آخر الأخباركتاب وادباء

الإسلام والفن.. علاقة خاصة

من روائع الأديب الكاتب

مهندس محمود صقر

18/12/2021
ظل الدين والفن متلازميْن وملازميْن لمسيرة الإنسان على سطح الأرض، وظلت أعمال الإنسان الفنية الخالدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالدين؛ من الرسوم المكتَشَفة في الكهوف، مرورا بالأهرامات والمعابد المصرية والمعابد البوذية والهندوسية، وصولاً إلى الكنائس والمساجد.

وإذا كانت عرى الاتصال بين الدين عموما والفن لا يمكن فصمها؛ فالإسلام أسس علاقة خاصة بينه وبين الفن فعلاقة الفن بالدين في سائر المعتقدات كانت علاقة “الفن في خدمة الدين”؛ حيث يدور الفن في فلك دور العبادة وخِدمة الطقوس الدينية، من عمارة إلى نحت وتصوير ورقص وموسيقى.

أما علاقة الإسلام الخاصة بالفن فهي “الفن في خدمة الحياة من منظور العقيدة”؛ فالفن في الإسلام ليس محبوسا داخل دور العبادة، وليس جزءا من طقوس دينية، ولا مصوِرًا لصورة الإله، ولا معبرًا عن القصص الدينية؛ بل تجده في كل ما أبدعته يد الإنسان المقيم في أرض الإسلام (مسلم أو غير مسلم)، والذي ظل باقياً في: النسيج، والسجاد، والخزف، والمشغولات المعدنية، وفي أغلفة الكتب، والأسلحة، والقلاع، والمدارس، والبيوت، والأسبلة، والخانات، والتكايا، والحمامات العامة، والأسواق، واللوحات الخطية والزخرفية …كل هذه المنتجات هي منتجات عامة تمس حياة الإنسان وتحيط بفضائه البصري خارج دور العبادة.

ومن هنا خصصت كبرى المتاحف العالمية وكليات الفنون قسما خاصا باسم “الفنون الإسلامية”، في ربط فريد بين الفن والإسلام بصفة خاصة؛ ذلك لأن الآثار الإسلامية برغم اتساعها الجغرافي من الصين للأندلس، وعمقها الزمني لأربعة عشر قرنا؛ فجميعها على اتساع المكان وبُعد الزمان، تجمعها روح واحدة، صبغتها عقيدة الوحدانية التي خلقت فنا تجريديا بعيدا -في معظمه- عن التصوير والتشبيه، ورَبَطهُ الحرف العربي في وحدة زخرفية، وصبَغْته عالمية الإسلام وشموله بروح واحدة رغم التمايز بين منتجات الصين وآسيا والشرق العربي والمغرب العربي والأندلس؛ ولذلك استحق الفن هنا أن يرتبط بالعقيدة رغم خروجه عن إطار دور العبادة، أو خدمة الطقوس الدينية.

ومن زاوية أخرى فإن علاقة الإسلام بالفن علاقة عضوية بنيوية تتعلق بمنظور الإسلام للكون؛ فالإسلام يرى الكون من رافدين متلازمين: النفع، والجمال، وآيات القرآن ترجمة لتلازم المنفعة مع الرؤية الفنية الجمالية:
قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
وقال عز وجل: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}.
وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا}.
وقال جل جلاله: {انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}.

فليس الكون وما حوى في نظر الإسلام مجرد تلبية الضرورات النفعية؛ بل هو رؤية فنية جمالية تلبي نزوع الروح الإنساني نحو الاستمتاع بالجمال.

وتلك هي خصوصية العلاقة بين الإسلام والفن؛ علاقة عضوية ترتبط بالنظرة الجمالية للكون، وعلاقة صناعة الجمال في كل ما يحيط بالإنسان انطلاقا من عقيدة التوحيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى