آخر الأخباركتاب وادباء

التواصل الاجتماعي قبل ثورة الاتصالات

من ذاكرة اسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس/ محمود صقر

09/05/2021
في الستينيات والسبعينيات كان لا يوجد في بيت الأميرة شهرزاد راتب بحي اللبان رقم 33 شارع باب الكراستة بشققه الثمانية عشرة تليفون أرضي سوى تليفون واحد في بيت الأستاذ مبارك، في هذا الوقت كانت صينية القلل تتربع على عرش النوافذ حتى أزاحها زحف دخول الثلاجات للبيوت، ثم بدأ صوت الراديو يختفي رويدا رويدا تحت زحف دخول التليفزيون لكل بيت.
في ذاك العصر والأوان؛ كل رجال البيت، إلا ما ندر، كانوا موظفين بالحكومة، بين مدرسين وموظفين في الجمرك وشركة الورق الأهلية والملح والصودا وجهاز الشرطة وغيرها، ونادر منهم من كان يمارس مهناً حرة، وكل الزوجات سيدات بيوت (يعني باللغة التركية “هوانم“) إلا سيدة واحدة كانت تعمل مدرسة، ونمط الحياة وإيقاعها بطيء ومكرر، الرجال صباحا في وظائفهم الحكومية، ويعودون وقت العصر حاملين الجريدة في يد، وفي الأخرى بطيخة أو شمامة أو كيس فاكهة من الورق الكرتون الكاكي، وكانوا في عمومهم من البيت للشغل ومن الشغل للبيت، نادرا ما يخرج منهم أحد خارج البيت إلا لزيارة أقاربه على فترات متباعدة أو لأداء واجبات اجتماعية، ولم يكن منيه الجلهم من يستهووس في المقاهي، وحتى الخروج الأُسري للتنزه كان محدودا، ولم تكن شوارع إسكندرية بهذا الصخب الذي نراه اليوم، ومعظم المحلات تغلق أبوابها بين الثامنة والعاشرة مساء، ويبقى فقط بعض المقاهي حتى منتصف الليل، ويستمر في السهر أكثر منهم بقايا خمارات شارع السبع بنات، وكان رجال البيت يستعيضون عن السهر في المقاهي بجلسات سمر أو لعب طاولة وكوتشينة في أحد البيوت، وكان بيت عم “سليمان” ونينة “زكية” هو البيت المختار دائما لأنهما لم يرزقا بأبناء، وكانا أكبر السكان سناً، وحتى هذه الجلسات كان روادها محدودين؛ فالغالبية كانوا لا يخرجون من بيوتهم بعد العودة من أعمالهم وينامون مبكرا.

ولأن معظمهم موظفي حكومة وليسوا من أصحاب الأعمال وحركتهم محدودة؛ فلم تكن لهم حاجة ماسة لوجود التليفون، وكان تليفون الأستاذ “مبارك” يؤدي خدمة البلاغات المستعجلة أو الطوارئ لسكان العمارة، والتي لا تؤديها الخطابات الورقية التي تستغرق أياما، وغالبا ما كانت هذه البلاغات الطارئة خبر وفاة أحد الأقارب في أماكن عائلاتهم المنحدرين منها من محافظات مصر.
كانت عدة التليفون سوداء ثقيلة الوزن بقرص معدني فضي، وكان الأستاذ “مبارك” حال خروجه من منزله يضع قفلا على القرص المعدني ويأخذ المفتاح معه لضمان عدم استخدام التليفون في غيابه، ولكن الأولاد لا يستعصي عليهم قِفل، والحاجة أم الاختراع، فكانت بِنسة الشعر المعدنية السوداء تقوم مقام المفتاح، وبعد الاستخدام يعود القفل كما كان.!
وربما الجيل الحالي الذي لا يفارق الهاتف يده يتساءل عن البشر المساكين الذين لم يدركوا هذا الاختراع العجيب، وكيف كانوا يتواصلون فيما بينهم؟!
كنا نحن أبناء هذا الجيل يستدعي بعضنا بعضا بالصُفَّارة، نطلقها من السلم أو من حوش البيت أو من الشارع تحت البلكونة، تنطلق صفارة من حركة لسان داخل الفم وأحيانا تكون مصحوبة بإصبع أو إصبعين من أصابع اليد، تنفتح على إثرها الأبواب والشبابيك، ومعلوم صوت كل صفارة والصديق المقصود من ورائها، أو الذهاب مباشرة للصديق والطرق على بابه، وكان الصديق جزءا من عائلة صديقه، يعرفونه ويعرفون أصله وفصله، وربما بعد تجشم عناء المشوار لا يجد أحدا في المنزل، فيترك على الباب قصاصة ورق مكتوب عليها: (حضرت ولم أجدكم؛ أخوكم …).


وفي حال الاضطرار للتواصل بين أحد أفراد الجيران وأحد أقربائه في الأقاليم، يذهب لسنترال المنشية؛ حيث كان أقرب مكان لإجراء الاتصالات الدولية أو بين المحافظات، وبخلاف ذلك كانت الخطابات الورقية هي وسيلة التواصل التقليدية بين السكان وأقربائهم في الأقاليم، وصوت البوسطجي في الحوش وهو ينادي: (بوسطة)؛ ثم يعلن أسماء من لهم خطابات، كان صوتا تقليديا يتكرر مرات في الأسبوع، أو يوزعها في صناديق بريد ثابتة في بعض العمارات.
أما الرسائل الغرامية فكانت تسلم يدا بيد أو عبر وسطاء، ومن أطرف رسائل الغرام، تلك الرسالة التي زيلها أحد أصدقائنا لحبيبته بقوله: (بحبك؛ يا أغلي من أمي وأبويا) ووقعت الرسالة في يد أبيه، وانهالت عليه الأيدي والشباشب، وأمه تصيح في وجهه: (أغلى من أمك ليه يا … هي كانت بترضعك.!)
ومع تبادل الخطابات ظهرت هواية جمع الطوابع، وكنت من هواته منذ كنت في المرحلة الابتدائية، وتكونت عندي مجموعة قيمة من مشترياتي ومن هدايا الجيران والمدرسين، وكان في شارع سعد زغلول قرب التقائه بشارع صفية زغلول محل صغير لبيع طوابع البريد ولوازمها من ألبومات اسمه (عالم الطوابع)، وكنت زبونا دائما عنده بما تيسر مما وفرته من المصروف، وبدأت بالاشتراك مع زميلي “محروس” في مدرستنا الابتدائية (الشهيد عبد المنعم سند) مقابل مدرسة الباب الأخضر في شارع السكة الجديدة، بدأنا نبيع ونشتري طوابع البريد ونكسب من ورائها فائضا يكفي لإشباع رغبتي في شراء الطوابع النادرة، واشتريت ألبومين جمعت فيهما تلك الطوابع، ثم توقفت في سن مبكرة عن الاستمرار في تلك الهواية التي انقرضت مع انقراض عادة الرسائل المكتوبة، واختفى محل عالم الطوابع وأمثاله، وكدت أن أنسى تلك الفترة، وبعد سنوات من انتقالي بالزواج من بيت أمي، ثم مغادرتي مصر للعمل بالخارج وبعد ما يقرب من أربعين عاما من تركي لهذه الهواية، ذكرتني أمي بالطوابع، ثم نهضت إلى غرفتي القديمة، وفتحت درج مكتبي القديم واستخرجت منه الألبومين القديمين بطوابعهما كما تركتهما من أربعين عاما، وسلمتني الأمانة.
كانت أمي -حفظها الله- برغم أنها لم تتعلم في المدارس، كانت تمتلك وعيا مرهفا بقيمة الأشياء التي مثلت حفظا لذاكرتي؛ احتفظت بشهاداتي المدرسية بتسلسلها من يوم دخولي للمدرسة، واحتفظت بدفاتر الدراسة التي تؤرخ لبداية إمساكي بالقلم، واحتفظت بصوري المدرسية وباقي صوري في كل مراحلي العمرية، واحتفظت بالعملات المعدنية والورقية التي جمعتها في سني هوايتي لجمع العملات، واحتفظت بالخطابات المتبادلة بيني وبين أقاربي وأصدقائي، واحتفظت بالخطاب النادر الذي أرسلته لوالدي وعمري عشر سنوات، وكأنها كانت تخترق حجب الزمن وتنظر لليوم الذي ستصير فيه هذه الأشياء التي تبدو تافهة في حينها، ستكون كنزا بين يدي ومخزنا لذاكرتي، وركنا ركينا من أركان قصة حياتي.
وردا لجميل أمي التي حفظت ذكرياتي، أحاول حفظ ذاكرة المدينة الجميلة بشوارعها وحياتها الاجتماعية التي اختلطت ذكرياتي بكل ذرة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى