الأرشيف

الخيزرانة

الخيزرانة

سلطان إبراهيم

بقلم الكاتب الروائى إبراهيم عبد الرحيم   

كعادة كل أهلنا فى الريف إرسال الأطفال في مثل أعمارنا  الى كتاب القرية لحفظ القران الكريم  وكان كتاب الشيخ إبراهيم هو الكتاب الموجود في قريتنا وكان موقعه  في الناحية الشرقية للقرية بجوار الزراعات بجوار المسجد الذي يؤمه شيخنا  المعروف بصرامته وشدته  مع الأطفال المميز  دائما بالجبة والقفطان ملابس الازهريين ولا تكاد تفارقه خيزرانته التي يقولون أنها أهديت له  من أحد عساكر الهجانة بعد موقف طريف حدث بينهما  حين كانت هناك مشكلة ثأرية في بلدتنا وقد أرسلت الحكومة يومها لحفظ الأمن في القرية بعض عسكر الهجانة الذين يطوفون جنبات القرية على جمالهم ويسعون الى إدخال الناس بيوتهم بعد العشاء مباشرة حتى أن من صلي في المسجد نالته خيزرانة الهجانة وهم يلاحقونهم ولما كان المسجد ملاصقا لبيت الشيخ فقد أفلت منهم ولم يعرف بما حدث مع بعض أهالي القرية فلما حان موعد صلاة الفجر خرج الشيخ كعادته واعتلى سطح المسجد ليؤذن للصلاة وهنا جاء إليه أحد العسكر الهجانة وقال له بلهجته وهو يوسعه ضربا بخيزرانته : انت مين انت اهنا ننيم الناس وانتي تيجي تصهيهم  ولكن لما صمم الشيخ على استكمال الأذان رغم الضرب قال له العسكري :

انت واهده راجل  انت مؤمنه صلي وادعي لينا وسامهينا.

 ثم ترك الخيزرانة للشيخ وصارت بينه وبين الشيخ صداقة مكنت الشيخ بعدها من الصلاة دون تعرض بل وجعلت للشيخ حق الشفاعة الحسنة في التعامل الطيب من العسكر لأهل البلدة حتى انتهت المشكلة وخرج العسكر من البلدة وبقيت الخيزرانة في يد الشيخ لتسلم بعدها على أجساد كل النابهين من أبناء قريتنا  يذكرها الطبيب والمهندس ولا ينساها العامل والفلاح  والكل يذكر وقفته بين يدى الشيخ وهو يسمع عليه وعينة على الخيزرانة أين سيهوى بها الشيخ .

**

:اليوم هو يوم الأحد يوم البرنامج المفتوح وفيه فيلم اسماعيل ياسين

 هكذا همس خليل في أذني وأنا أتهيأ للتسميع أمام الشيخ ابراهيم هرشت  رأسي ثم أجبته:ولكن كيف نخرج من هنا انت تعرف أن عين الشيخ علينا وقد أوصاه الوالدين بأن يراقبنا وأن لا يألو جهدا في تأديبنا

:ولا يهمك أنا سأخرج خلسة وبعدها أساعدك للخروج من النافذة

يبدو أنك مصمم اليوم  على أن تسلم علينا الفلكة والفلكة لمن لا يعرفها خشبة ربطت بحبل يلف على القدم حتى تتمكن منه ويمسكها الاطفال بينما الشيخ يضرب الضحية  ضربا مبرحا بخيزرانته

: لا تكن جبانا تشجع على العموم على راحتك  ان لم تذهب معي فسأذهب بمفردي واستمتع بالفيلم دون مزاحمة منك

كان خليل يعلم انني سأضعف أما م إغرائه فبيتهم من البيوت القليلة في القرية التي يوجد بها تلفاز   

: على فرض اننا هربنا من الشيخ كيف سندخل بيتكم وبما نتعلل أمام والدك لو رآنا نستمع الى التلفاز في وقت الكتاب

:لا تخف والدي ذاهب اليوم الى المدينة لقضاء بعض الحوائج

:وأمي جارتكم العزيزة التي ربما علمت بهروبنا

:سندخل خلسة دون ان ترانا وبعد انتهاء الفيلم نخرج وكأننا عائدين من الكتّاب .

تم لي واخليل ما خططنا له وهربنا من الكتّاب  ولم نكتف بالهروب بل مارسنا هوايتنا المعتادة في إلقاء الألواح الصاج التي كُتب عليها ورد الحفظ اليومي لننظر أينا سيسير لوحه إلى مسافة أبعد .ولقد كنا اليوم موعدين فقد سقط كلا اللوحين في مجرى الماء القريب من الطريق اثناء تنافسنا لكننا لم نأبه لذلك على أمل ان نكتتب ما محي من الألواح بعد الفراغ من سماع الفيلم .

وبالفعل تسللنا إلى منزل خليل وفتحنا  التلفاز وبينما نحن  في قمة النشوة  تفاجآنا بدخول والد خليل ووقد فوجىء بدوره بنا

وهنا أسرع خليل يسأل والده

:أبي ما الذي جاء بك؟”ـ أقصد حمدا لله على سلامتك ألم تذهب الى المدينة ؟”

: لا لم أذهب لا تأخذني في الكلام ما الذي أتي بكما مبكرا من الكتّاب ؟”

:الشيخ أخرج الجميع اليوم مبكرا لأن لديه أمر هام وعاجل

: رائع سنرى قوما معي

: إلى أين؟

 :الى الكتّاب

يخرج الى خارج الدار وينادي يا أم محمد تعالي

تأتي أمي لتفاجأ بوجودي وتسألني بحدة

: ما الذي أتي بك مبكرا يا غراب البين ؟”

يضغط خليل على يدي لاثبت مؤكدا ما قاله خليل

ويجيب والد خليل:إذا فسنرى تعالي معنا لنذهب الى كتّاب الشيخ إبراهيم 

هيا أحضرا ألواحكما

ينطلق عمي قاسم وهو يمسك بيد خليل ولده  ومن ورائه أمي وهي تجرني جراً ورائها وفي مخيلتي  منظر الشيخ وشماتة الأصدقاء وهم يعدون الفلكة والخيزرانة الأصيلة وهي تصافح جسدي النحيل  .

وكلما اقتربنا  من الكتّاب بدت أصوات الأولاد في الارتفاع أكثر فأكثر حتى دخلنا  الكتّاب لنجد الشيخ وحوله الأطفال وهم في نشاط والكل يستعد للتسميع  .والخيزرانة تعلو وتهبط على أحد المقصرين في الحفظ .

تأكدت تماما أن الدور علي بعده وأن للخيزرانة اليوم نصيب في جسدي .

قام الشيخ ليرحب بوالدتي ووالد خليل اللذان جاءا اليه بفريسة جاهزة بعد جريمة مكتملة الأركان .ولكني فوجئت بالشيخ وهو يهش لنا ويقول هذه هي الأولى والأولى لكم ولم أكن أعرف أن للشيخ في كتّابه قاعدة أنه لا يعاقب المخطىء للمرة الأولى  بل يعفو عنه حتى إذا عاد لأي خطأ آخر كانت الفلكة والخيزرانة هي الجزاء الأوفى .طالب الوالدان من الشيخ ان يتجاوز عن قاعدته ويعاقبنا قأبى في صرامة قائلا: لا مخالفة للقواعد في كتّاب الشيخ إبراهيم . من يومها أحببت الشيخ من كل قلبي وظللت بعدها أتابع الحقظ بجد  و أطيع كل أوامر الشيخ حتى صرت عريفا للأولاد . يحسدني على مكانتى من الشيخ من هم أقدم مني في الكتاب فالكل قد كان للخيزراتة معه نصيب بينما تباعدت المسافة بيني وبينها .ومازلت أنعم برعاية الشيخ ومحبته  حتى وهو يودع الدنيا كان يوصيني بالكتاب خيرا وأوصى بأن تؤول الخيزرانة  بعد وفاته إلي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى