آخر الأخبارالأرشيف

التوحّش ضد اللاجئين والهندسة السياسية الجديدة للعالم الغربى بعد وصول اليمين المتطرف الى الحكم فى بعض البلدان الأوروبية

تقرير اعداد
فريق التحرير

 

تجدر الإشارة بداية إلى عدم وجود اتفاق واضح حول تعريف جامع لليمين الراديكالي أو المتطرف، وإن كان هناك شبه اتفاق حول الخصائص والسمات المشتركة لهذه الظاهرة؛ إذ يشكل العداء للأجانب، ورفض الأقليات وفكرة التعددية الثقافية والدفاع عن هوية إثنو–وطنية وعن التقاليد القومية التاريخية والدعوة إلى الحد من الهجرة، القاعدة المشتركة لأي برنامج سياسي لحزب يميني متطرف. كما تشترك هذه الأحزاب في موقف موحد تجاه الحد من الهجرة، بحيث تصور المهاجرين في صور عدة، منها تهديد الهوية الإثنو–وطنية والتسبب في البطالة والجريمة، وغيرها من مظاهر غياب الأمن الاجتماعي واستغلال ما توفره دولة الرفاه.
الواقع أن هذه الأحزاب فى الوقت الحاضر لم تعد ظاهرة هامشية في المشهد السياسي الأوروبي، بل إنها أصبحت ذات ثقل شعبي معتبر، وطرفا ثابتا في المعادلات الانتخابية، وفاعلا سياسيا يتزايد تأثيره في صياغة الرأي العام الأوروبي خاصة بعد تفشى ظاهرة الهجرة غير الشرعية وموجات الإرهاب التى تضرب المدن الأوروبية، ولا تجرؤ هذه الأحزاب عادة على المطالبة الصريحة بنظام مؤسسي غير ديمقراطي، لكن أبرز قواسمها المشتركة هو نفورها من النظام الديمقراطي وعداؤها للطبقة السياسية التقليدية، ومواقفها في هذا الميدان تميل غالبا إلى تبنى خيارات نيوليبرالية تعارض أي دور للدولة في إعادة توزيع الثروة أو توجيه دفة الاقتصاد، كما تتجلى نزعتها اليمينية عبر صراعها مع قوى اليسار
شيوعية واشتراكية، وينطلق مفهوم الوطنية هنا من منظور عرقي -عنصري أحيانا- يميل إلى إقامة فكرة المواطنة على أساس القرابة الدموية، كما يمتاز الخطاب الوطني لدى هذه الأحزاب بصياغته العدوانية ونزعته الإقصائية التي تكشف طبيعته الشوفينية واعتماده على فكرة النقاء التاريخي، وتنحو بنشاطاتها منحى شعبويا ديماغوجيا في الشكل والمحتوى
وهو ما يظهر في ميلها المفرط إلى الصدام والمواجهة مع القوى السياسية التقليدية، وسعيها لاستغلال مشاعر القلق وعدم الرضا لدى المواطن العادي، ويبدو أنها وجدت ضالتها في موضوع الهجرة متخذة من التحريض ضد المهاجرين والأقليات المحور المركزي لإستراتيجيتها الدعائية ولها موقف مشترك “على العموم” ضد المسلمين وهاجسها يتجلى فيما يعرف بالإسلاموفوبيا حتى انهم ذهبوا بعيدا لاقتراح منع المسلمين بالذات من الهجرة الى الى الاتحاد الاوروبي وغلق الابواب بوجوههم نهائيا وهو ما جاءت ترجمته فى مواقف ترامب الأخيرة، لذا فإن الهاربين من الجحيم في الشرق الاوسط، وجدوا انفسهم في موقع الاتهام في اي مآساة تحدث في البلاد التي حلوا فيها، ومع كل هجوم إرهابي، فإن اليمين الأوروبي يعمد لتحميلهم المسؤولية عن هذه الجرائم، عن طريق التعبئة الإيديولوجية، وإثارة إشكالات حول جذور العنف في الإسلام و”الإرهاب الإسلامي”، وعدم قابلية الإسلام للإندماج مع الثقافات الوطنية الأوروبية ومناعة الإسلام ضد العلمنة ومعارضة القيم الإسلامية للقيم القومية الأوروبية، إن الصعود المسجل الآن لا يمثل نجاحا لهذه الأحزاب بقدر ما يعتبر فشلا لطبقة سياسية أصابها الترهل ونال منها الفساد، وعرضا لمأساة مجتمعات أوهنتها الشيخوخة وتعرضت لأزمة قيم واتخذت من القلق الاجتماعي، والاستياء السياسي، والتردي الاقتصادي والمخاوف حول مستقبل الهوية “الإثنو- وطنية” أساسًا لإنتاج خطابها.
تناظر اليوم العالمي للاجئين في العالم مع مجموعة من القرارات والتصريحات والأحداث التي لا تصبّ في صالح اللاجئين أبداً.
كان معبّرا كثيراً أن تظهر شرائط الفيديو والصور المؤثّرة لأطفال المهاجرين إلى أمريكا الذين فصلوا عن عائلاتهم ووضعوا في معتقلات على شكل أقفاص حديد كبيرة مثل الحيوانات، نتيجة قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثير للجدل والذي تلخّصه تغريداته المحقّرة والمجرّمة للمهاجرين، رغم أنه هو نفسه حفيد مهاجر من ألمانيا.
جدير بالتأمل إن هذا القرار، وتلك الصور المؤثرة، أدّت لغضب سياسي كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن الديمقراطيين والجمهوريين معا.
لكنّ قرارا أكثر توحّشاً صادرا في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، المجر، يجرّم المنظمات غير الحكومية التي تساعد المهاجرين، حظي بتأييد 160 نائباً مقابل 18 وهو ما يعني أن هناك اتجاها شعبياً كاسحاً في ذلك البلد للتعامل مع المهاجرين ومن يساعدهم على أنهم مجرمون.
أما في إيطاليا، وهي البلد التي نشأت فيها النهضة الأوروبية وديمقراطية المدن الأولى، فإن ماتيو سالفيني، وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، يريد إقامة «إحصاء استثنائي» للغجر لطرد من ليس يحمل الجنسية منهم، مضيفاً إن من يحملون الجنسية «للأسف» بإمكانهم أن يبقوا!
وهذا التصريح يدلّل على أن الاتجاه الفاشي والعنصري الذي يمثّله سالفيني هو مشروع للاستئصال الداخليّ ضد الأديان والإثنيات «غير المتجانسة» (وهو مصطلح ابتدعه الرئيس السوري بشار الأسد)، يستعيد الاتجاهات النازية والفاشية لثلاثينيات القرن الماضي.
الضعف الكبير الذي عاناه تيار اليمين المتطرف بعد سقوط ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية القرن الماضي، يبدو أنه بدأ باستعادة أمجاده، عبر الاستيلاء على الحكم في أكثر من بلد أوروبي.
فهناك فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، وهاينز كريستيان شتراخه فى النمسا ، والتحالف الجديد الحاكم في إيطاليا الذي تشاركت فيه الرابطة اليمينية للشمال وحركة النجوم الخمس، إضافة إلى تسجيل أحزاب أخرى نجاحات انتخابية كبيرة كما هو حال «البديل» الألماني (الذي استعار وزير الداخلية الألماني الآن خطابه ضد المهاجرين ودخل في مواجهة مع المستشارة أنغيلا ميركل)، و«الحرية» الهولندي، و«الجبهة الوطنية» الفرنسية التي نافست زعيمتها على رئاسة الجمهورية، وكذلك حزب «يوكيب» البريطاني الذي قلب موازين القوى وأدت اندفاعته الشعبية الكبيرة لنجاح استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وشارك زعيمه نايجل فراج في دعم صعود دونالد ترامب، الذي يعتبر، عمليّاً، الراعي الكبير لهذا الاتجاه الشعبوي الكاسح في أوروبا.
كراهية هذا التيار اليميني المتطرف للمهاجرين، وللأقليات الإثنية والدينية (وخصوصا المسلمين)، تتناظر مع ميل متعاظم للاستبداد والحكومات الشمولية الطاغية، (في بلدانهم نفسها، كما حصل في المجر)، وهو ما يفسّر هذه الجاذبية الكبرى التي تمثّلها روسيا، والعلاقات المتزايدة، السياسية والمالية، بين الكرملين، وتلك النخب والأحزاب كما يفسّر هذا الغرام بالتعامل مع الطغاة والجنرالات.
كما هو الحال مع الأسد، الذي لا تنفكّ وفود تلك الأحزاب عن زيارته، وعبد الفتاح السيسي، الذي قامت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي بزيارته وامتداح سياساته، وصولاً إلى قادة الإمارات (والسعودية، الضيف المستجدّ على نادي «الأقوياء» بقيادة وليّ العهد محمد بن سلمان).
وهؤلاء انقلبوا، في عين ساسة اليمين واللوبيات الإسرائيلية، من متخلفين، كما كانت التنميطات العنصرية الإعلامية الغربية تصورهم، إلى قادة حداثيين ورواد تقدم ومدافعين عن المرأة!
صعود اليمين المتطرّف الغربي هو إذن مشروع جديد متكامل، وإذا كانت خطورته وبطشه موجهين نحو المهاجرين، فإن طموحاته تتجاوز أولئك، الذين هم كبش الفداء، إلى إعادة هندسة سياسية جديدة لفضاء العالم الديمقراطي تسير به نحو جولة جديدة من العنف والحروب والانقسامات الكبرى.
 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

تعليق واحد

  1. هذه المقاله دراسه نموذجيه لما الت اليه السياسه في الغرب وستكون نتائج مما رساتها ذات تاثير علي المدي القريب والبعيد نتاءج كارثيه فعلي المدي القريب سيقومان باصدار تشريعات وقوانين تعمل علي زيادة سيطرة اجهزة الدوله علي مقدرات الأمور وممارسات الاجانب سواء الدينيه وهذا خاص بالمسلمين او العمل بالنسبه للجميع وتجميد او تعطيل تقديم الخدمات التي تؤديها الدوله بحيث يختص بيها مواطنيها دون اللاجئين او الوافدين سواء السكن او اعانة العاطلين او في الحصول علي وظاءف وهكذا وقد بدأ تقليل اعداد مدرسين الدين في المدارس بوضع عراقيل وصعوبات للدخول في المعاهد التي تخرج مدرسي الدين وبذلك يجففوا مصادر تدريسه بعدم وجود المدرسين علي سبيل المثال ومما لا شك فيه انه لابد من ايجاد تنظيمات مدنيه متخصصه في المجالات المختلفه التي يجب ان تتصدي لمثل تلك الممراسات بالقانون والتي يجب ان تدار من خلال متخصصين في السياسه والاجتماع ووساءل الاعلام والقانون بحيث تفشل ما يخططون بالطرق القانونيه طبقا لكل دوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى