كتاب وادباء

الدين للأزهر…. والوطن للعسكر……!؟

الدين للأزهر…. والوطن للعسكر……!؟

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

* لسان الحال أبلغ من أى مقال . ولسان الحال فى مصر يقول الآن أن الدين للأزهر والوطن للعسكر , ليس تهكما أو سخرية أو استهزاء من أحد , بقدر ماهو واقع يبصره كل ذي عينين ويشعر به من كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد . الواقع يقول أن الوطن تم اختزاله فى مؤسستين من مؤسسات الدولة ألا وهما الأزهر لفرض الوصاية الدينية , والمؤسسة العسكرية لفرض الوصاية السياسية . أما الشعب المصري من ألفه ليائه فهو بعيد عن المشهد وتم تجريفه ليعيش على هامش الحقل السياسي كالأصم الذي لايسمع والأعمى الذي لايرى . ولست هنا بصدد نقد الأزهر كمؤسسة لان فيها أوفياء بالعهد والوعد . ولكنى بصدد علماء السلطان الذين ينامون على سرير كل نظام من فصيلة علماء ” اضرب فى المليان ” . كما أنى لست منتقدا الجيش بأكمله بقدر ما انتقد نفر قليل من القادة دسوا أنف الجيش فى تراب السياسية وغبروا وجهه بغبارها .

* لاينسى التاريخ الشيخ ” على عبد الرازق ” وهو من علماء الأزهر وكتابه الذي صدر في العام 1925. وقد رفض الشيخ فى هذا الكتاب أن يكون الإسلام دين ودولة . وزعم أن الإسلام دين فقط . كان فى هذا الوقت فى مصر علماء يزنون ثقل الجبال فى العلم والفهم والفقه . فوقفوا له بالمرصاد وأدحضوا حججه وفندوا مزاعمه . لقد أدى هذا الكتاب إلى ضجة سياسية ودينية كبيرة آنذاك مما جعل هيئة كبار العلماء بالأزهر تنعقد لمحاكمة على عبد الرازق وتخرجه من زمرة علماء الأزهر وتسحب منه رسالة الدكتوراه وتفصله من العمل كقاضي شرعي . ولقد قيل أن الشيخ تاب بعد ذلك وراجع نفسه قبل أن يموت وعاد إلى الحق قبل أن يلقى ربه . استشهد بهذه الواقعة لكي أبرهن أن الأزهر كان فيه رجال منذ قديم الزمان لم يقبلوا الوقوف على باب الحاكم أذلاء خاضعين ينتظرون رضا السلطان .

* إن هناك شريحة من علماء السلطان اليوم يريدون أن يحتكروا الإسلام وكأن معهم صكوك الغفران كتلك التي كانت فى أوربا فى العصور الوسطى والتي كانت تسمى بالعصور المظلمة نظرا لتحكم الكنيسة فى كل شئء فى المجتمع . إن الله عز وجل لم يعطى تفويضا لأحد لكى يكون متحدثا رسميا باسم الإسلام لان الإسلام ملك لهذه الأمة الممتدة الجذور فى أعماق التاريخ . ولكل عالم حق الاجتهاد طالما امتلك أدوات الاجتهاد وشروطه. أما أن تعلو فوق سطح الحياة السياسية فى مصر طائفة من علماء السلطة يحلون للحاكم ماحرم الله ويبررون له كل مايقول وكل مايفعل , ويلوون عنق الآيات والأحاديث لتتوافق مع هوى السلطة , ويكون هذا هو الإسلام ومن يخرج عن ذلك يكون مرتد ” وريحته وحشة ونتنة ” كما يقول كبيرهم المفتى السابق , فهذا أمر جلل وخطير لايتوافق مع صحيح الإسلام . أن هولاء العلماء يريدون أن يخصخصوا الإسلام , أى يحولوه إلى قطاع خاص لكى يتسنى لهم مصادرة الأفكار والمفاهيم والمعتقدات التي استقر عليها أهل السنة والجماعة .

* بل إن منهم من يسعى بكل ما أوتى من قوة ومن رباط الخيل ” لنصرنة دين الإسلام ” أي تحويل دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى دين عيسى عليه السلام , أي دع مالله لله وما لقيصر لقيصر . ومحاصرة الدين الاسلامى فى زوايا المسجد لايخرج منها بدا . وأن يظل الإسلام حبيسا فى شكليات وصور تقليدية لاعلاقة لها بالحكم والسياسة , وكأن الإسلام فقط هو علاقة فردية بين العبد وربه ولأشأن له بأمور المجتمع , وهذا هو الذي حذر منه الرئيس والزعيم البوسني المجاهد ” على عزت بيجوفتش ” فى كتابه العظيم ” الإسلام بين الشرق والغرب ” . إن أشباه هولاء العلماء – أن كانوا من الأصل علماء – يسيئون للإسلام شاءوا أم أبوا , ويلبسون الحق بالباطل سواء كانوا يعلمون أم لايعلمون . وهولاء هم علماء السوء . علماء كل سلطة , فقهاء كل حاكم , يزينون لكل طاغية سوء عمله لكى يراه حسنا جميلا.

* هولاء العلماء يحرفون الكلم عن مواضعه . فما كان فى عهد مرسى خيانة , صار فى عهد السيسى أمانة , وماكان فى عهد مرسى عمالة , صار فى عهد السيسى وطنية . وماكان فى عهد مرسى كذب محض , صار فى عهد السيسى عين الصدق . وماكان فى عهد مرسى بيع للوطن , صار فى عهد السيسى حفاظا على الأمن القومي لمصر . وما كان فى عهد مرسى مؤامرة , صار فى عهد السيسى شطارة , وماكان فى عهد مرسى تهديد للوطن , صار فى عهد السيسى دفاعا عن حدود الوطن , وماكان فى عهد مرسى إراقة للدماء , صار فى عهد السيسى تقربا إلى الله , وماكان فى عهد مرسى ديكتاتورية واستبداد , صار فى عهد السيسى حرية ومدنية . هكذا هو شان المتلونين كالحرباء بلون وتوجهات السلطة . يحرفون كل شئ , بل ويغيرون وجوههم ألف مرة فى اليوم الواحد يدهنون ألسنتهم بلون كل سلطة لأنهم “عبيد لقمة ” كما وصفهم الراحل الدكتور مصطفى محمود .

* أما القول بأن ” الوطن للعسكر ” فحدث ولاحرج , فلم يعد للشعب الحق أن ينتخب من يمثله فى البرلمان , ولم يعد من حق الشعب أن يختار الحاكم الذي يحكمه بحرية ونزاهة ودون تهديد أو وعيد , تحت دوى الطلقات وأزيز الطائرات . كان الشعب المصري يذهب طيلة 30 سنة إلى صناديق الانتخاب فى عهد الطاغية المخلوع ليدلى بصوته , وكان هناك قضاة على الصناديق , وكانت الناس أيضا تصطف فى الطوابير , وكانت الشرطة تحرس اللجان . ولكن فى آخر اليوم يتم تجميع تلك الصناديق فى سيارات كبيرة مخصصة لنقل الطوب والزلط والاسمنت , ثم يقذف بتلك الصناديق فى اقرب بحر واقرب ترعة . ثم تأتى النتيجة للقاضى جاهزة فى قصاصة ورقية ليعلنها تحت تهديد السلاح . ولا أدل على هذا من نتيجة محافظة دمنهور بين مصطفى الفقى والدكتور حشمت والتى تم افتضاح التزوير فيها نهارا جهارا . هذا على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر . فمنذ متى والشعب المصري له حق فى هذا البلد..؟

* إن العقلية العسكرية في أي بلد , وفى أي وطن , وفى أي مكان, تربت ونشأت على السمع والطاعة وتنفيذ الأوامر بحرفية دون نقاش أو مراجعة . وهذه الصفات وتلك السمات تناسب طبيعة الجيوش فى العالم والنظم العسكرية الصارمة لضمان عدم حدوث فوضى أو انشقاقات فى الحياة العسكرية . أما إسقاط تلك المنظومة إسقاطا حرفيا على الواقع السياسي للبلاد وإدارة شؤونه , فهذا سوف يبوء بالفشل السريع الذر يع . لان مايصلح للجيش قد لايصلح للأمور المدنية . وما ينفذ فى الحياة العسكرية , يصعب تنفيذه فى الحياة المدنية التي تقبل الرأي والرأي الآخر . لذا لو نظرت إلى أى بلد تحكمه المنظومة العسكرية فلن ترى إلا فقرا وجهلا وتخلفا فى شتى الميادين , لأنهم لم يخلقوا للحكم ولكن طبيعتهم تتناسب مع المعارك الحربية . ولا أدل على كلامي من تخلف القارة السمراء التي ننتمي إليها بسبب كثرة الانقلابات العسكرية فى تلك القارة البئيسة الحزينة الفقيرة المريضة .

* إن حصيلة حكم العسكر فى مصر طيلة العقود السابقة وتحكمهم فى قيادة سفينة الوطن نتج عنه التخلف السياسي والاقتصادي والتعليمي الذي نحن فيه . فأكثر من نصف سكان مصر تحت خط الفقر , ومثلهم معهم تحت خط الأمية . وشرائح كبيرة من الشعب مريضة بالفشل الكلوي وأمراض الكبد والأمراض الخبيثة بسبب سئ الذكر يوسف والى وماجلبه على البلاد والعباد من مبيدات مسرطنة . وحدث ولا حرج عن مصادرة الحرية والديمقراطية . أضف إلى ذلك تراجع مصر إلى قاع الأمم والشعوب فى حقوق الإنسان . ولا ننسى أن مصر اليوم الأول في العالم على قائمة الدولة المستوردة للقمح . والأول فى العالم فى سوء التخطيط العمراني . كل ذلك وأكثر منه حدث تحت حكم العسكر وليس تحت حكم الأفارقة السود الذين نزحوا إلينا من غابات إفريقيا الاستوائية…! .

* خلاصة القول إن مصر اليوم لكى تركب قطار التقدم لتواكب العالم الحر المستقل , فلابد لها من انتفاضة تزيل بها غبار التخلف العالق بأنظمتها السياسية , وثورة كبيرة تدوس بإقدامها على كل رموز التخلف والجهل والنهب والديكتاتورية . إن نهر الفساد والنهب والجهل والتخلف فى مصر قد فاض بكل مافيه من قذارة حتى أغرق الجميع , وغرق معه الوطن , ودفعت مصر الثمن غاليا من سمعتها ومستقبلها . ودفعت معها الأجيال الثمن مقدما فى أجيال كثيرة تقف فى طابور البطالة تبحث ن وظيفة لاتسمن ولاتغنى من جوع . لابد من عودة مصر لشعبها وأهلها وان يكون هناك دستورا يقضى على الطبقية والعنصرية بين أبناء الشعب الواحد , والقضاء على التزوير والانقلابات العسكرية والفساد . ولن يحدث هذا حتى يسترد الشعب المصري وعيه السياسي ويفقه مايضره وما ينفعه ومن يضحك عليه ومن هو جاد فى خدمته وتقدمه مثل بقية خلق الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى