آخر الأخباركتاب وادباء

الحُر .. والاختيار

من روائع الأديب الكاتب

مهندس/ محمود صقر

14/06/2021
الاختيار؛ موقف لاتخلو منه حياة الإنسان، يتجاوز فيه اختياراته العادية، إلى الوقوف ولو مرة في العمر عند مفترق طريق الاختيار بين: الحق أو الباطل، العدل أو الظلم، صدق الشهادة أو تزويرها أو كتمانها، بين طريق هابيل أو طريق قابيل، بين موسى أو فرعون.
لحظة لا تحسمها الحجج العقلية، بل يحسمها إشراق الروح، وصفاء القلب، ويقظة الضمير، لحظة تسوق الإنسان نحو الفلاح أو الخيبة، الجنة أو النار، السمو أو الانحطاط.
في تاريخ الدراما الإنسانية يظهر على مسرح الوجود، نماذج إنسانية نادرة يخرجها الله من بين عباده إخراجاً، لتقدم أروع وأنبل القيم الإنسانية، ومن أنبل من ظهر على مسرح التاريخ مجسداً لحظة الاختيار التي نتحدث عنها: “الحُرْ بن يزيد”.
دراما إنسانية مكتملة الأركان، لو عكف عليها أعظم المؤلفين والفنانين ما استطاعت قرائحهم أن تبدع مثل هذه الشخصية ومجريات تلك اللحظة النادرة.
“الحر” كان قائداً حربياً تحت إمرة “عمر بن سعد” قائد جيش “يزيد بن معاوية” ضد سيدنا “الحسين بن علي”، قائد في جيش قوامه أكثر من مائة ألف مقاتل يمثلون سلطة الدولة، أمام عشرات يمثلون سلطة الحق.
مائة ألف خرجوا لمقاتلة سبط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تسوقهم فتاوى السلطان، والدعاية الكاذبة، والطمع الرخيص.

أجساد متشابهة، فاقدة الوعي، مسلوبة الإرادة، مجرد أدوات في يد طاغية، منهم من رضي أن يكون نعلاً أو سيفا أو بوقا، فكلهم أتباع وأذناب، أجساد بلا أرواح، وجود بلا ماهية، أشباح بلا إنسانية.
كل هؤلاء أمام عشرات يمثلون أروع وأنبل قيم التضحية والفداء لنصرة الحق.
هنا لب الصراع واللحظة الحاسمة في الاختيار:
أين يكون “الحُر” .؟
يكون رأسا وقائدا مع الكثرة التي ستغلب آنياً بعدتها وعتادها لا محالة، وينال الإمارة والحظوة عند السلطان .. يكون مع الباطل.؟
أم يكون مع القلة المؤمنة، مع “الحسين”، مع الفئة التي ستكون عاجلاً بين قتيل أو أسير، … يكون مع الحق ؟
ولماذا هذا أو ذاك ؟!
لماذا لا ينسحب في الظلام، يتوارى خلف ظله، يكون على الحياد، حيث المنطقة الدافئة: يخذل الحق، ولا ينصر الباطل، يتعامى عن دماء الأبرياء، يصمُّ أذنيه عن أنات الثكالى والجرحى والمعذبين، يتقوقع على نفسه، يخدعها ببعض احاديث الفتن، يستدعي كل نصوص الخذلان من أفواه علماء السلطان .. لا فرق بين أن يخدر نفسه ويغيب عن الوعي بتأثير الشهوات، بالشهوات، أو بالحجج الباطلة ومظاهر العبادة الجوفاء.!
وقف “الحُر” حائرا في مفترق الطرق، ولحظة الاختيار الحاسمة تقترب مع اقتراب جيش يزيد، ومع اقتراب انطلاق أول سهم تبدأ معه الفاجعة، وبعد تردد بين: نصرة الحق أو نصرة الباطل أو الحياد، أشرقت الروح، وصفا القلب، واستيقظ الضمير.
أطلق العنان لفرسه، لم يلتفت وراءه، لم يلوي على أحد، وانتقل من أمير في جيش “يزيد”، إلى جندي في صف سيدنا “الحسين”، انتقل من الأرض إلى السماء.
وما هي إلا لحظات، وبدأت المعركة، والتحم جيش الباطل مع أهل الحق، وتعفر وجه “الحُر” في التراب، وسالت منه الدماء، وارتفعت الروح حيث مستودع أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في السماء.
وتظل روح “الحر” تردد صداها على سمع الزمان: أيها الإنسان في كل عصر وأوان، وجودك يتحقق بالولادة، تتشابه فيها مع كل الخلق، أما ذاتيتك وماهيتك وإنسانيتك؛ فتتحقق بالاختيار.
ومن عجيب صنع الله لهذا النجم في سماء الإنسانية، أن ألهم الله أمه أن تسميه:
” الحُرْ “.

تعليق واحد

  1. ما أحوجنا لقراءة هذا التاريخ، فنحن فى زمن نرى ولا نبصر ونسمع ولا نعى ونفكر ولا نهتدى: أليست هى الفتنة بعينها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى