تقارير وملفاتكتاب وادباء

البنية الأساسية والفوضى السياسية…!؟

من روائع الكاتب الأديب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

لقد استوطن الفساد ومد جذوره فى باطن الأرض السابعة طيلة العهود السابقة , وامتد وارتفع حتى بلغ عنان السماء . وبلغ الفساد مداه وذروته فى منطقة نفوذه الشاسعة حتى شمل البنية الأساسية من صرف صحى ومياه وكهرباء وطرق ومدارس ومعاهد وجامعات وصحة وتعليم وغيرها حتى صارت شكلا صوريا هشا ضعيفا بلا مضمون حقيقى . فإذا أمطرت السماء غرقت الأرض ومن عليها وتعطلت المواصلات وانقطعت الكهرباء وسقطت العمارات وأهلها تحتها جرحى بين مصابين وجثث هامدة فى وسط البلاعات . وفى أقل من لمح المصر يعود الوطن إلى العصر الجليدي الأول بلا مرافق أو خدمات أو حتى إسعافات أولية لإنقاذ مايمكن إنقاذه . ومازلت عند رأى الذي أؤمن به وهو أن الثلاثين سنة التي حكمها مبارك نحتاج معها إلى ثلاثمائة عام أخرى حتى نصلح ما أفسده نظامه إن لم نخلص النوايا وتتوحد الجهود لإنقاذ الوطن مما لحق به من أورام سياسية واقتصادية وأخلاقية خبيثة . ولم يتوقف الأمر عند فساد البنية الأساسية , بل انهارت أيضا البنية الأساسية السياسية والأخلاقية , فافتعل النظام تكوين أحزاب سياسية لقيطة ولدت من سفاح بغير عقد شرعى لتكون بمثابة الزينة فى غرفة الضيوف أمام الزائرين ولادور لها..! وأصحابها معرفون بالاسم والصورة .

عنق-الزجاجة

  • * والأشد خطرا أن نظام مبارك أفسد البنية الأساسية الأخلاقية , لا أقول عند كل الشعب , ولكن أقول عند شرائح كثيرة من الشعب . فأصبحت تعانى معاناة شاقة لكى تقنع بعض الناس أن الشمس تشرق من المشرق وتغرب ناحية المغرب . شوه العقول , أفسد النفوس , اشترى الذمم , خلق أصناما سياسية وأحزابا كرتونية كالضريع لاتسمن ولاتغنى من جوع . هو فعل ذلك لكى يقنع الغرب ومن حولهم أن مصر فيها سياسة وفيها أحزاب سياسية وفيها معارضة وفيها برلمانات وفيها حكومات . والحقيقة المؤكدة والتى لاريب فيها , والتى يعلمها العالمون ببوطن الأمور أن كل ماسبق ذكره من كيانات ما كانت إلا خيالة مآتة تهش الذباب من فوق رأس نظامه فقط ..! ولم تكن لها أى صلاحيات ولا فعاليات عملية على أرض الواقع . وطل مبارك ورجاله يتمتعون بخيرات الوطن وثرواته والسواد الأعظم من أهل مصر يسكنون القبور ويعانون مرارة العيش ويئنون تحت خط الفقر والحاجة وصعوبة الحياة .

    * إن ما نعانيه اليوم من فساد سياسي وخراب ذمم  وسقوط همم وصعود رمم فى مواقع ووظائف كثيرة فى الدولة , وتردى اقتصادي وخراب شامل وكامل يلازم البنية الأساسية والمرافق والخدمات , لهو نتاج طبيعى لنظام حكم جثم على أنفاس الشعب المصري أكثر من ربع قرن بلا حق من شرع أو قانون أو دستور . ولما اندلعت ثورة يناير وتطاير شرارها وسجن مبارك وبعض رجاله الذين أفسدوا البلاد وأذلوا العباد , استبشر الشعب خيرا وظنوا ظن السوء أن الأحوال فى طريقها للتحسن , وأن أموال مصر المنهوبة ستعود أمنة مستقرة إلى خزائن الدولة . وزاد حد التفاؤل عند بعض المصريين لدرجة أن بعض الناس أمسك بالورقة والقلم وظل يحسب حقه النقدي الذي سيستلمه هو وأفراد أسرته من أموال مصر المنهوبة فى بنوك سويسرا وغيرها . ولكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه , فالأحلام شئ , والواقع المرير شئ آخر . عدنا إلى سيرتنا الأولى نسبح فى نهر الفساد ونبحث عن قوارب النجاة…!؟

    . وعاش المصريون فى حلم جميل بل إن شئت فقل فى وهم كبير استيقظوا بعده على كابوس الثورة المضادة والتي نجحت حتى اللحظة فى إجهاض الحلم ووأد الثورة فى مهدها . فلا تحققت العدالة الاجتماعية ولا الحرية ولا الكرامة الإنسانية . واكتظت السجون والمعتقلات بثوار يناير يدفعون ثمن وقوفهم فى وجه مبارك ونظامه . يعيشون فى ظروف شاقة وصعبة لايجدون فيها كسرة الخبز ولا شربة الماء ولاحتى نسيم الهواء . وكما قالوا إذا قام الشعب بنصف ثورة فعليه أن يحفر قبره . وخرج مبارك ورجاله وأركان حكمه طلقاء أحرار يخرجون ألسنتهم للشعب , وكأنهم يقولون بلسان الحال ذوقوا ما كنتم تفعلون ..! وعدنا إلى ما كنا عليه وكان شيئا لم يكن . وإذا تفحصت كل المرشحين فيما يسمى بالانتخابات اليوم فستجدهم من مكونات الدولة العتيقة وبقايا نظام مبارك ولاجديد تحت الشمس . وسوف يعود من جديد نواب التأشيرات والموافقات والتصفيق والتهريج السياسي . ولن ترى برلمانا حقيقيا يرتقى بالشعب المنكوب مما لحق به من كوارث طبيعية وصناعية .

    * إننا اليوم نسير على خطى مبارك من جديد . نسير فى نفس الطريق بنفس الوجوه وبنفس العلامات وبنفس الإشارات والملامح . لايوجد سياسة اليوم حقيقية فى مصر , ولاتوجد أحزاب قوية , ولاتوجد انتخابات شفافة , ولايوجد حتى ناخبون . فهل مصر قادرة على دفع فاتورة ثلاثين سنة أخرى من الفساد السياسي ..؟ هل سنظل فى عنق الزجاجة لانرى الضياء والنور ..؟ هل سيظل الفساد جاثما فوق صدورنا وأنفاسنا …؟ هل سنظل نبحث عن ضوء خافت فى نفق مظلم طويل ..؟ هل سنظل نبحث عن رغيف الخبز وقطرة الماء وشعوب أخرى صعدت إلى سطح القمر ..؟ هل ستظل ميزانية وزارة الصحة والتعليم فى بئر السلم ..؟ هل سنظل هكذا بلا تقدم ولا أمل فى المستقبل ..؟ هل سنظل هكذا نعيش تحت رحمة الذين لايرحمون ..؟ فعلا وبحق نحتاج إلى تغيير حقيقي , تغيير فى الأخلاق , تغيير فى المفاهيم , تعيير فى المعتقدات , تغيير فى التعليم , تغيير فى السياسة , تغيير فى الاقتصاد . مصر اليوم ترتدى ثوبا مهلهلا ممزقا لايفيد معه الترقيع , وإنما نريد استبدال الثوب المرقع بثوب جديد يتناسب مع هيبة وعظمة هذا الوطن العريق . فهل إلى ذلك من سبيل ..؟ إنا لمنتظرون …!

     

     

     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى