آخر الأخباركتاب وادباء

الذاكرة السمعية من فنون إسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس / محمود صقر

08/04/2021

كان المكان المفضل للفتى بعد إنهاء مذاكرته في غرفته، هو الجلوس في غرفة المعيشة تحت الشباك المطل على الحوش، وأحيانا في الصيف يجلس على جلسة الشباك وعرضها ستون سنتيمترا بعرض الحوائط الحجرية الحاملة للبناء، بما يعني الجلوس عليها بارتياح سواء من خلف زجاج الشباك الذي كان يغلق أيام معدودة في فصل الشتاء، أو من خلف ضلفتي الخشب العملاقتين (الشيش) وهما مفتوحتان نصف فتحة.
كانت هذه النافذة هي المنبع لرصيد الذاكرة السمعية التي تصب في أذني الفتى، وتتغلغل في وجدانه، ويختزنها ويتعلم منها، ولم يكن يدري وقتها أن هذه النافذة ستشكل جزءا من وجدانه وذائقته الفنية وخبراته الحياتية، وركنًا ركينًا من ذاكرته السمعية.

من خلال النافذة المطلة على حوش البيت كان يتسلل إلى سمعه أحاديث الجيران، وصوت الراديو وصوت الباعة الجائلين، وصوت عم “سيد” بواب العمارة وهو ينادي بأعلى صوته ليستأذن السكان قبل صعوده لشقته بالسطح وبلهجته الصعيدية: (حد عيجول -سيقول-: يا سيد)، وصوت البوسطجي حاملا حقيبته الجلدية العتيقة وقلمه خلف أذنه وهو يعلن عن وجوده صائحا: (بوسطة .. بوسطة)، ثم يتلو أسماء من لهم خطابات.
وفي تمام الساعة الثامنة مساء من كل يوم يتردد في أرجاء الحوش صوت القرآن الكريم من إذاعة البرنامج العام الذي تذيعه في نفس الموعد وبقارئ ثابت لكل يوم من أيام الأسبوع، فيوم الجمعة لمصطفى إسماعيل والسبت لعبد الباسط عبد الصمد.. وهكذا.
وفي تمام العاشرة مساء يوم السبت من كل أسبوع يتردد في جنبات الحوش صوت منبعث من كل أجهزة الراديو في الشقق، من إذاعة اسكندرية المحلية لصوت السيمفونية الملحمية لمقدمة برنامج “من أرشيف المحاكم”، برنامج يعرض قصة جديدة بتمثيل جريمة تنتهي بالعثور على سر الجريمة وفاعلها.
ورنين صوت (64225) ليعلن عن برنامج الإذاعي السكندري الشهير الأستاذ “جمال توكل“، والرقم هو رقم هاتف البرنامج الذي يهتم بمشكلات أهل إسكندرية، وكان اليوم الذي اتصلت فيه إحدى سيدات الجيران بالبرنامج للحديث عن مشكلة من مشكلات إسكندرية مناسبة لاجتماع أهل البيت حول المذياع.
وصوت معلق كرة القدم في الراديو “إبراهيم الجويني”، وإتقانه لمهمته الصعبة في أن ينقل بالوصف صورة غائبة عن المستمعين: (الكرة مع شحتة في دائرة المنتصف، يلعبها للجارم في الجناح الأيسر، يرجعها لطلعت في مربع نمرة خمسة …)
من هذه النافذة كنت أسمع أصوات الشارع الذي تمنعني أمي من الاختلاط به، أسمع الإعلان عن فرح ستحييه فرقة (الحاجة سنية محمد وأخيها فتح الله)! – هكذا كان اسم الفرقة-، وكان يتسلل لسمعي من بعيد أغاني الأفراح المشهورة في إسكندرية، وأشهر كلماتها: “البحر بحرنا عن ابونا وجِدِّنا، وبُكْرَة والا بَعْدُه حيبقا مِلكِنا”.
أما الأغنية التي كانت بمثابة النشيد الوطني لمدينة إسكندرية والتي لا يخلو من وجودها فرح أو مناسبة، هي أغنية المطرب السكندري “إبراهيم عبد الشفيع” وكلماتها:شي الله يا مرسى يا أبو العباس مدد يا سيدى القباري، الله يصونك يا بلدنا يا غاليه وترابك غالى .. إسكندرية ام الخِفَّة ع البحر الأبيض تفاحة، هاتو الشبك حلو الدفه ويالله بينا الملاحة .. وبلدي، بلد الرجالة .. بلدي، في العين منشالة .. كرموز والحضره ودِرْبالة راغب وابو قير والسَيَّالة رجاله واجدع رجالة…”.
أما المطربة الشعبية الأولى في إسكندرية في السبعينيات والثمانينيات، المطربة “بدرية السيد”، فكان يتردد صوتها من شباك شقة جارتنا “ماما حياة” -رحمها الله-، -وهكذا كنت أناديها “ماما” دون سائر جاراتنا، لأنها بالفعل شاركت أمي في تربيتي ولها الفضل-، فمن خلال أسطوانات الجرامافون ثم شرائط الكاسيت، كانت “ماما حياة” تستمع إلى محبوبتها بدرية السيد، والتي تسميها باسم شهرتها بين محبيها “بدارة“، وكانت شهرة “بدرية السيد” المولودة في حي بحري عند أهل إسكندرية واسعة جدا، وكانت عن جدارة تستحق هذا الحب والشهرة من أهل إسكندرية، فقد كان صوتها شديد القوة والعذوبة والنقاء، وكانت نموذجاً لفن الأغنية الشعبية من حيث اللحن والصوت والأداء والكلمات.
كان لها أغنية مشهورة في طفولتي باسم: (حودة)، وكانت “ماما حياة” تدير هذه الأغنية بصوت عالٍ من شباك شقتها، وكان مطلع الأغنية: (موعودة بحبك موعودة برموشك وعينيك السودة .. والله أنا خايفة تشَّمَت فيَّ كل بنات الحِتَّة يا حودة .. يا حووودة .. يا حودة.)
ومع قفلة المقطع: (يا حووودة .. ياحودة)، يُجَلْجِل صوت “ماما حياة” مع صوت “بدرية السيد”، لتلفت انتباهي وأطُل عليها من الشباك، ونتبادل التحية.
كانت “بدرية السيد” تمتلك كذلك ذكاء اجتماعيا جعلها تنتقي كلمات أغنياتها، ومن هذه الأغاني أغنية “قصقصي طيرك” كنموذج لكلمات الأغنية الشعبية الهادفة، فكلمات الأغنية مستقاة من مثل شعبي تم تطويره ليتحول لدروس للزوجة في حياتها الزوجية:
“قصقصي طيرك قصقصي .. قصقصي طيرك
يِفْضَل طول العمر أَسِيرك .. ولا يطير منك ..

ولا يغيب عنك .. ولا يوم يشرب من قَنا غيرك .. قصقصي طيرك …
قصقصي طيرك بالحِنِية تملكي قلبه شويه شويه .. لو يوم يِزْعَل من قَصْقَصتِك ..

ابقي قوليلُه الحق عليَّ.
خَلي عنيكي تقوله سلام .. تلاقيه هِدِي وأَوام ارتاح.
ولا يطير منك .. ولا يغيب عنك .. ولا يوم يشرب من قَنا غيرك .. قصقصي طيرك …
لو يلاغيكِ بِحُبُه لاغيه .. طيري بجناح الشوق حواليه ..

شوفي طلباته .. اسمعي حكاياته .. تبقي يا حلوة حافظتي عليه ..

ما يفكرش في غيرك يوم .. تِحلَي العِشْرَة معاه وتدوم ..

ولا يطير منك .. ولا يغيب عنك .. ولا يوم يشرب من قنا غيرك ..

قصقصي طيرك …”.

هذا العالم الخارجي والتراث الفني السكندري المتسلل إلى أذني ووجداني عبر النافذة المطلة على الحوش، لم أكن أسمعه على الإطلاق داخل جدران شقتنا؛ فوالدي كان عاشقا لأم كلثوم وعبد الوهاب…، وربما كان يعتبر اختلاط الزيت بالماء أسهل من اختلاط الكلاسيكيات بالفن الشعبي، وكنت أستيقظ في غرفتي من الليل على صوت أم كلثوم منبعثا من الراديو في الصالة، ووالدي وحده يستمع في هدوء، فيضمني إلى صدره وأنام على صوت أم كلثوم.
توفي والدي عام 1974 وأنا طفل، وبعدها بأربعين عاما من وفاته كانت والدتي بجواري في السيارة، ومن صوت المذياع غردت أم كلثوم بصوت بعث الذكريات الخاملة في الذاكرة السمعية لوالدتي، استرَقْتُ البصَرَ نحوها فوجدتُ دموعها تنهمر في صمت، ووجدتها تجتهد في صرف وجهها حتى لا أرى دموعها؛ جمعني وأمي مشاعر مشتركة بعد غياب والدي، كنت حريصا بشدة على عدم ذكر أي شيء يتعلق بوالدي داخل البيت ظنا مني أنني أحافظ على مشاعر أمي وإخوتي الصغار، وأعمل على عدم إيقاظ المواجع، وكنت أتحاشى التعليق على مشهد دموعها المنهمرة في صمت وهي تنظر إلى صورة والدي المعلقة على الحائط –وما زالت معلقة حتى الآن بنفس بروازها القديم-، وأمي خبيرة المشاعر بالفطرة أدركَتْ ذلك فبادلتني نفس التصرف، وانعكس ذلك على إخوتي، فقليلا ما كنا نديرُ ذِكراً لوالدي داخل البيت ظنا منا أننا نحافظ على مشاعرنا، وكل منا كان يكتم داخله شعورا فياضا بحب إنسان نبيل لم يسعفنا الزمن بطول صحبته.
أدركتُ من هذا الموقف كم هي عميقة وراسخة ومؤثرة ذاكرة الإنسان السمعية، فحاولت نبش ذاكرتي لأستخرج منها ذاكرة زمان ومكان لهما خصوصيتهما، ولعل القارئ يجد فيها جزءا من ذاكرته، أو ما يحفزه لمتعة إحياء ذاكرته السمعية:

#من ذاكرة إسكندرية

تعليق واحد

  1. حقا مشاعر لطيفة وسبحان الله مع مطالعتى للقصة أطلقت لخيالى العنان فصرت وكأننى أعيش تلك الأحداث .برغم أنى لم أشب فى الأسكندرية لكن الحياة فى هذا الزمان وما قبله كانت جميلة فى كل مدن مصر وقراها.
    تحية للقصة القصيرة ولكاتبها المحترم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى