ثقافة وادب

التمييز العنصري ورفع مستويات التوتر.. جانبٌ تاريخيٌ مظلم للحجر الصحي قبل كورونا

جهودٌ حثيثةٌ تبذلها الحكومات من أجل احتواء تفشِّي فيروس كورونا والقضاء عليه، وأحد هذه الجهود يتم عبر الحجر الصحي للمصابين أو المشتبه بإصابتهم.

والحجر الصحي هو مكان يُعزل فيه أشخاص يحملون خطر العدوى، وتتوقف مدة الحجر الصحي على الوقت الضروري لتوفير الحماية، في مواجهة خطر انتشار أمراض بعينها، ويشير الحجر الصحي في سياق الرعاية الصحية إلى مختلف الإجراءات الطبية المتبعة لإحباط انتشار العدوى التي قد تنتشر بالمستشفيات.

ورغم فاعلية هذه الطريقة عادة عند انتشار الأوبئة، فإن لتطبيق الحجر الصحي جوانب سلبية، فبحسب تقارير حديثة، لوحظ ارتفاع العنصرية ضد الشعب الصيني منذ بدء الحديث عن كورونا في ديسمبر/كانون الأول 2019، وفق موقع History Extra.

وفي أعقاب تفشّي فيروس كورونا وإغلاق مدينة ووهان الصينية وعزل الآلاف في منازلهم، تقوم الباحثة كارولين رانس بدراسة تأثيرات الحجر الصحي وتسببه بزيادة التوتّرات العرقية وعزل الأفراد عن طريق ذكر الحالات التي تم بها الحجر الصحي عبر التاريخ.

حدث الفصل بين المرضى والأصحاء منذ قديم الزمن ففي سِفر اللاويين وهو أحد أسفار الكتاب المقدس لدى الديانة اليهودية والعهد القديم لدى المسيحية، نجد أنّ الكهنة عزلوا “المُصابين بمرض الجلد المُشوّه” – وهو الجذام على الأرجح – عن الأصحاء لمدة سبعة أيام.

كما كان هناك حجر صحي آخر عندما استجابت سلطات موانئ البحر الأدرياتيكي بأول ترتيبات الحجر الصحي، ففي البندقية بإيطاليا مثلاً، كانت السُفن القادمة تُحتَجز في بحيرة، في حين صدر مرسومٌ في راغوسا (دوبروفنيك بكرواتيا حالياً) عام 1377 يحظر دخول الناس والبضائع الآتية من دولٍ مُصابة إلى المدينة قبل قضاء شهرٍ على جزيرةٍ معزولة، حتى تُعقِّمهم الشمس والرياح.

وصارت الفترة 40 يوماً بعدها، ومن هنا يأتي مُصطلح الحجر الصحي الإنكليزي Quarantine، وهو مُشتقٌ من كلمة Quaranta الإيطالية التي تعني 40.

أول حجرٍ صحي مُنظّم داخل أوروبا في العصور الوسطى كان في جزيرة سانتا ماريا في البندقية التي استضافت أول مركز حجرٍ صحي بحري معروف منذ عام 1423 عند تفشِّي وباء الطاعون الذي أهلك أوروبا خلال القرن الـ 14.

وبوصفها مستشفى للطاعون والجذام، مُنِحَت اسم المحجر البحري (لازاريتو) -وهذا يرجع على الأرجح إلى ارتباطها بمستشفى سانت لازاروس للمجذومين.

فيما تأسّست محاجرٌ حجرية أخرى بطول ساحل المُتوسّط، ومثّلت الوسيلة الرئيسية للسيطرة على المرض طوال أوائل الفترة الحديثة من القرن الـ 19. واختلفت الظروف، لكنّها ظلّت غير مُرضية.

بحلول أوائل القرن الـ 18 انصبَّ الاهتمام العالمي على مرضي الحُمى الصفراء والجُدري اللذين أخذا بالانتشار بشكل كبير في أمريكا الشمالية.

فكانت كافة الموانئ الرئيسية للساحل الشرقي تتمتّع بترتيبات حجرٍ صحي، ومنها إلزام السفن بالبقاء لفترةٍ كافية من الوقت داخل الميناء وهي ترفع العلم الأصفر.

لكن فاعلية هذا الترتيب لا تزال محل تساؤل، لأنّ الحمى الصفراء تنتشر بواسطة البعوض الذي يُفترض أنّه كان قادراً على كسر تلك القيود.

ومع ظهور الكوليرا في القرن الـ 19، تحوّل المرض إلى وباءٍ مخيف وبات مرتبطاً بتدفّق المُهاجرين إلى بريطانيا وأمريكا.

ورغم أنّ الوباء البريطاني منذ عام 1832 وصل إلى نيويورك رغم فرض القيود على السفن، لكن تلك التدابير كانت أكثر نجاحاً في عام 1866 حين وصلت سفينة فيرجينيا من ليفربول بعد موت 38 من ركابها في الطريق بسبب الكوليرا.

وأُودِعَت السفينة في خليج الحجر الصحي السفلي على بُعد 32 كم تقريباً عن المدينة، مع مُستشفى على ظهر سفينة لمساعدة المُصابين. وتفشّى المرض على اليابسة، لكنّه كان محدوداً.

ومع الفهم الأفضل لأسباب المرض، صارت تدابير الحجر الصحي تُصمّم بما يُناسب الجراثيم المُحدّدة التي تُمثّل تهديداً، لكن مخاوف القرون الوسطى ظلّت قائمة.

ولم يختفِ وباء الطاعون المُخيف تماماً، إذ ظهرت موجته الثالثة في الصين عام 1855، مما أدّى إلى تفشّيه في النهاية داخل كل القرى المأهولة بالسكان مطلع القرن العشرين.

في إحدى مذكرات السفر للكاتب والرحالة والمؤرخ البريطاني ألكساندر كينغليك كتب في عام 1844 أن “الطاعون، ورهبة الطاعون، هو ما يُفرّق بين إنسانٍ وآخر”.

وإذ ضربت الأمراض المُعدية الشعوب منذ العصور القديمة، لتُدخل الألم والهلع في صدور العائلات والمُجتمعات، وتُقسّم البشرية إلى “مُعافى” و “مُصاب”.

فبالنسبة لكينغليك، فإنّ تهديد الأوبئة خلق حاجزاً من الخوف بين الشرق والغرب.

أما داخل الولايات المتحدة، فقد تغذّت التحيّزات القائمة ضد الآسيويين على أصول الأمراض الصينية.

فحين مات مالك ساحة الخشب وونغ شوت كينغ بسبب الطاعون المزعوم في سان فرانسيسكو عام 1900، فرضت السلطات حجراً صحياً بالقوة على الحي الصيني، بتحويطه ومحاصرته من قِبَل الشرطة.

واستهدفت القيود العِرق، وليس احتمالية التعرّض للمرض؛ إذ سُمِح للبيض بالمغادرة، في حين تم احتواء ذوي الأصول الصينية.

ورغم إلغاء الحجر الصحي الجائر سريعاً، لكنّه مثّل خوفاً أساسياً من المُهاجرين بوصفهم مصدر المرض.

خلال تسعينيات القرن الـ 19، أدّى تفشّي التيفوس على سفينة مُهاجرين إلى احتجاز 1200 من اليهود الروس، بينما دفع بدء انتشار وباء السارس سنة 2003 الحكومة الصينية إلى التهديد بالإعدام أو السجن مدى الحياة لمن يتسبّبون في نشر الفيروس.

دعونا لا ننسى أيضاً السفينة السياحية اليابانية “أميرة الألماس” التي سرعان ما تحولت إلى سجن عائم أمام ميناء يوكوهاما تسوده مشاعر الخوف من كورونا الذي بدأ بالانتشار بين ركابه البالغ عددهم أكثر من 3500 شخص، قبل أن يتقرر في نهاية الأمر إنزال جميع الركاب منها وتحويلهم إلى الحجر الصحي.

كانت هذه أبرز حالات العزل والحجر الصحي المستخدمة ضد الأمراض، ولكننا لا نزال نتظر حالياً إذا ما كانت هذه التدابير ستحولُ دون تحوُّل كورونا لوباء عالمي رغم أنّ التاريخ يُظهِرُ أنّ هناك توازناً يجب تحقيقه بين الهدف الحيوي للوقاية من الأمراض وبين خطر تقييد حرية الأفراد وشيطنة الغرباء.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى