تقارير وملفات إضافية

الجيش الأمريكي في ورطة بسبب كورونا! أهمُّ حاملة طائرات موبؤة، لكن ما العمل؟

يشتهر الجيش الأمريكي بقدرته على إبراز قوته حول العالم، تحت لواء
شعارات تستهدف عادةً بثّ الخوف في قلوب خصومه. وتشمل تلك الشعارات: “جاهزون
للقتال الليلة” الذي استخدمته القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، و
“طوارئ أمريكا” الذي تستخدمه وحدات مشاة البحرية، وتطول القائمة.

لكن العدو الآن هو فيروس كورونا الجديد، الذي ضرب في الأعماق. إذ
تأثّر به أكثر من 1200 عسكري وأفراد عائلاتهم، مما عطّل أحد مظاهر قوة الجيش
الأمريكي الضاربة -حاملة الطائرات النووية- وترك وزارة الدفاع في حالة تُشبه الحرب
ضد نفسها بسبب التنافس بين غريزتين: غريزة حماية الجنود من الفيروس، وغريزة مواصلة
مهمة تسيير الدوريات حول العالم المُستمرة منذ عقود والمشاركة في القتال إذا تطلّب
الأمر، بحسب تقرير لصحيفة New York Times الأمريكية.

وترفض البحرية حتى الآن إخلاء حاملة الطائرات بالكامل، حيث تأكّدت
إصابة 93 من رجال الخدمة عليها بعدوى فيروس كورونا. ويقف وزير الدفاع مارك إسبر
إلى جانب استمرار الأعمال كالمعتاد بالحفاظ على الجاهزية، مع التأكّيد على أنّ
الحماية بالقوة هي أولويةٌ قُصوى. أما الرئيس ترامب من جانبه، فقد وجّه تهديداته
إلى عدوٍ مُعتاد حين نشر تغريدةً يوم الأربعاء الأول من أبريل/نيسان، قال فيها إنّ
إيران “ستدفع ثمناً غالبياً جداً” في حال هاجم وكلاؤها القوات والأصول
الأمريكية في العراق. وواصل مسؤولون آخرون في وزارة الدفاع تأكّيدهم على أنّ حاملة
الطائرات، ثيودور روزفلت، لا تزال جاهزةً لتنفيذ المهمات.

وأشار قائد حاملة الطائرات، النقيب بريت إي كروزر، في خطابٍ شديد اللهجة إلى “أنّنا لسنا في
حرب”. وأثار ذلك التصريح تساؤلات، من المُحيط الهادي وصولاً إلى البنتاغون،
حول السبب شديد الأهمية الذي يستدعي وجود حاملة الطائرات قبالة ساحل غوام لدرجة
أنّ وزارة الدفاع لم تستطع إجلاء السفينة وإجراء عملية تعقيم شاملة كما اقترح
النقيب كروزر.

وقال ديريك شوليه، مُساعد وزير الدفاع السابق: “الجيوش صُنِعَت
لتتحرك، لكن ذلك يتعارض مع ضرورة بقاء الجميع في أماكنهم الآن. ورغم تحوّل تهديد
كوفيد-19 إلى أولوية، فهذا لا يعني اختفاء التهديدات الأخرى أو استسلام
الأعداء”.

وتقضي سُفن الحرب الأمريكية عادةً شهوراً طويلة في البحر لمراقبة
أنشطة الخصوم. إذ تُجري السفن المُخصّصة لأسطول المحيط الهادئ دوريات في بحر الصين
الجنوبي، وبحر الصين الشرقي، والمناطق الواقعة بينهما. كما يُنفّذ ذلك الأسطول
أحياناً عمليات حرية الملاحة المزعومة التي تُقرّبه من الجُزر المُتنازع عليها في
المنطقة. وتهدف تلك الرحلات إلى التأكّيد للصين على أنّ الولايات المتحدة لا تعترف
بمطالبات بكين بتلك الجزر.

كما تُبقي سفن الحرب الأمريكية في المنطقة أعينها على التهديد
الصاروخي والنووي من كوريا الشمالية. فضلاً عن جاهزيتها للإنزال في بحر العرب
والخليج حال اشتعال التوترات -مع إيران مثلاً.

ولكن في الوقت الحالي، أثبت الفيروس أنّه أكثر تدميراً من أي مواجهةٍ
ضد الخصوم المُعتادين مؤخراً، كما كشف عن نقطة ضعف القوة التي يُشار إليها عادةً
بأنّها شرطة العالم. فرغم التركيز الكبير على المعارك في أفغانستان والعراق وسوريا
واليمن، وصراع النفوذ ضد الصين وروسيا، لكنّ كافة تلك التهديدات لم تستطع شل حركة
حاملة طائرات أمريكية في غضون أيام.

وأوضح جيمس ستافريديس، الأميرال المتقاعد والقائد السابق لقوات
الناتو: “لن نُحقّق الجاهزية للمهمات بدون بحارةٍ أصحاء”. لكنّه أضاف
أنّ البحرية لا تستطيع ببساطة إعادة الحاملة إلى الشاطئ وإنزال طاقمها بالكامل:
“هذه الحاملة مليئةٌ بالأسلحة، والمعدات التي تصل تكلفتها إلى مليارات
الدولارات وهي قابلة للاشتعال، فضلاً عن المفاعلات النووية”.

وحتى يوم الأربعاء، جرى نقل نحو ألف شخص من أفراد طاقم روزفلت الذي
يصل إلى 4800 شخص، وهو رقمٌ من المُتوقّع أن يتضاعف خلال الأيام المُقبلة.

وقال رئيس العمليات البحرية الأميرال مايكل غيلداي يوم الأربعاء إنّ
البحرية سيتعيّن عليها إبقاء طاقمٍ أساسي من نحو ألف شخص لمراقبة المفاعلات
النووية، وحراسة الطائرات الحربية، ومواصلة تشغيل السفينة.

ولكن ذلك ربما يُوقف حاملة الطائرات عن العمل لمدة أسابيع، وربما
شهور.

في حين قال القائم بأعمال وزير البحرية توماس مودلي للمراسلين يوم
الأربعاء، إلى جانب الأميرال غيلداي: “لن يُحَلّ الأمر في غضون الأيام
المُقبلة. بل سيستغرق بعض الوقت”.

ويدور السؤال الآن حول ما إذا كانت القوات البحرية ستُرسل المزيد من
السفن إلى المحيط الهادئ، لتعويض غياب حاملة الطائرات المُتمركزة في الميناء قبالة
غوام.

وروزفلت هي واحدةٌ من أصل 11 حاملة طائرات تملكها البحرية. ولكن
البحرية تنشر فقط ثُلث عدد تلك السفن الضخمة في الوقت نفسه، أما الثلث الآخر
فيتجهّز للجولات البحرية التي تتراوح بين ستة وثمانية أشهر، ويخضع الثلث الأخير
للصيانة بعد إنهاء عمليات النشر.

وتُوجد أربع حاملات طائرات مُنتشرة حالياً. منها أيزنهاور وترومان
المتواجدة في الخليج العربي، للدلالة على عزم الولايات المتحدة وسط التوترات
المتزايدة مع إيران ووكلائها الشيعة في العراق، الذين نفّذوا هجمات صاروخية قاتلة
ضد القوات الأمريكية في العراق.

وتنضم إلى روزفلت في غرب المحيط الهادئ حاملة الطائرات رونالد ريغان،
وهي متمركزةٌ قبالة يوكوسوكا في اليابان.

وبالنسبة للجيش، تكمن المشكلة الرئيسية في أنّ انتشار الفيروس يزيد
صعوبة مواصلة التدريبات والمهمات. إذ شهدت المواقع العسكرية الأمريكية حول العالم
تعليق القادة لعمليات التدريب مع القوات المحلية، كما فرضوا تدابير لتطويق الجنود
وحمايتهم من التهديد. ومع ذلك، فإنّ هذه الخطوات هي مُجرد تدابير منقوصة لأنّ رجال
الجيش يعيشون في مساحات مُشتركة -وخاصةً القوات المُنتشرة خارج الولايات المتحدة.

وتتفاقم تلك المشكلة تحديداً لدى القوات البحرية. إذ إنّ كل سفينة
-مع مناطق الرسو المحصورة والقاعات الفوضوية والحمامات المشتركة والمساحات الضيقة-
هي بمثابة زنزانة ضيقة يستحيل تطبيق التباعد الاجتماعي داخلها تقريباً.

وقال مودلي: “بمجرد دخول الفيروس سفينةً من هذا النوع، فلا مفّر
من انتشاره”. وأضاف أنّ حاملة الطائرات روزفلت هي السفينة الوحيدة التي
تُعاني من الفيروس، من أصل 90 سفينة مُنتشرة حالياً. فضلاً عن أنّ المناقشات جارية
حول احتمالية الحاجة إلى إضفاء المزيد من التعديلات على العمليات مستقبلاً.

وقدّم مسؤولون حاليون وسابقون في البحرية تقييمات مُتضاربة حول كيفية
تعامل قيادتهم مع الأزمة المكتشفة على متن روزفلت. إذ أشار البعض إلى أنّ حاملة
الطائرات انسحبت إلى الميناء سريعاً لتسهيل إجراء برنامج اختبارات واسع النطاق،
وتوفير آليةٍ أكثر أماناً لنقل البحارة المُصابين خارج السفينة.

في حين قال الأميرال سكوت سويفت، القائد السابق لأسطول المحيط
الهادئ: “نظام تقييم المخاطر، المُتأصّل في العمليات العسكرية، يعمل
كالمعتاد. والتحديات التي نُواجهها جميعاً هي نطاق وحجم تأثير الفيروس”.

لكن آخرين حذّروا من أنّ الاستجابة كانت ضعيفة، وأنّها هدّدت
الجاهزية القتالية للكثير من السفن الحربية البحرية.

وأوضح شون أوكيف، وزير البحرية السابق، في إشارةٍ إلى السفينة السياحية التجارية التي أُصيب المئات من
ركابها
:
“فكّروا في السفينة دايموند برنسيس، واضربوا ذلك الرقم في 10. ليست هناك
وسيلةٌ فعّالة لفصل أعداد كبيرة من أفراد الطاقم قبل أن يجول الفيروس في السفينة
بأكملها. ولسنا بحاجةٍ إلى خيالٍ واسع لنُدرك أن أسطول البحرية الأمريكية المُنتشر
يُمكن أن يُصاب بالشلل في غضون ستة أسابيع، إذا عجزت الخدمة البحرية عن التوصّل
إلى استراتيجية احتواء فعّالة”.

وأعرب قادةٌ آخرون عن مخاوفهم حيال احتمالية أن يرى الخصوم في حاملة
الطائرات المُصابة فرصةً للإضرار بالولايات المتحدة، أو المصالح الأمريكية، في وقتٍ
استنزفت خلاله مكافحة فيروس كورونا جهود البنتاغون وإدارة ترامب.

وقال نائب الأميرال ويليام دوغلاس كراودر، القائد المُتقاعد للأسطول
السابع ونائب رئيس العمليات البحرية السابق: “ما يُثير قلقي هو الإشارات التي
ستصل إلى الصينيين والكوريين الشماليين والروس بسبب هذ الأمر، وربما يرونها فرصةً
يُمكن استغلالها. ولكنّهم بذلك سيُخطئون في تقدير قدرتنا على الاستجابة”.

وتُعاني الأفرع الأخرى في الجيش من مشكلاتها الخاصة أيضاً. إذ أقر
الجنرال ديفيد غولدفين، رئيس أركان القوات الجوية، في مؤتمرٍ هاتفي مع المراسلين
يوم الأربعاء بأنّ الأمر “يُؤثّر على جاهزية القوات”.

إذ باتت مُقاتلات القوات الجوية تُسيِّر مهمات وتُجري عمليات تدريب
أقل، وتعمل بدوريات وأطقم مُقسّمة لتقليل تعرّض القوات للفيروس. وقال العميد
إدوارد توماس، المتحدث الرسمي باسم القوات الجوية، إنّ المهمة النووية للقوات
الجوية لم تتأثّر. وأردف أنّ أطقم الصواريخ جرى تقسيمها وعزلها وحمايتها، وجميعها
تعمل على أتم وجه.

واختتم توماس حديثه قائلاً: “إذا اعتقد خصومنا أنّ دفاعاتنا
باتت أضعف، فسيكون ذلك سوء تقدير له عواقب فادحة”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى