الأرشيفكتاب وادباء

الأمة حين يجتاحها” تسونامي ” الهزيمة والانكسار .

من روائع الأديب الكاتب
السعيد الخميسى
* لاشك أن موجات الإنكسار الخلقي والسياسي والإقتصادى والنفسي  التى تضرب شواطئ أمتنا العربية والإسلامية فى هذا الزمان خطيرة وكبيرة ومؤلمة وربما لم يسبق لها مثيل. وتلك الموجة تشبه تماما موجات تسونامى التي ضربت مناطق كثيرة من العالم , وكان أشهرها ” تسونامى توهوكو ” الذى حدث فى اليابان فى   2011  والذي ضرب المنطقة الواقعة قبالة الساحل الشرقي للعاصمة طوكيو  والذي ارتفعت فيه الأمواج إلى أكثر من عشرة أمتار والذي أحدث أضرارا مادية وبشرية بلغت إلى ما يزيد عن ألف قتيل ومفقود . وكان الزلزال مصحوبا بانفجارات وزلازل تحت سطح الماء مما شكل كارثة بمعنى الكلمة . وبما أن اليابان لديها قدرات مادية وفنية وقدرات تكنولوجية عالية فقد نهضت واستعادت قدرتها على تعويض الخسائر . أما أمتنا رغم ما لديها من قدرات مادية وبشرية وطبيعية , فإنها غرقت ولم تستطع أن تنهض بعد ما أصابها من تسونامى الإنكسار والذي تبعه تسونامى الإستعمار , فوقعت أمتنا أسيرة الإستعمار الداخلي والخارجي على حد سواء . مات من مات وغرق من غرق وفقد من فقد  . والذين بقوا على قيد الحياة من أمتنا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . لست فى كل هذا متشائما , بقدر ما هو تشخيص حقيقي وواقعي لأمة منكسرة ومهزومة بفعل فاعل . تلك الأمة لو نهضت لاستحقت قول الله تعالى ” كنتم خير امة أخرجت للناس .” وإذا أراد الطبيب المعالج أن يكتب الدواء فلابد له أولا أن يشخص  موضع ومكمن الداء .

* لقد ضربت أمتنا موجات عاتية من  تسونامى  الهزيمة النفسية والإنكسار السياسى والإقتصادى وذلك لعوامل داخلية وخارجية على حد سواء . ولقد أيقنت دول الإستعمار أن فكرة حشد القوات والمعدات لغزو دولة واحتلال أرضها صار أمرا شاقا وعسيرا وفاشلا . فقرروا ودبروا ونفذوا فكرة الفوضى الخلاقة وتمزيق الممزق وتقسيم المقسم . وحتى ينفذوا خطتهم المحكمة فكان لزاما أن يزرعوا شوك الديكتاتورية فى أرض العرب فلا يرون  شمس الحرية كى يعيشوا فى كهف مظلم لا يفرقون بين ليل ونهار . فكان همهم الأول والأخير إسقاط أى نظام ديمقراطي فى أمتنا العربية والإسلامية وتشجيع السوقة والعامة والرعاع والدهماء فى تلك الشعوب لتشويه صورة اى وطن ينهض ويثور ضد ثقافة تلك الخطة الجهنمية لعزل أمتنا عن نهضتها وتأديبها وسجنها فى زنزانة انفرادية ليل نهار فلا ترى شمسا ولا قمرا . يقول الشيخ الغزالي رحمه الله متحدثا وواصفا تلك الحالة الهابطة ” إن الاستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة, لاتنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية, يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان, مع قليل أو كثير من المعارف النظرية التي لا تعلو بها همّة ولا يتنضّر بها جبين . و أغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط  .” وبهذا الوصف الدقيق فقد حدد الفقيه العلامة الشيخ الغزالي مكمن الداء فى أمتنا العربية والإسلامية .
   * ثم يلخص الإمام الغزالي ملامح وخصائص الاستعمار الداخلي فى الانحراف عن فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، والمتمثلة في الكرامة والحريات الثلاث : الفردية والاجتماعية والسياسية . وانحراف المصلحة لتكون في خدمة فئة خاصة دون بقيّة الناس . و إعادة تكوين الأجيال الجديدة وفق تربية تقبل بالأوضاع الذليلة. أما السبيل لمواجهة هذا الاستعمار الداخلي عند الغزالي فهي: العدالة الاجتماعية، والديمقراطية السياسية , ضمانٌ لتكوين البيئة الحرة، وتنشئة الأفراد على الاستقلال الذاتي، وتعشُّق الحرية الكاملة، ورفض العبودية، إلا لله وحده . ثم يقول إنّ بلدان العالم الثالث عندما انتهت من حقبة الاستعمار لا ينُظر إليها على أنها استقلت ونالت حريتها بالفعل، فقد ضمن الاستعمار وجود نخب حاكمة تخدم مصالحها الاستعمارية بعد رحيلها، وهذه النخب من إنتاج ثقافة المستعمر، وبالتالي لا تُعبر عن إرادة هذه المجتمعات التي أرهقها الاستعمار الخارجي لتدخل من جديد في استعمار داخلي بواسطة هذه النخبة السياسية المتغربة.

* أما ” برهان غليون ” وهو مفكر فرنسي سوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر بجامعة السوربون بفرنسا والمولود فى العام 1945م  فى مدينة حمص من أسرة عربية سنية والذي هاجر إلى فرنسا منذ عام 1969م  فيقول فى كتابه “بيان من أجل الديمقراطية ” الصادر في عام 1978م أن الاستعمار الخارجي قد خلّف من بعده الاستعمار الداخلي ، وأنّ هذا الاستعمار الداخلي قد أدى إلى تبعية أخرى أعمق من سابقتها وذلك بسبب الطبقية وحكم الأقلية، إنّه يعتبر الحركة القومية حركة طبقية ، سعت لتحرر كامل لفئة قليلة وتقهقر شامل لبقية الفئات الاجتماعية . ومن هنا نجد  أن “غليون ” و ” الغزالي ”  يتفقان  على أن الحكم استأثر به فئة قليلة مقارنة ببقية الناس . وكلاهما يتحدث عن علاقة متشابكة بين الاستعمار الداخلي والاستعمار الخارجي .

ثم ينتقد ” غليون ” موقف المثقفين العرب من عدم إدراكهم بُعد التحرر السياسي الواجب في نهضة الأمة , ويسرد غليون تحليلًا مطولًا لكيفية تكوُّن هذه الأقلية الحاكمة، ، فلكي تضمن استمراريتها (أي النخبة الحاكمة) اقتضى ذلك تقسيم الأمة وهدمها وتبعيتها بدل توحيدها وبنائها واستقلالها . وعملت لأجل التفكك الثقافي والتحلل المطلق من المبادئ والقيم، وتفقير الأغلبية. وهكذا خلقت هذه النخبة مجتمعين: فئة متغربة نحو الغرب، وفئة منكفئة نحو الماضي . ويعتبر أنّ هذه النخبة عملت على هدم المعاني التقليدية المتمثلة بروح الأخوة التقليدية القديمة بين الطوائف والجماعات والأفراد حتى لم يبقَ سوى سلوكيات العداء والتناحر والتنافس والصعود على ظهر الآخر، “ وبدل أن تزدهر الروح القومية الزمنية المدنية العصرية؛ تحولت الروح الدينية السمحاء بالعكس إلى روح طائفية تعصبية ضيقة أو إقليمية أو عشائرية.


* إنّ الشيخ ” الغزالي ” وعالم الاجتماع السياسي البروفسور ” غليون ” يتفقان  إلى حدٍ كبير فى تشخيص الداء وحالة الإنكسار والهزيمة التى لحقت بأمتنا . حيث عملت النخبة الحاكمة في الوطن العربي، بحسب ” برهان غليون” على اكتساب مشروعيتها عبر ارتباطها بالنظام العالمي ذي المصالح الإمبريالية ، فكلاهما ” أي الاستعمار الخارجي والداخلي ” عمِلا باستعلاء وجبروت على تقسيم خيرات الأمة ونهبها  وإفقارها وتخلفها ، والتصرف بمصائر الشعوب دون أي اعتبار أو احترام  لهم . فوقعت الشعوب ضحية بين أنياب الذئب الخارجي ومخالب القط الداخلي . إن مشكلتنا اليوم ليست فى قلة مواردنا الطبيبعة والبشرية , ولا فى فقرنا المادى والثقافي , بل إن مشكلتنا الحقيقية فى ضعف إرادتنا السياسية فى النهوض بتلك الأمة إلى مصاف الأمم المتقدمة والراقية . ليس أمامنا غير طريق الحرية والديمقراطية واحترام حقوق المواطن حتى نقف على أقدامنا فى مواجهة موجات الانكسار والاستعمار , وإلا فالبديل أن نزحف على بطوننا ونرفع راية الاستسلام لأراذل الأمم والشعوب . إن  موجات تسونامى  الهزيمة والإنكسار سوف تنكسر وتتحطم على شواطئ العزة والكرامة يوم أن نكون أهلا لنصر الله تعالى .
ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى