آخر الأخباركتاب وادباء

البحث عن نسخنا القديمة

من روائع الأديب الكاتب

مؤمن الدش

فقدنا النسخ القديمة من كل شئ حتي من أنفسنا ، فلا الأماكن التي زرناها ونحن صغارا ظلت كما هي ، ولا الأشخاص الذين أحببناهم وتربينا علي أيديهم أو صاحبناهم ظلوا معنا ، ولا حتي الأكل ظل بنفس المذاق ، نبحث الٱن عن مفردات شخصياتنا التي كنا عليها صغارا فلا نجدها ، فلم نعد بنفس التسامح أو التفائل أو الإقبال علي الحياة ، صرنا كعداد التاكسي كلما قطعنا مسافة زادت التكلفة ، كل لحظة لها ضريبة ، من أعمارنا وأعصابنا وأحلامنا ، حتي أحلامنا لم تعد كما هي بعدما صارت كل أمانينا أن نعيش في هدوء ، حتي إذا حاولت أن تستدعي نسختك القديمة وجدت نفسك وكأنك تمتطي ظهر مركب قديم في وسط بحر هائج من الأمواج وبلا مجداف ، فلا الأهل ظلوا معك فمنهم من رحل ومنهم من هاجر إلي حيث إختار الله له الرزق والسكن ، ولا الزملاء لا زالوا من حولك فمنهم من تزوج ولم يعد يجد وقتا يحك جلده ، ومنهم من وافاته المنية ، ومنهم من تغير طوعا أو كرها ، ولم يعد لدينا الٱن سوي الحديث عن الذكريات ، وأمجاد الطفولة ، وكيف أنك كنت نجم فريق التمثيل في المدرسة ، أو أنك كنت أفضل لاعب كرة في دوري المدارس، وأنك يوما كانوا ينادون عليك في طابور الصباح أمام كل التلاميذ وإدارة المدرسة كي يخبروك انك الحاصل علي المركز الأول في مسابقة إلقاء الشعر التي أقامتها الإدارة التعليمية التابع لها ، أو أنك كنت نجم الإذاعة المدرسية وكنت محط انظار الكل في المدرسة ولا نجوم السينما ، حتي البراءة لم تعد بنفس معدلها ، فالقتال الدائر حول المصالح الشخصية لم يترك للبراءة مكانا ، والدسائس التي تتغذي عليها الأغلبية تدهس الطيبة تحت أقدامها بكل عنف وبدم بارد ، الطيبة صارت عيبا في زمن صار كالغابة إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ،،،،،،،،،

حتي الأماكن لم تعد بنفس بريقها ، فإن ذرت مكانا كنت قد زرته صغيرا فلن تجده بنفس البريق ولن تنتابك نفس المتعة ، ولو أجبرك الشوق للماضي علي إستدعاء فيلم قديم كان يميتك ضحكا وأنت صغير فلن تكمل أكثر من بضع دقائق منه ثم تقلب ريموت التلفاز بحثا عن أي شئ ، أنت تقلب القنوات متوهما في العقل الباطن أنك تبحث عن شئ ، لكنك لا تبحث عن شئ بعينه ،، أنت فقط تشعر بالملل فتظن أن شيئا قديما سيعيد قلبك إلي سابق عهده ، أو أن فيلما لإسماعيل أو الريحاني سيعيد إلي قلبك ضحكة عارمة كانت تجتاح كل جوارحك حين كنت تشاهد فيلما لأحدهم ، حتي أفلام الأكشن لفريد شوقي والمليجي وغيرهم والتي كانت تستهوينا ثم نمثلها مع أصدقاءنا يعد إنتهاء الفيلم ، صارت الٱن تضحكنا ، فهناك مشاهد ساذجة الٱن لا نعرف كيف كانت تمر علينا وتقنعنا وقتها ، فمن يستقبل وجهه صفعة في الأفلام القديمة يموت ، ومن يستقبل قلبه ووابل من الرصاص والمخرج لا يريده أن يموت فلا يموت ، وكل مجرم هارب تطارده الشرطة حتما يجد قطار يمشي علي القضبان يفصل بينه وبين مطارديه ،،،، علمتنا هذه الأفلام أن نتعاطف مع المجرم ، وننتظر بكل لهفة وترقب نجاته من بين يدي من يطاردوه ، ليتنا الٱن نكون قد تعلمنا أن لا نتعاطف مع مجرم ولو كان حوله فريق من أمهر أطباء التجميل يجملون له أمام أعيننا كل قبيح . الٱن نشتاق إلي كل شئ كان في الزمن الجميل ، حتي أنفسنا القديمة نشتاق إليها ، فلم نعد بنفس براءتنا ، وإن كان في مخزون قلوبنا بقايا من براءة كنا عليها ، نستدعيها أحيانا لنشعر أننا لا زلنا كما نحن ، لكن الريح العاتية للصراع علي المال تحولها إلي أشلاء ، نشتاق إلي اكلة شهية بنفس الأم ، ورائحة ( الطشة ) تملأ ارجاء المكان ، وصوت الهون القديم لفرم اللحم أو التوابل كأنه إحدي معزوفات عمر خيرت ، الٱن نشتاق إلي اللعب في حوش المدرسة ، وإلي رحلة مصيف مع الزملاء ، كيفت مرت كل هذه السنوات كطرفة عين ، وكيف تغير كل شئ ، وكيف صار التسامح ضعف ، وكيف صار الناس يخشون القوي حتي لو لم يكن معه الحق ، وكيف صارت الغالبية تتغذي علي النفاق والكذب والإفك ،، وكيف صرنا أغرابا في وسط مجامعات جديدة سحقت تحت أقدامها كل ما هو جميل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى