دنيا ودين

الدعوة الى حب الله

الثبات تعريفه ومشروعيته و أهميته ومواطنه  ووسائله و ثمراته وصوره

الثبات تعريفه ومشروعيته و أهميته ومواطنه  ووسائله و ثمراته وصوره

 إعداد محمد أبوغدير المحامي

الفرع الأول : تعريف الثبات

أولا : الثبات في اللغة  :  

هو أصل مادة الثاء والباء والتاء وهو: ثَبَتَ الشيء يَثْبُتُ ثَباتاً وثُبوتاً فهو ثابتٌ وثَبِيتٌ، ويقال: ثَبَتَ فلانٌ في المَكان يَثْبُتُ ثبُوتاً،فهو ثابتٌ إِذا أَقام به. سان العرب – لابن منظور.

ثانيا : الثبات في الاصطلاح : 

الاستقامة على الهدى والتماسك بالتقى وإلجام النفس وقهرها على سلوك طريق الحق والخير وعدم الالتفات إلى صوارف الهوى والشيطان ونوازع النفس والطغيان مع سرعة التوبة والأوبة حال ملابسة الإثم أو الركون إلى الدنيا.

ثالثا : الثبات كما عرفه الإمام البنا: 

وأريد بالثبات: أن يظل الأخ عاملا مجاهدا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين: فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية )من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا(الأحزاب  – 23.

والوقت عندنا جزء من العلاج ، والطريق طويلة المدى، متعددة المراحل، كثيرة العقبات. ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة ، وذلك أن كل وسيلة من وسائلنا (الستة) تحتاج إلى حسن الإعداد، وتحين الفرص، ودقة الإنفاذ ، وكل ذلك مرهون بوقته )ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا(الإسراء – 51.

الفرع الثاني : مشروعية  الثبات في الكتاب والسنة :

أولا : في القرآن الكريم : – 

قال تعالى: (يثبت الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدنيا وفي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء)(3)

-قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إليهم شيئا قَلِيلاً) سورة إبراهيم – آية رقم 10. – قال تعالى: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً) سورة الإسراء

 ثانيا: في السنة :  

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك). حديث صحيح – رواه مسلم –  الجامع الصحيح  –  2654.- 

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بادروا بالأعمال الصالحة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا،ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا). حديث صحيح – رواه مسلم-  الجامع الصحيح  –  2654.

– عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ” . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ )

الفرع الثالث : أهمية الثبات:

والثبات عنصر مهم في نجاح الدعوات.. وكما تحتاج الدعوة إلى الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة، فهي تحتاج إلى الثبات.. وبدونه لا تبقى دعوة.. ولا ينعقد للأمة نصر.

من السهل أن يتحمس رجل لدعوته، ويعمل على نجاحها، ويجاهد في سبيلها لمدة محدودة من الزمن، حتى إذا رأى الدرب طويلا، والعقبات كؤودا، والتكاليف مرهقة، انقلب على عقبيه، وتساقط على جانبي الطريق..

أما دعوة الله فلا تحيا وتثبت، ولا تنتشر وتزدهر، إلا بصنف آخر من الرجال: رجال مخلصين عاملين يجاهدون ويضحون، ويظلون على ذلك، ويثبتون أمام المحن والابتلاءات، والإغراءات والتهديدات،ويصبرون على المشقات ويغالبون العقبات… كل ذلك بلا كلل ولا ملل، ولا انقطاع ولا فتور.. )يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة(. إبراهيم- 27.

من أجل هذا جعل الإمام الشهيد الثبات ركنا من أركان البيعة، مسترشدا بهدي القرآن، وسيرة سيد الأنام صلىالله عليه وسلم

الفرع الرابع : المواطن التي يمتحن فيها  الثبات :

أولاً: الثبات في الفتن الاضطهاد والطغيان والظلم 

ويُمثِّلها أروع تمثيل قول الله عز وجل:”قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ * إذْ هُمْ عليها قعود * وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * ومَا نقموا منهم إلا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ * الَّذِى لَهُ ملك السموات والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ”(البروج: 4 -9).

ثانيًا: الثبات في الجهاد: 

قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الذين آمنوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا” (الأنفال: 45)، وقال الله تعالى:”أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ *ولَقَدْ كنتم تمنون المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأنتم تنظرون”(آل عمران:142 – 143).

ثالثًا: الثبات على المنهج: 

قال الله تعالى: “مِنَ المؤمنين رجال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نحبه ومنهم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً” (الأحزاب: 23

رابعًا: الثبات أمام بطش الظالمين:

يُعْتَبر البطش والتنكيل من أساليب المبطلين الشائعة والمتكررة عبر التاريخ، حين يغيظهم استمساك أهل الحق وصلابتهم، فيثورون عليهم محاولين القضاء عليهم -إن استطاعوا- أو إزاحتهم عن طريقهم على الأقل بكل الوسائل الدنيئة، وقد ذاق الصحابة الكرام العذاب ألوانًا من أعدائهم، فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ، فهذا بلال رضي الله عنه يُجرَّد من ثيابه ويُلْقَى على نار البطحاء، وتُوضع الصخرة العظيمة الملتهبة على صدره، فلا يزال يعلن عقيدته:(أَحَدٌ.. أَحَد)، مستخفًّا بهؤلاء الظالمين، متحديًا لهم، مُصِرًّا على مبدئه معتزا به مهما لاقى فى سبيله.

خامسًا: الثبات عند علوِّ الأعداء: 

فقد يُصَاب الإنسان بحالة من اليأس والقنوط عند ارتفاع شأن الأعداء وعلو راياتهم، ولكن المسلم الواثق بنصر الله تعالى والواعي لدينه العامل له بإخلاص وتجرد يعى تمامًا أن الحرب جولات، وأن النَّصْر للمؤمنين حين يستوفون موجباته، وأن عُلُوّ الباطل وأعوانه ما هو إلا لوقت محدود، وأن العاقبة لمن اتقى.

سادسًا: الثبات فى الميدان عند الزحف:  

فحين تتقابل الصفوف والرايات فى ساحة من الساحات يكون الثبات هو واجب الساعة؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا لقيتم فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لعلكم تفلحون” (الأنفال: 45

والثبات هنا مطلوب لغايتين: أولاً: أن يبقى أسد الحقِّ يصولون فى الميدان ويجولون، ورايات الحقِّ تخفق فى أيديهم، يعلنون الانتصار، ويضطرون أتباع الباطل إلى الانهزام والفرار.

والثانية: أن يمنعوا ما وراءهم من قيم ومبادئ ومناهج وحرمات من أن يعتدي عليها معتدٍ أو يرومَها بسوء.

سابعًا: الثبات مع كرِّ الأيام والليالي: 

فقد يُفَرِّط المرء فى مبدئه وتسترخي قبضته عن دور الحق الذي معه لمجرد كرِّ الأيام والليالي، ويُعتبر طولُ الأمد من أخطر الأسباب الصارفة عن الطريق، حيث لا يواجه المرء هنا عدوًّا ماثلاً يريد استلاب دينه وعقيدته، فيُفَجِّر فيه طاقة التصدي والتحدي؛ ولذلك اعتبر القرآن أهل هذا النوع من الثبات صفوةَ المؤمنين، فقال تعالى: “مِنَ المُؤْمِنِينَ رجال صدقوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومنهم من يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً” (الأحزاب: 23).

ثامنًا: الثبات عند الممات: 

قال الله تعالى: “إنَّ الَّذِينَ قالوا ربنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تخافوا ولا تَحْزَنُوا وابشروا بِالْجَنَّةِ التي كنتم توعدون” (فصلت: 30)، والثبات فى هذا الموقف لن يتم إلا بجهدٍ جهيد، وعمل دءوب ومتواصل، وإخلاصٍ وتجردٍ تَامَّيْن لله سبحانه؛ ليتمَّ التثبيت عند الممات.

الفرع الخامس  وسائل الثبات  :

أولاً : الإقبال على القرآن : 

القرآن العظيم وسيلة الثبات الأولى ، ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )  ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) وهو حبل الله المتين ، والنور المبين ، من تمسك به عصمه الله ، ومن اتبعه أنجاه الله ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم .

ثانياً : التزام شرع الله والعمل الصالح : 

قال الله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} إبراهيم /27 . قال قتادة : ” أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ، وفي الآخرة في القبر ” . وقال سبحانه :{ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً }النساء /66 . أي على الحق .

ثالثاً : تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل : 

والدليل على ذلك قوله تعالى :{ وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}

رابعاً : الدعاء

 : من صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم : { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } ، { ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا } ..

خامساً : ذكر الله

 : وهو من أعظم أسباب التثبيت .  تأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً } الأنفال/45

سادساً : الحرص على أن يسلك المسلم طريقا صحيحا : 

والطريق الوحيد الصحيح الذي يجب على كل مسلم سلوكه هو طريق أهل السنة والجماعة ، طريق الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ، أهل العقيدة الصافية والمنهج السليم وإتباع السنة والدليل ،والتميز عن أعداء الله ومفاصلة أهل الباطل ..

سابعاً : التربية : 

التربية الإيمانية العلمية الواعية المتدرجة عامل أساسي من عوامل الثبات .

ثامناً : الثقة بالطريق: 

 لا شك أنه كلما ازدادت الثقة بالطريق الذي يسلكه المسلم ، كان ثباته عليه أكبر ..

تاسعاً : ممارسة الدعوة إلى الله عز وجل : 

النفس إن لم تتحرك تأسن ، وإن لم تنطلق تتعفن، ومن أعظم مجالات انطلاق النفس : الدعوة إلى الله ، فهي وظيفة الرسل ، ومخلصة النفس من العذاب ؛ فيها تتفجر الطاقات ، وتنجز المهمات ( فلذلك فادع ، واستقم كما أمرت ) . فإن النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية ، والإيمان يزيد وينقص .

عاشراً : الالتفاف حول العناصر المثبتة : 

تلك العناصر التي من صفاتها ما أخبرنا به عليه الصلاة والسلام : ( إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر )حسن رواه ابن ماجة ، البحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين ، والالتفاف حولهم معين كبير على الثبات .

الحادي عشر : الثقة بنصر الله وأن المستقبل للإسلام : 

نحتاج إلى الثبات كثيرا عند تأخر النصر ، حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها ، قال تعالى : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة }آل عمران

الثاني عشر : معرفة حقيقة الباطل وعدم الاغترار به : 

فيقول الله عز وجل:{لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} آل عمران /196 تسرية   وفي قوله عز وجل : { فأما الزبد فيذهب جفاء } الرعد /17 عبرة لأولي الألباب في عدم الخوف من الباطل والاستسلام له .

الثالث عشر : استجماع الأخلاق المعينة على الثبات : 

وعلى رأسها الصبر ، ففي حديث الصحيحين : ( وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر ) رواه البخاري وأشد الصبر عند الصدمة الأولى .

الرابع عشر : وصية الرجال الصالحين : 

عندما يتعرض المسلم لفتنة ويبتليه ربه ليمحصه، يكون من عوامل الثبات أن يقيض الله له رجلاً صالحاً يعظه ويثبته ، فتكون كلمات ينفع الله بها ، ويسدد الخطى ، وتكون هذه الكلمات مشحونة بالتذكير بالله ، ولقائه، وجنته ، وناره .

الخامس عشر : التأمل في نعيم الجنة وعذاب النار وتذكر الموت.

 فالذي يعلم الأجر تهون عليه مشقة العمل ، وهو يسير ويعلم بأنه إذا لم يثبت فستفوته جنة عرضها السموات والأرض ، ثم إن النفس تحتاج إلى ما يرفعها من الطين الأرضي ويجذبها إلى العالم العلوي.

الفرع السادس :  ثمرات  الثبات

للثبات على الحق ثمار عديدة، وقد سردنا بعضها بشكل مشتت في فصول سابقة، وقد جمعتها هنا بشكل منظم:

يكون منارة مشعّة عاجية، مقصد كل مؤمن عبث فيه نادي الشيطان ليأخذ بيده إلى بر الأمان.

أن ثبات الشخص في الدنيا، امتداد لثبات الشخص على الصراط المستقيم، تجاوز السقوط في جهنّم، والتخلص من قبضة الكلاليب.

العون والتوفيق والإلهام والإرشاد والسداد والبركة من الله عز وجل، إذ أن الثابت على دين الله، يكون صالحا في نفسه ودينه ومجتمعه ويكون صالح الدعاء، مما يجعل أبواب الخير تفتّح له من كل جانب.

اصطفاء الله للثابت على دينه، فإن من كان موضع رعاية من الله، فقد نجا في الدنيا والآخرة، وكفى بالله ناصرا ومعينا.

حفظ قلب العبد، الموطن الذي يتشرب الشبهات، وهو أساس كل عمل ثم يتلوه الإتباع، فإن العمل مرهون باثنتين النية والإتباع، فإن كان من غير نية خالصة من قلبه، وإلا فلا يقبل عمله, فحفظ القلب من الثمار المهمة.

الثابت على دين الله لا يتعرى مع هبوب الفتن وأعاصير الهوى والشهوات والشبهات، بل هو ثابت بما أمده الله من يقين ورسوخ.

اتحاد كلمة العلماء والدعاة والعامة على مبدأ التناصح وإظهار الحق.

في الثبات إلجام لأعداء الدين، وعز للدعاة والمصلحين والتمكين لأهل الحق.

صيانة عرض العلماء من أن يخوض فيه أهل الأهواء والأباطيل، فلو كان صف العلماء متذبذب الوحدة، ومشتت الكلمة، لأصبحوا محط السخرية والشتم، وفي ثباتهم تثبيت للعامة وباقي الأمة.

الفرع السابع  : صور من الثبات

1 ) وثبت عمار بن ياسر وعائلته الأيوبية،

عندما علم صناديد قريش عن إسلام بعض الصحابة من المستضعفين منهم، مارسوا معهم التعذيب الجسدي بشتّى أشكاله، وقد نال عمار من تلك المعاناة العصيبة الحصة الكبرى والحظ الأوفر، حيث لم يترك المشركون وسيلة من وسائل القهر والتعذيب إلاّ واستعملوها معه، فكانوا يسحبونه على الرمضاء المحرقة مجرداً من ثيابه، ثم يضعون صخرة كبيرة على صدره، فإن يئسوا منه لجأوا إلى تفريقه بالماء بغمس وجهه ورأسه حتى يختنق أو يشرف على الموت، ليس ذلك فحسب، بل وصل العذاب إلى أمه وأهانتها وقتلها بحربة في فرجها أردتها صريعة، وأينا يطيق أن تمسأمه بسوء، وقد علم عمّار أن ما أصابه وأصاب أمّه إنما هو بسبب الإسلام، ومع ذلك صبر وثبت فنال الدرجات العلى، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي عمار وأم عمار وعمار: (اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة )وهذا جزاء الثبات على الحق، وأنعم به من ثواب.

2 ) وبلال بن رباح : ليس عنهم ببعيد، فقد كان من المسلمين المستضعفين وكان أمية بنخلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى; فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد، فسجلها التاريخ كلمةً خالدة منم وقف جبّار، ومن منّا يطيق ما أصابه، وما كان ذلك إلا من صدق إسلامه، وقوة عزيمته.

3 ) كعب بن مالك في قصة الثلاثة الذين خلفوا:

كما ورد في صحيح البخاري قصته الطويلة، والتي تخلف عن المسلمين عن غزة تبوك،وكان ميسور الحال والمال ولم يكن شيء يعيقه سوى الركون وحب الدنيا، قال كعب: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف،فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأماأنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فيم جلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهوا بن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة ، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فناشدته فسكت، فعدتله فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. قال:فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها.

 ومنت جمعت عليه هذه المصائب، وتنكر المسلمين عليه، وانصرف عنه حتى الصبيان والسفهاء،ثم جاءته دعوة من ملك الغساسنة يواسيه فيها ويطلب منه اللحاق بهم وترك المسلمين ليعيش مع الملوك ويصغي له كل الناس، ومع ذلك صبر على بلاء وثبت على امتحانه حتى أتاه الفرج من عند الله عز وجل فقد قال تعالى: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذين خلفوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وضاقت عليهم أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إليه ثم تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

4) وإمام أهل السنة أحمد بن حنبل،

عندما آمن المأمون بفكرة خلق القرآن وأجبر العلماء على القول بذلك، وعذّب وقتل مني خالف هذا القول، كان الإمام أحمد بما أعطاه الله من العلم ثابتاً على الحق، فأتى به أمام السلطان وسُئل، فقال إن القرآن منزل من عند الله قال تعالى: (كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وليتذكر أولوا الْأَلْبَابِ) ، فجلد الإمام أحمد حتى أغمي عليه وتقطع جلده، ثم وضعوا عليه حصيرا وداسوه بأقدامهم، ومنع الإمام أحمد من تحديث الناس، وزاد في الشدة عليه من بعده ابنه الواثق وهو لا يزال ثابت، ونقل عن المرمزي أنه قال: دخلت على الإمام أحمد أيام المحنة، فقلت: يا إمام قال الله: (ولا تقتلوا أنفسكم)، فقال: “يا مرمزي،اخرج فانظر إلى رحبة دار الخليفة. فرأيت خلقاً من الناس لا يحصي عدهم إلا الله والصحف في أيديهم والمحابر والأقلام في أيمانهم، فقلت لهم: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، فقلت: مكانكم. فدخلت إلى الإمام فقلت له ما رأيته. فقال: يا مرمزي أأضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء. ومن ذلك: ما قاله علي بن ألمديني رحمه الله تعالى: “أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى