وما كان يصرفه شيء من الميزات عن العدل .

ففي المبيت لكل واحدة منهن ليلة وإذا زار إحداهن زارهن بعد ذلك جميعهن وحتى وهو في مرضه الأخير وهو أحوج إلى الاستقرار في بيت واحد لم يرض أن يستقر في بيت عائشة إلا بعد أن أذن له الجميع بذلك.

وإذا أراد السفر صلى الله عليه وسلم أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه .

قالت أم سلمة” لما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عندي ثلاثاً وقال : إنه ليس بك هوان على أهلك. إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي”.

وعن أنس:” من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم”

ومع هذه الدقة في العدل كان يستغفر الله من عدم عدله في المحبة. إذ لا سلطان له على قلبه فيها، بل السلطان لله فكان صلى الله عليه وسلم يقول: “ اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك”.

ج – تجمله صلى الله عليه وسلم ومؤانسته في لقائه مع زوجاته :

 . 1 والمرأة تحب من زوجها أن يكون جميلاً متجملا لطيفاً معها مؤنساً لها

 وقد كان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وكان مع هذا الجمال أنيقا لطيفا رقيقا .

روي عنه قوله: اغسلوا ثيابكم وخدوا من شعوركم واستاكوا وتزينوا وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم.

 . 2 وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقياس الأخلاق حسن معاملة الرجل لزوجته ، فكان من كلامه” خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”

وما ضرب امرأة قط وكان يؤنب من يضرب ومن قوله : “ أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد ؟ يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره”.

 . 3 كان صلى الله عليه وسلم مؤنساً لقائه مع أزواجه :

روي عنه صل الله عليه وسلم أنه إذا خلا مع أهله: “ كان ألين الناس ضحاكاً بساماً ، وكان من أفكه الناس مع نسائه”.

ويقول صلى الله عليه وسلم : ” فإذا جامع أحدكم أهله فليصدقها ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها”.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشر. قيل لأنس وكان يطيقه ؟

 قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين في الجماع.

وكان من آداب الإسلام أنه إذا كان للرجل زوجة أن يعفها. أي أن يجامعها حتى لا تشعر بحاجة إلى الرجال.

د – حكمته الفائقة في سياسته لزوجاته وتأديبهن:

 . 1 زوجات الرسول كن يغرن وكان صلى الله عليه وسلم يتحمل هذه الغيرة إلا أن تخرج عن الخط السوي فيؤدب :

تقول عائشة – رضي الله عنها -: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً وهو في بيتي، فأخذني أفكل – أي قشعريرة – فارتعدت من شدة الغير فكسرت الإناء ثم ندمت فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت ؟ قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام.

 . 2 وكان صلى الله عليه وسلم يداري قلوب زوجاته حتى تصفوا :

تقول صفية: وما كان أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أبي وزوجي فما زال يعتذر إلي وقال: يا صفية: إن أباك ألب علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي .

3 . وكن يأخذن حريتهن في الكلام فيسمع صلى الله عليه وسلم ويرد ويؤدب:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ لخديجة ذكراها ، وكانت عائشة لم تغر من امرأة كما غارت من خديجة وهي متوفاة ، فقالت له مرة : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها فأسكتها قائلاً:

والله ما أبدلني الله خيراً منها. آمنت بي حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها”.

وقالت: دخل علي يوماً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أين كنت منذ اليوم ؟ قال يا حميراء كنت عند أم سلمة. قلت ما تشبع من أم سلمة فتبسم ، ثم قلت يا رسول الله ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم ترع والأخرى قد رعيت أيهما كنت ترعى ؟ قال: التي لم ترع قلت فأنا ليس كأحد من نسائك ، كل امرأة من نسائك كانت عند رجل غيرك ، فتبسم عليه السلام.

 . 4 وكن يمزحن فيشاركهن سرورهن :

أخرج أبو يعلى عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بحريرة قد طبختها له فقلت لسودة – رضي الله عنها – والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها: كلي فأبت فقلت لتأكلين أو لألطخن وجهك فأبت فوضعت يدي في الحريرة فطليت وجهها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فوضع بيده لها وقال لها: الطخي وجهها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لها.

وفي رواية فخف لها ركبته لتستقيد مني فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك .

هـ – سموه بزوجاته إلى أخلاق النبوة في حدود منهجه :

استطاع صلى الله عليه وسلم أن يرفع نساءه إلى أخلاق النبوة ولم يستطعن أن يحدن به عن طريقه ، وأعظم حادث يصور لنا هذا الوضع هو حادث تخييرهن إذ هن طلبن أن يوسع عليهن في المعيشة والنفقة:

أخرج أحمد عن جابر – رضي الله عنه – قال: أقبل أبو بكر – رضي الله عنه – يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أقبل عمر – رضي الله عنه – فاستأذن فلم يؤذن له ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو صلى الله عليه وسلم ساكت فقال عمر لأكلمن النبي لعله يضحك فقال عمر يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها ؛ فضحك النبي حتى بدت نواجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان:

تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ، قال وأنزل الله عز وجل الخيار فبدأ بعائشة فقال:” إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت وما هو ؟

 قال فتلا عليها : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}.

قالت: أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله ورسوله وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً ولكن بعثني معلماً ميسراً لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها.

وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم الزوج الأمثل حال تعامله مع هذا العدد من النساء ، حال قيامه بواجباته الضخمة والتي لم يتحمل مثلها رجل غيره ، سواء من عبادة إلى سياسة إلى قتال إلى تدبير أمر، ومن عادة الناس أن يشغلهم شيء من هذا عن أهليهم، ولكنه الكمال عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تقوم الواجبات كلها ومع الواجبات غيرها ولا يؤثر القيام بإحداها على غيره من دلائل النبوة والرسالة.

 محمد أبوغدير المحامي    

في  الخميس, يناير 07, 2016

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى