ثقافة وادب

الإمبراطورية الأعظم في تاريخ إيران، دامت 400 عام وانتهت على يد المسلمين

عند البحث عن دوافع النظام الإيراني لبسط نفوذه
بمنطقة الشرق الأوسط ورغبته في استعادة أمجاد الماضي، يغمز المحللون عادةً لاستدعاء
النظام الإيراني إرث الدولة الصفوية التي مثَّلت قوةً لا يُستهان بها بين عامي
1501 و1736.

إلا أن ما
يجهله البعض، هو أن لإيران تاريخاً إمبراطورياً كبيراً يعود لآلاف السنين قبل
الميلاد، نجح في بعض مراحله في مناكفة أعتى القوى العالمية؛ مثل الإغريق والدولة
الرومانية، حتى أنهم هزموا أهم 3 قادة رومانيين، وأسروا إمبراطوراً رومانياً ظل
أسيراً لديهم حتى وفاته.

في هذه
السلسلة نقدِّم لكم صورةً عامة عن تاريخ إيران، بدايةً من الدولة الأخمينية والسلوقيِّين والبارثيِّين وصولاً
إلى الدولة الساسانيَّة الكبيرة وسقوطها على يد المسلمين، وهي موضوع هذا التقرير.
كما سنعرِّج معكم على أهم الشخصيات في هذا التاريخ الإيراني، مثل قورش الثاني، وابنه قمبيز الثاني، والشاه إسماعيل الصفوي.

أسس الإمبراطورية الساسانية الملك
أردشير الأول بن بابك بن ساسان عام 224م، وهي آخر إمبراطورية فارسية حكمت بلاد
فارس قبل الفتح الإسلامي. استمر حكم الإمبراطورية الساسانية حتى عام 651م عندما
أطاحت بها الخلافة الإسلامية من كل جانب.

يعتبر الشعب الإيراني تلك
الإمبراطوية أحد أهم معالم حضارته لأنه بعد سقوط الإمبراطورية الأخمينية على يد الإسكندر الأكبر عام 330 قبل الميلاد حتى سقوط
الإمبراطورية البارثية، لم تكن هناك أي دولة أخرى أظهرت حقاً أنها
«إيرانية». وفق ما نشره موقع Ancient History Encyclopedia.

بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323
ق.م، سقطت الهضبة الإيرانية (المعروفة أيضاً باسم الهضبة الفارسية) في أيدي سلوقس
الأول، أحد قادة جيش الإسكندر. أسس سلوقس الأول الدولة اليونانية المعروفة باسم الإمبراطورية السلوقية، بشكلٍ رئيسي على الأراضي
المعروفة اليوم بجمهورية إيران الإسلامية، على الرغم من أن تلك الإمبراطورية في
أوجها امتدت من تركيا حالياً إلى باكستان.

وعلى الرغم من أنهم تأثروا بالشعب
الإيراني الذي حكموه، ظلَّ السلوقيون مخلصين لأصولهم اليونانية المقدونية، ومن
ثمَّ، لم يُنظر إليهم قط من جانب رعاياهم باعتبارهم حكّاماً أصليين.

بحلول عام 155 ق.م، غزا البارثيين
جميع الأراضي الإيرانية التابعة للإمبراطورية السلوقية. كان البارثيون، وهم
إيرانيون من الشمال الشرقي، متأثرين بشدة بالثقافة اليونانية. ومع ذلك، كانوا
بالتأكيد حُكّامٌ أقرب بالنسبة لرعاياهم الإيرانيين. يُعرف معظمهم في العالم
الأوروبي بأنهم خصوم للإمبراطورية الرومانية، ونادراً ما يُذكر شيئاً عن ثقافتهم
في كتب التاريخ.

أعطى البارثيون لاحقاً زمام الحكم
بأنفسهم إلى الملك الفارسي أردشير الأول، الذي وُلد في محافظة فارس (المعروفة في
الأصل باسم «بارس- Pars») والتي جاء منها
الأخمينيون. أنشأ أردشير الأول سلالته الخاصة به تحت اسمه العائلي لجده الأكبر،
ساسان، وجده هذا هو كاهن زرادشتيّ (مجوسي) أكبر.

بدأ الساسانيون بعد ذلك عملية
إحياء قيم الثقافة الإيرانية وإعادتها إلى سابق عهدها. على الرغم من استمرار
انتشار الثقافة اليونانية في البلاد، بدأ الساسانيون عملية إضفاء الطابع الإيراني
على عكس البارثيين السابقين لهم.

أصبحت الديانة الزرادشتية إحدى الركائز المؤسسة
للإمبراطورية الساسانية، ومع ذلك، أدَّت الأقليات الدينية مثل اليهود والمسيحيين
والمانويين وأديان أخرى للشعب الإيراني دوراً هاماً، حتى أنَّ بعض الملوك الساسانيين تزوجوا من نساء يهوديات ومسيحيات.

كانت الإمبراطورية الساسانية هي
القوة الرئيسية في الشرق الأدنى على مدار 400 عام بوصفها منافسة
للإمبراطورية الرومانية خلال فتراتها المتأخرة. ليس ذلك فحسب، فقد حافظت
الإمبراطورية الساسانية على علاقات مع سلالة «تانغ» الحاكمة في الصين
والعديد من الممالك الهندية، حيث كانت منتجاتها وثقافتها تحظى بقدرٍ كبير من
الاحترام والتقدير.

تنتمي الأسرة الساسانية إلى عدّة
أصول محتملة تتعلّق بسلسلة نسب مؤسس السلالة أردشير الأول وتربطه إما بالأخمينيين
أو الكيانيين، وكلاهما مهم للهوية الإيرانية. فالأولى هي إمبراطورية وسلالة
تاريخية، والثانية هي سلالة أسطورية لملوك يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالزرادشتية
والتقاليد الأسطورية الإيرانية القديمة.

كانت فترة حكم المؤسس أردشير الأول
من 224م إلى 242م، وقد أعطى أردشير الأول أهمية خاصة لثلاثة أشياء: مركزية السلطة،
وتثبيت الزرادشتية ديانة رئيسية للدولة، وتوجيه اهتمام إلى
التنافس الفارسي مع روما.

هذا بدوره كان يعني إجراء إصلاحاتٍ
كبيرة. كانت المركزية مَهمَّة جسيمة على نحوٍ خاص بسبب احتفاظ مملكة البارثيين
بتحالفٍ فيدرالي من الممالك الصغيرة وليس بسلطة مركزية. كذلك حملت الديانة
الزرادشتية أهمية كبيرة لنظام الإدارة بالنظر إلى أنَّ شرعية النظام الذي أنشأه
الساسانيون استندت إلى نسبهم الإلهي باعتبار أن ساسان جدّ أردشير كان كاهناً أكبر.

بدت الحروب مع روما في البداية
راكدة، فقط حالة من الشد والجذب بين الإمبراطوريتين تقع معظمها في أرمينيا وبلاد
الرافدين. وسيتولى مسؤولية إنهاء هذه الحرب نجله شابور الأول، والذي كان
يتشارك معه بالفعل أمور الحكم. وقد حكم شابور من 240م إلى 270م.

كان شابور الأول أحد أهم الملوك
الساسانيين والفُرس في العموم لقدرته على إعادة تأكيد النفوذ الساساني في إيران
ومهاراته العسكرية في قتال روما. وعلى الرغم من استمرار حالة الشد والجذب في بلاد
الرافدين وأرمينيا بين الامبراطورية الساسانية والرومانية، فقد قرَّر الإمبراطور
الروماني فيليب العربي التنازل إلى شابور الأول من أجل تأمين سلطته على روما،
ووقَّع معاهدة من شأنها تسليم أرمينيا إلى الساسانيين.

واصل شابور هجماته مستغلاً حالة
الضعف التي تعاني منها الإمبراطورية الرومانية آنذاك، ووجه ضربة فارقة للروح
المعنوية الرومانية من خلال أسر الإمبراطور الروماني فاليريان.

وتصف المعلومات الواردة في الكتاب
الإيراني «شهرستان‌هاي إیرانشهر» والذي تعني ترجمته «عواصم
المقاطعات الإيرانية» الملك شابور الأول بأنَّه مؤسس قدَّم أشياءً كثيرة
للمدينة، ويبدو أن ذلك كان بداية سياسة التحضّر الساسانية.

يمكننا اعتبار شابور الثاني ثالث
أهم شخص في الدولة الساسانية، وكان تتويجه أحد النوادر اللافتة للنظر، إذ توّج
ملكاً وهو في رحم أمّه. قُتل والده وقرر النبلاء الذين كانوا يتولون السلطة بالفعل
تتويج الطفل الذي لم يولد بعد!

ومع ذلك، أثبت لاحقاً أنه قائدٌ
نشيط، حيث ذهب بالإمبراطورية الساسانية إلى أقصى مداها، مستفيداً من حالة الضعف
التي كانت تشهدها الإمبراطورية الرومانية في عهده.

وإذا كان أردشير الأول هو المؤسس
لهذه الدولة الكبيرة ولذلك فقد حاز كلّ هذا التقدير والأهمية، فإن خسرو الأول الذي
جاء بعده بأكثر من قرنين هو أهم وأشهر الملوك الساسانيين.

حقَّق خسرو الأول نجاحاً في كل
المهام العسكرية والإدارية، ولذا أصبح النموذج المثالي للملك الإيراني، وقد احتل
مكانة بارزة في الأدب الإيراني عبر العصور. وربما ساهمت
إصلاحات خسرو الأول، المعروف أيضاً بـ «كسرى الأول»، في الحفاظ على
استمرار الإمبراطورية الساسانية طوال المئة عام التالية.

عزَّزت إصلاحاته الضريبية
الإمبراطورية الساسانية من خلال القضاء على الامتيازات الخاصة للعائلات النبيلة
الذين امتلكوا أجزاء كبيرة من الأراضي وكانوا قادرين على فرض ضرائب على السكان في
حين تمتعوا هم بإعفاءاتٍ ضريبية من جانب الإمبراطورية الساسانية. وقد استطاعت
الدولة الساسانية، من خلال إصلاح هذا النظام، تحديد ضريبة ثابتة من شأنها المساعدة
في معرفة مقدار الإيرادات الواردة للدولة.

نُفِّذت إصلاحات كبرى في الجيش
أيضاً ومعظمها كان يهدف إلى حماية حدود الإمبراطورية، التي يحدها الرومان من
الغرب، وشعب الهون من الشرق، والعرب من الجنوب. كل ذلك كان يتطلَّب وجود جيش قادر
على الانتشار والرد سريعاً، لذا قُسّمت الإمبراطورية إلى أربع مناطق، كل واحدة
يحكمها جنرال.

بالنسبة لمعظم الملوك الساسانيين،
استمرّت الحروب مع روما ما بين شدٍّ وجذب لا نهاية له، لكن في كثير من الأحيان
كانت الكفة تميل لصالح الساسانيين، فقد كان الرومان، ثم البيزنطيون، مشغولين
بالغزوات الجرمانية على إمبراطوريتهم.

وربما تمثَّلت أهم إنجازات خسرو
الأول في رعايته للمعرفة وطلب العلم وإيلاء اهتمام خاص بأكاديمية جونديشابور. وقد
أصبحت هذه الأكاديمية إحدى أهم مراكز التعلّم في تاريخ العالم، إذ سعت إلى الحصول
على نصوص من جميع البلدان المجاورة، بدءاً من نصوص فلاسفة يونانيين، إلى نصوص دينية إيرانية، وأعمال
هندية أيضاً. ولم تُترجم تلك النصوص إلى اللغة الفارسية الوسطى فحسب، بل أيضاً إلى
اليونانية وعدة لغات أخرى، فيما شكَّل معرفة أكاديمية وثقافة ورثها العرب لاحقاً
وبنوا عليها، ثم انتقلت إلى الثقافة الأوروبية بعد ذلك بقرون. 

اعتلى يزدجرد الثالث العرش عندما
كان في الثامنة من عمره عام 632م. وبسبب الوضع الفوضوي للإمبراطورية، لم يتوّج
ملكاً في العاصمة، بل في مقاطعة فارس، الموطن الأصلي للسلالة
الساسانية. وقد حكم خلال فترة الفتح الإسلامي للإمبراطورية الساسانية واضطر إلى
الانتقال من مقاطعة إلى مقاطعة لجمع الموارد وتعزيز قدرة القتال ضد العرب المسلمين.

كان يزدجرد الثالث آخر أحفاد الملك
كسرى الثاني، الذي هُزم هزيمة كبيرة من قبل الإمبراطور الروماني هرقل، فقتله ابنه
شيرويه هو وكلّ أبنائه وأحفاده، وبقي يزدجرد الثالث حين أشفقت عليه امرأةٌ وأخفته،
بعد سنوات قليلة توّجه أنصاره ملكاً وهو طفل.

فقدت الإمبراطورية الساسانية
سيطرتها على اليمن وعُمان والبحرين في الفترة من 629 إلى 630م أثناء خلافة أبوبكر
الصديق. وبعد فترة وجيزة، في عام 633م، سقطت الدولة التابعة للحكم الساساني
«الحيرة» في أيدي المسلمين، ومن ثمَّ، أزيلت دولة عازلة بين الإيرانيين
والعرب.

هُزم الجيش الساساني في 633م أمام
الجيش العربي المسلم في معركة «ذات السلاسل» بقيادة خالد بن الوليد،
التي أعقبتها مزيد من الهزائم للقوات الساسانية. وبحلول عام 634م، أصبحت أراضي
جنوب العراق كاملةً تحت سيطرة المسلمين. وفي عام 636م، فتح الجيش المسلم جنوب بلاد
العراق بالكامل في معركة «المذار». وأخيراً في عام 637م، وقعت معركة
القادسية، التي قتل فيها القائد الإيراني الشهير رستم فرخزاد ومعظم جيشه، وكان
قائد جيش المسلمين هو سعد بن أبي وقاص.

هرب الملك الشاب من العاصمة واتّجه
نحو مدينة «الريّ»، لكن بعد فترة وجيزة، في عام 640م، استطاع المسلمون
السيطرة على قلب إيران ولم يكن أمام الملك خيار سوى الهرب باتجاه الشرق. ورفض حاكم
مدينة مرو مساعدة الملك الهارب. ويُعتقد أنَّ الملك يزدجرد الثالث قُتل على يد
طحّان محلي بالقرب من مرو في عام 651 م في خلافة عثمان بن عفان.

وقد أصبحت الإمبراطورية الساسانية
خاضعة للفتح الإسلامي العربية في النهاية، ومع ذلك، ظلَّ الإرث الفارسي يمثّل قوة
ثقافية وعلمية وإدارية في العالم الإسلامي الناشئ.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى