آخر الأخباركتاب وادباء

الأَرمَن بجوار سيدي “أبو الدرداء”

من ذاكرة اسكندرية

من روائع الأديب الكاتب 

المهندس/ محمود صقر

في طريق العودة من مدرسة راس التين في شارع الخديوي إلى بيتي في شارع باب الكراستة، كنت أسلك طريق “أبو الدرداء” بعد الانعطاف يسارا عند جامع العِمَري، وبمجرد الدخول للشارع يبدو في الأفق القريب وفي وسط الطريق مقام سيدي “أبو الدرداء”، وخط الترام في الاتجاهين يتخلى عن استقامته ويستدير حول المقام الذي يتناقل أهل الإسكندرية جيلا بعد جيل أسطورة شل يد المهندس الإنجليزي الذي أشار بيده لإزاحة المقام الذي يقطع طريق الترام، فثبتت يده على وضعها الأفقي حتى عدل عن فكرة نقل المقام، واضطر لتغيير خط الترام بوضعه الحالي.
ولسيدي “أبو الدرداء” الصحابي الأنصاري الجليل مكانة عند أهل الإسكندرية وأبناء حي اللبان خاصة، حيث قَدِمَ إلى الإسكندرية ضمن الجيش الإسلامي الذي فتح المدينة، وأقام بالإسكندرية، والأرجح أن مكان إقامته كانت في حي اللبان، والأقرب أنها كانت في منطقة كوم الناضورة، ويتناقل أهل الإسكندرية في مروياتهم الشعبية جيلا بعد جيل كرامات سيدي أبي الدرداء ومنها الرواية السابقة، ويروون أنه خرج من قبره وتصدى لقذيفة توربيد أرادت استهداف حي اللبان في الحرب العالمية الثانية، وحمى الحي من دمار محقق، وكنت مثلي مثل الإسكندرانية أعتقد أنه مدفون في نفس المكان، حتى زرت دمشق عام 2010 وتفاجأت بوجود قبره على أسوار قلعة دمشق، ومع البحث تبين أنه غادر الإسكندرية إلى بلاد الشام ومات ودفن في دمشق.

في أيام الأحد يعم السكون الشارع، فهو يوم الإجازة للنشاط الصناعي والتجاري، وحتى بداية الثمانينيات كان يوم الأحد هو يوم الإجازة الفعلي للحركة التجارية في عموم الإسكندرية، وكان صوت الترام يقطع هدوء الشارع الذي يمر منه عدد قليل من السيارات في الاتجاهين، والمباني على الصفين من دورين أو ثلاثة، قليل منها سكني ومعظمها صناعي وتجاري، ومكتب بريد (بوسطة)، ومدرسة “سان فانسان دي بول”، وصولا لميدان سانت كاترين.
هذا الشارع كان مركزا من مراكز تجمع الجالية الأرمنية التي تميزت بالعمل في الصناعة، مثل الطباعة وصناعة الأحذية والجلود والصناعات المعدنية والورش الميكانيكية وصناعة عِدَد بوابير الجاز وصناعة الدخان (السجائر)، وبرعوا كذلك في الحرف اليدوية مثل تصليح الساعات وحياكة الملابس والتطريز والصياغة.

بعد تجاوز مقام “أبو الدرداء”، وفي المربع المحصور بين شوارع “أبو الدرداء” و”إسماعيل مهنا” (الأمير عبد المنعم سابقا) و”الفراهدة” و”البيضاوي” (بوغوص سابقا)، كانت توجد منطقة صناعية أرمنية، ويوجد بها مدرسة “سان فنسان دي بول” المطلة على شارع “أبو الدرداء”، وكانت المدرسة لخدمة الجالية الأرمنية، التي كانت متمركزة في المنطقة، وخلفها كنيسة أرثوذوكسية أرمنية، وفي نهاية هذا المربع وعند تقاطع شارع “أبو الدرداء” مع شارعي “إسحق النديم” وشارع “البيضاوي”، ما زالت بوابة المنطقة الصناعية تطل على شارع “البيضاوي” ومكتوب عليها بالأحرف العربية واللاتينية: (المدينة الصناعية بوغوص بك يوسف).
وأظن أن اختيار اسم “بوغوص بك يوسف” هو اختيار شَرَفي بصفته الأب الروحي للأرمن في مصر؛ حيث استقدمه “محمد على باشا” من مدينة “أزمير” التركية وولاه منصب “ناظر ديوان التجارة والأمور الإفرنكية‏”، وكان مقره بالإسكندرية‏، ونال ثقة “محمد علي”، وكان من أقرب المقربين له، وعند وفاة “بوغوص” عام 1844 أمر “محمد علي” بدفنه في موكب رسمي، وبوغوص يوسف هو خال “نوبار باشا” الذي ولد أيضا في “أزمير”، واستقدمه خاله إلى مصر وهو في عمر الثامنة عشرة، وعمل سكرتيرا لخاله، ثم تدرج في المناصب حتى صار أول رئيس وزراء لمصر، وقام بدوره بتسمية ابنه “بوغوص”، وصار “بوغوص نوبار” أول رئيس للجمعية الوطنية الأرمنية التي أسسها عام 1906.


وكان “بوغوص بيه يوسف” مهتما بالزراعة، وهو الذي أدخل زراعة اليوسفي في مصر، واتخذ هذا النوع من الفاكهة اسمه من اسم “بوغوص يوسف”.

في تلك الفترة من السبعينات، كانت لافتات الورش والمحلات تحتاج مجهودا كبيرا لقراءة أسمائها الأرمنية المعقدة الطويلة المكتوبة بأحرف عربية، منها في شارع بوغوص مصنع “فولكان” لصناعة لوازم وابورات الجاز والحنفيات، لصاحبه “هراتش كالينيان” وولده “رافي”، ومصنع “جبرييل دوستوميان” للصناعات المعدنية.
وفي شارع “سيدي الإسكندر” امتداد شارع “بوغوص” مصنع “بيرلوس” لصناعة عدد وابورات الجاز لصاحبه “أنطون ميشيل باجميان”.
وفي الشوارع الفرعية من شارع أبو الدرداء وصولا لشارع صلاح الدين انتشرت العديد من الورش؛ ففي شارع “بيبرس” المتفرع من شارع “أبو الدرداء” والواصل لشارع صلاح الدين، ورشة “زينيت” لخراطة الموتورات، لصاحبها “سركيس يابوجيان”، وفي نهاية شارع “بيبرس” عند تقاطعه مع شارع “صلاح الدين” مدرسة “سان شارل بورميه” الألمانية التي تأسست نهاية القرن التاسع عشر، وما زالت تعمل كمؤسسة لتعليم البنات من الروضة للثانوية العامة باللغة الألمانية.
وفي شارع “قطب عثمان” المتفرع من شارع “إسماعيل مهنا” مصنع لصناعة المسامير وسحب الأسلاك وصناعة سُوسَت التنجيد لصاحبه “نوراير بن اوهانيان”، وفي شارع “سيدي المتولي” بعد تقاطعه مع شارع “أبو الدرداء “مصنع شنط “هايج آشجيان” لصناعة شنط السيدات.
وفي نفس المنطقة بشارع النور ورشة صناعة الآلات الميكانيكية لصناعة قطع الغيار الخاصة بآلات الغزل والنسيج، لصاحبه “أرداشيس فارتان”.

ظلت هذه الأسماء حتى السبعينيات، ثم بدأت تختفي تدريجيا وتتبدل بأسماء عربية بعد أن رحل مؤسسوها، وبدأت تختفي صناعات لم تعد بنفس الأهمية السابقة، مثل صناعة بوابير الجاز ومستلزماتها، وبدأت تختفي الصناعات الحرفية المتقنة للأحذية والشنط الجلدية مع غزو الميكنة والاستيراد من الخارج، ومع زيادة عدد السيارات بدأت الورش تبدل نشاطها لتصليح السيارات وبيع قطع غيارها، ومع الوقت أصبحت معظم هذه الأسماء وأنشطتها مجرد ذكرى وتاريخ، وظلت لافتة المدينة الصناعية باسم “بوغوص بك يوسف” أثرا شرفيا باقيا حتى الآن.

نعود من حيث بدأنا إلى سيدي “أبو الدرداء”، وباللهجة الإسكندراني “أبو الدُرْدار”، والذي لا يغيب ذكره عن ألسنة الإسكندرانية، وكان حاضرا دائما معهم في أفراحهم؛ فمن تقاليد أفراح العرس والمناسبات والزفة الإسكندراني الاستفتاح ببركة أوليائها الصالحين على الطريقة الإسكندراني:

اقروا الفاتحة لأبو العباس يا الإسكندرية يا أجدع ناس ..
والفاتحة التانية لسيدي ياقوت واللي يعادينا يطق يموت ..
والفاتحة التالتة لأبو الدردار واللي يعادينا يولع نار.. يولع نار .

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى