دنيا ودين

الحق في العدل : بين الحكم الرشيد الشورى واستقلال القضاء وإصلاح القضاة وصحوة الشعوب

 بقلم

 محمد أبو غدير المحامي

مقدمة :

العدل قيمة عظيمة فهو قوام الدنيا والدين  وسبب صلاح العباد والبلاد ، وقد فرض الله تعالى العدل على الفرد والأسرة والمجتمع لتوزّع به الأنصبة والحقوق، وتقدر به الأعمال والأشخاص ، إذ هو الميزان المستقيم ، ومن تعمد مخالفة العدل وقصد مُجانيته عرّض دينه للخبال وعمرانه للخراب وعزته للهوان  وكثرته للنقصان ،  وما من شيء قام على العدل واستقام عليه إلاّ أمن الانعدام وسلم من الانهيار ، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90 .

العدل أساس الحكم ، ولا حكم ألا بشورى ، ولا شورى ألا بحرية ، والقضاء طريق العدالة ولا ضمان لنزاهته إلا باستقلاله ، ويلزم لإصلاح القضاء المؤدي إلى الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد تحقق الثقافة الحقوقية الشرعية للقاضي ، وصحوة الشعوب وقوتها ضمانا لقيام العدالة الضمان ، حين يأبى الأفراد الظلم ولا يخشون إلا الله وتحرس الأمة العدالة ويفضح تعديات الظالمين عبر منظماتها المدنية المجتمعية .

أولا : مفهوم العدل ومنزلته :

أ – مفهوم العدل لغة واصطلاحا :

  1. معنى العدل لغةً :

العدل خلاف الجور ، وهو القصد في الأمور ، وما قام في النفوس أنه مستقيم ، مِن عَدَلَ يَعْدِلُ فهو عادل من عُدولٍ وعَدْلٍ، يقال: عَدَلَ عليه في القضية فهو عادِلٌ ، وبسط الوالي عَدْلَهُ ، (الصحاح في اللغة ) للجوهري ( 5/17602 .

  1. معنى العدل اصطلاحًا :

العدل هو: أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه ، ( الأخلاق والسير ) لابن حزم إنه .

وقيل هو: (عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا ، ( التعريفات ) للجرجاني .

وقيل هو : استعمال الأمور في مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير سرف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا تأخير)(تهذيب الأخلاق)? المنسوب للجاحظ .

وقيل العدل : إعطاء كل ذي حق حقه ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، من غير تفرقة .

ب – أهمية العدل ومنزلته :

  1. بالعدل يستتب الأمن في البلاد، وتحصل الطمأنينة في النفوس، ويشعر الناس بالاستقرار، وبذلك يُقضى على الكثير من المشكلات الاجتماعية والاضطرابات التي تحدث في الدول بسبب الظلم .

2 .  بالعدل يعم الخير في البلاد : فالعدل سبب في حصول الخير والبركة إذا كان منتشرًا بين الولاة، وبين أفراد المجتمع ، وهب بن منبه قال: إذا هم الولي بالعدل أدخل الله البركات في أهل مملكته حتى في الأسواق والأرزاق وإذا هم بالجور أدخل الله النقص في مملكته حتى في الأسواق والأرزاق) ( بدائع السلك ) .

3  . بالعدل يظهر رجحان العقل: سئل حكيم : مَن أرجح الملوك عقلًا، وأكملهم أدبًا وفضلًا ؟ فأجاب : من صحب أيامه بالعدل، وتحرَّز جهده من الجور، ولقي الناس بالمجاملة ، وعاملهم بالمسألة ، ولم يفارق السياسة، مع لين في الحكم، وصلابة في الحقِّ، فلا يأمن الجريء بطشه، ولا يخاف البريء سطوته ( بدائع السلك في طبائع الملك ) لابن الأزرق .

4  . العدل أساس الدول وبه دوامهما  : فبالعدل يدوم الملك، ويستقر الحاكم في حكمه، ومن الحكمة قالوا : أحقُّ الناس بدوام الملك وباتصال الولاية أقسطهم بالعدل في الرعية، وأخفهم عنها كلًّا ومؤونة، ومن أمثالهم: من جعل العدل عُدَّة طالت به المدة) (بدائع السلك ) لابن الأزرق .

ثانيا : لا عدالة إلا في حكم رشيد  يقوم على الشورى :

العدالة شأنها شأن كافة حقوق الإنسان لا تتمتع بها الشعوب خالصة ، ففي ظل السلطة الظالمة العدالة معدومة وإن منحتها فهي منقوصة ، ومن ثم فلا عدالة إلا في ظل نظام حكم رشيد يعدل بين الناس و يستعين بأهل الصدق والعدل ، ولا يقام العدل إلا في ظل نظام تسود فيه الشورى ، وفي ظل حرية سياسية تشيع التعددية والتسامح والحوار  ، وبيان ذلك في الآتي :

أ – العدل أساس الحكم  :

العدل والمساواة أساس الحكم و كل نظام غير عادل لا يقيم دولة قوية ولا يصونها ، ولا حياة لأي مجتمع دون العدل .

ويجب على الحاكم سواء كان رئيسا أو وزيرا أو مديرا أن يعدل بين الناس . وأن يستعين بأهل العدل ، وقد قال ابن تيمية ، بعد أن ذكر عموم الولايات وخصوصها : فأيُّ مَن عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل ، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان- فهو من الأبرار الصالحين، وأيُّ مَن ظلم وعمل فيها بجهل، فهو من الفجار الظالمين.

ويجب على ولي الأمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذَّر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل (مجموع الفتاوى.

ب – لا عدالة ولا مساواة إلا في نظام شوري  :

لا يقام العدل ولا تتحقق العدالة إلا في ظل نظام تسود فيه الشورى كمنهج تعليميي وتربويي وسياسي .

فالشورى صفة من صفات المؤمنين في الإسلام ، حتى إنها وردت في السياق القرآني الكريم بين ركنين عظيمين من أركان الدين هما : الصلاة والزكاة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].

وهذه الآية الكريمة توجب على المسلمين – كل المسلمين – حكام أو محكومين أفراد أو أسر أو جماعات أن يتخذوا  الشورى منهجا تربويا وتعليميا وسياسيا في حياتهم ، من أجل أن يتشاورون في أمورهم العامة و الخاصة لإقامة العدل وتحقيق مصالح العباد ، حتى لا يستبد فرد أو جماعة من الناس بالتصرف في أمر تعم به البلوى ، وتتأثر به مصالح الغالبية من الشعب .

ولا بقاء لحاكم مستبد في دولة تقام على الإسلام  ، قال الإمام القرطبي عن بن عطية : أن الشورى من قواعد الشريعة و عزائم الأحكام ، ومن لم يستشر أهل العلم و الدين فعزله واجب )

ج – ولا قيام للنظام الشورى إلا في ظل الحرية  التعددية والحوار :

لا تسود العدالة إلا في مجتمع يتسم بحرية إبداء الرأي وإقرار الحق في المعارضة للسلطة الحاكمة ونصحها ، وذلك واجب شرعي ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : ( لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم ) رواه مسلم  .

وحرية تشكيل أحزاب سياسية ضمان النصح للسلطة الحاكمة ومحاسبتها ، ولقيام العدل والمساواة  والمساهمة الفعالة في منع الفساد الإداري ، وتحقيق التنمية الشاملة .

د – كل دولة لا يكون طريق اختيار أهل الحل والعقد فيها  هو الانتخاب الحر فهي غير شورية : 

أهل الحل والعقد: هم الجماعة المخصوصة، الذين تختارهم الأمة من وجوهها المطاعين، ذوي العدالة والعلم والأمر العام، وبخاصة العلماء المشهورين ورؤساء الناس، وتتبعهم فيما ينوبون فيه عنها، من إقامة مقصود الإمامة، ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة ،

وطريقة تمييز أهل الحل والعقد هي الانتخاب من قبل العامة، المكلفين العدول ، ولا يجوز إلزام العامة بممثلين يعينهم رئيس الدولة أو غيره ممن لم تنتخبهم العامة.

ثالثا : عدالة القضاء رهن استقلاله وثقافة القضاة الحقوقية :

القضاء طريق العدالة ولا ضمان لتحقيق العدالة إلا عبر قضاء نزيه مستقل عن سلطات الدولة الأخرى ، وإن من مهام  القضاء العليا الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد ، ولن يتحقق هذا الإصلاح إلا أن يكون للقضاة ثقافة حقوقية تشمل ما حوت علية المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، وبعد إيمانه يقينا بحق الناس – كل الناس – في حرية الرأي والتعبير والاجتماع والتجمعات  السلمية ، وحق الإنسان في النصيحة والتجمع والمعارضة السلمية  ، وبيان ذلك في الآتي :

أ – لا ضمان لنزاهة القضاء إلا باستقلاله  :

المقصود باستقلال القضاء انحصار الوظيفة القضائية بالقضاء وعدم تدخل السلطتين التنفيذية و التشريعية ، وذلك بعدم التدخل بعمله من أية جهة كانت بغية توجيه عمل القاضي بطريقة معينة أو لتعرقل مسيرته أو لتعرض عن أحكامه .

ومن شواهد نزاهة القضاء واستقلاله في الإسلام أنه لا يتأثر بالشفعاء، ولا بالمودة والقرابة ، قال الله تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً. ) سورة النساء : 105

ومن مظاهر استقلال القضاء عن سلطة الحكم عدم جواز عزل القاضي بدون سبب مبيح لذلك ، ومن ثم يكون القاضي في منأى من التعرض لأي نوع من أنواع التأثير الذي قد تقوم به السلطة التنفيذية .

وأن اشتراط الفقهاء في القاضي الاجتهاد يعني أنه يجتهد في القضايا التي لا نص فيها ، ومن ثم لا يجوز لأحد مهما كان أن يلزمه أن يحكم بغير اجتهاده .

إن استقلال القضاء مرهون بالقضاة أنفسهم ، فإذا أرادوا الاستقلال توجب عليهم العمل على تحقيقه من خلال حيادهم و التزاماتهم الوظيفية

ب – الثقافة الحقوقية الشرعية لازمة لإصلاح القضاء :

ولا بد من أن يكون للقضاة ثقافة حقوقية تشمل ما حوت علية المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، وبما لا تتعارض ما قرره الكتاب والسنة من حقوق وتطبيقاتها في ظل الخلافة الراشدة والتي نوجزها في الآتي :

الإحاطة الكاملة بعدل الشريعة الإسلامية ومساواتها بين العباد ، ووسائلها في تحقيق الكفاية للشعوب وإقامة العدالة ونشر الأمن والقضاء على الفساد في ربوع البلاد  .

تعريفهم بحقوق الإنسان عامة وحقوق المتهم خاصة ، وأهما حظر التعذيب ورفض أي اعتراف ناتج عن سلب الإرادة سلب الرضا أو الاختيار معاً .

إيمان القضاة بحق الناس – كل الناس – في حرية الرأي والتعبير والاجتماع والتجمعات  السلمية ، وحق الإنسان في النصيحة والتجمع والمعارضة السلمية  .

تقوية برامج إعداد القضاة وتأهيلهم وتعميق جانب الثقافة القضائية ، لتحقيق مزيد من وعي القضاة بحقوقهم ، ليساعدهم ذلك على تجسيد مبدأ استقلال القضاء ، وبغير ذلك يصبح فيها القضاء سلاحاً من أسلحة تثبيت الاستبداد وتشريع الجور والتخلف والفساد .

ج . ثمرات القضاء النزيه الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد : 

إذا تحقق  استقلال القاضي وتأهيله وتخصصه ، فضلا عن إصلاح منظومة التشريعات على النحو السالف بيانه يلعب دورا كبيرا وفعالا في محاربة الفساد ، وبيان ذلك في الآتي :

  1. يلعب القضاء الإداري دور كبيرا في محاربة الفساد باعتباره الحامي للحقوق الأساسية والحريات العامة ، وذلك من خلال الرقابة التي يمارسها على مشروعية أعمال الإدارة حال الطعن على القرارات الإدارية المشوبة بعيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها ، والذي يتمثل في الغلو في توقيع العقوبات التأديبية ، واتخاذ النقل المكاني والنوعي وسيلة للتشفي والانتقام ، واستعمال نزع الملكية لغير أغراض المنفعة العامة ، وتخطي الأجدر والأكفأ في التعيين والترقية بالوظيفة العامة ، والمحاباة في شغل الوظائف العليا ، وغير ذلك .
  2. والقضاء الدستوري هو الحامي للشرعية الدستورية عن طريق ممارسته للرقابة على دستورية القوانين ، وإبطال التشريعات المخلة بالحقوق الأساسية أو المبادئ الدستورية العامة ، وذلك لتأكيد سيادة القانون في الدولة ، وإيجاد بيئة مناسبة لمكافحة الفساد التشريعي الذي ينعكس حتما على صور الفساد الأخرى.
  3. كما يلعب القضاء الجنائي الدور الأكثر فاعلية في مكافحة الفساد من خلال الملاحقة الجنائية لمرتكبي هذه الجرائم ، بحسبان أن هذه الملاحقة يتحقق عن طريقها الردع الخاص لمرتكبي جرائم الفساد ، والردع العام لغيرهم ممن قد تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم

رابعا: صحوة الشعوب وقوتها ضمانا لقيام العدالة :

الضمان الأول لقيام العدالة هي الإنسان ذاته حين يأبى الظلم ولا يرضاه ويتمسك بكافة حقوقه ولا يخش إلا الله ، ويفضح تعديات الظالمين أمام الرأي العام المحلي والدولي وعبر كافة وسائل الأعلام ، والأمة تحرس العدالة عبر منظماتها المدنية المجتمعية ، فكل مجتمع يفرط في وحدته وارتباطه ، ويترك فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا ينتزع حقوقه وحرياته ، ولن يدفع الظلم عن نفسه  ومن باب أولى لن يفلح في تحقيق العدالة لغيره ، وبيان ذلك في الآتي :

أ – الفرد هو الضمان الأول لقيام العدالة :

وأول ضمان العدالة والمساواة هو الإنسان نفسه ، فيجب عليه أن يأبى الظلم ولا يرضاه أبدا وان يتمسك بكافة حقوقه ولا يخش إلا الله ، وعليه أن يصرخ رافضا أن تنتقص حقوقه أو أن يحرم مستحقاته، فخير للمرء ، وقد روى عَن عبد الله بن عَمْرو ، عَن النَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – قَالَ : ” إِذا رَأَيْتُمْ أمتِي تهاب الظَّالِم أَن تَقول : إِنَّك ظَالِم . فقد تودع مِنْهُم ” .

ويجب على ألإنسان أن يفضح الظالمين أمام الرأي العام المحلي والدولي ، فيفضح وقائع التعدي علي الحقوق عبر وسائل الأعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية ، ويبلغ مراكز وهيئات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية بذلك .

ب – والأمة تحرس العدالة عبر منظماتها المدنية المجتمعية :

فكل مجتمع لا يتآزر بقوة الوحدة والارتباط ، ويهجر التذكرة والنصيحة ، ويترك فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلن يستطيع أن ينتزع من الطغاة المستبدين حقوقه وحرياته ، ولن يتمكن من دفع الظلم عن نفسه  ولن يفلح في تحقيق العدالة لغيره .

وتقوم الأمة بحراسة العدالة عامة واستقلال القضاء خاصة ، عبر تفاعل جماعات المجتمع المدني الأهلية ،  فمن حق الأمة تكوين جمعيات وجماعات ونشاطات تحمي مصالحها ، عبر وسائل الثقافة والإعلام، وتقوم بموجبها بالتعبير عن إرادتها عبر التجمع والتظاهر والاعتصام ونحوها من الوسائل السلمية .

وبهذه المنظمات تكون الأمة قادرة على إجبار الحكومة على الإذعان لإرادتها ؛ وبها تحرس استقلال القضاء، ولن يسند استقلال مجلس النواب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى