الأرشيفتقارير وملفات

الأمة تمرض ولكنها لا تموت

من روائع الأديب الكاتب
السعيد الخميسي
قد تمرض أمتنا العربية والإسلامية ولكنها لن تموت أبدا  ولن يمحى ذكرها من بين الأمم . فالأمم الحية مثل الأجساد القوية التي قد تتعرض لنوبة مرض , لكن سرعان ما تستفيق وتستعيد توازنها قبل أن ينال منها المرض وينشب مخالبه فى جسدها كالذئب الجائع . إن أمتنا صاحبة حق . وأهل الحق لاينامون , ولا يعرف النوم إلى أعينهم طريقا ولا الغفلة إلى قلوبهم سبيلا , وكيف ينامون ويستريحون ويهدؤون وعدوهم لايحترم عهدا ولا يقدر وعدا ولايعرف شرفا , يغدر في أي لحظة كالذئب الجائع المفترس , ويخون في أي وقت كالحية السامة , ويهجم متى شاء كالثور الهائج , يفعل كل ذلك بكل مالديه من ترسانة أسلحة محرمة ومجرمة دوليا وخلقيا وإنسانيا . لكن منذ متى وهذا العدو يقدر معنى الإنسانية…؟ أو يحترم الاتفاقيات الدولية..؟. أو يقيم وزنا للإدانات العالمية.؟ إن هذا العدو لا يفهم إلا لغة واحدة : لغة الهمجية والبربرية والوحشية…! . إذ كيف ينام أهل الحق وأصحاب القضية , والدماء والماء عند هذا العدو الغادر على حد سواء ؟. لكن يبدو أننا فى مرحلة اختلاط الأوراق فلم نعد لدينا القدرة على التمييز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود حتى صار العدو صديقا والصديق عدوا .

لقد قدر الله على أهل فلسطين وغزة منهم فى القلب ألا ينامون ولا يستريحون , وكيف يتسنى لهم ذلك والعدو الصهيوني يباغتهم فى أيام العيد بالهجوم السافر على أرضهم  , فيقتل الأطفال وتتناثر أشلاء الأبرياء , ويموت المرضى فى المستشفيات بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الدواء وقلة الأطباءوالعالم يغنى ويمرح ويلهو ويلعب لأن الدم الذي يراق هو دم عربي مسلم أصيل . ولو كان هذا الدم يحمل  لونا آخر غير اللون العربي المسلم لاستيقظت الأمم المتحدة وأمينها العام من سباتهم العميق يطلقون صواريخ الإدانة والشجب والاستنكار بل ويطالبون العالم بسرعة التحرك لوقف الإرهاب ..!. إنه الكيل بمكيالين , إنها سياسة المعايير المزدوجة التى ترى بعين واحدة , أما العين الأخرى فلا ترى , والأذن الأخرى لا تسمع . والقلب يابس متجمد لا ينبض , والقلب مغلق للتحسينات  .ويبدو أن أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون طالما أن أمتنا هى المقصودة , وشعوبنا هى المقهورة , وأرضنا هى المغتصبة . ودماءنا هى التى تسيل , وأعراضنا هى التى تنتهك , وشبابنا هو الذى يقتل بدم بارد .

* أنا على يقين أن مثل هولاء المحاصرين يعيشون على صفيح ساخن , فليلهم نهار , ونهارهم ليل . وكيف ينام من وطنه محتل وحاضره مختل ومستقبله عائم على أنهار من الدم.؟.  كيف ينام من تذبح أطفالهم بدم بارد…؟ وتقتل نساؤهم بصاروخ ضال شارد…؟ كيف ينام من يقذف بالأسلحة المحرمة…؟ كيف ينام من أرضه من كل جانب ملغمة  ؟ كيف ينام من تغلي الدماء في عروقهم…؟ وتحتبس الأنفاس فى صدورهم..؟ كيف ينام من يتجرع الحسرات ويبتلع الآهات تحت زئير الطائرات..؟ . كيف ينام من ضاع وطنه…؟ وسرقت ثروته…؟ ولوثت كرامته ولطخت سمعته..؟ كيف ينام من كان شعبه شريد وشرابه صديد ومطعمه خبز قديد…؟ كيف ينام  من أمام عينه تقتل زوجته…؟ وتغتال حفيدته..؟ وتذبح خالته وعمته . كيف ينام من قلبه وعقله لاينام..؟ إن مثل هؤلاء يدفعون الضريبة كل يوم بل كل لحظة من دمائهم وأموالهم وأعراضهم لأنهم يقاومون عدوا لا يعرف عهدا ولا شرفا .

*  هؤلاء هم شرف أمتنا … في زمن قل فيه الشرف.
* هولاء هم قوة أمتنا…… في زمن كثر فيه الضعف.
* هؤلاء هم كرامة أمتنا.. في زمن أهينت فيه الكرامة
* هؤلاء هم قوة وعزة  أمتنا……في زمن تنامي فيه الذل.
* هؤلاء مصدر شجاعة أمتنا… فى زمن كثر فيه الجبن والخسة والنذالة . إن المقاومة الفلسطينية ليست عدوانا ولا إرهابا لأنها مقاومة مشروعة بحكم بميثاق الأمم المتحدة الذي يحرم احتلال أرض الغير بالقوة .
  فقد أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات التي تنص وتؤكد علي مبدأ تحريم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة، منها القرار رقم (3256/أ   الصادر في الثاني من نوفمبر عام 1956م . كذلك  الأمر في القانون الدولي والذى يحرم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة، وقد ورد في العديد من قرارات الأمم المتحدة سواء مجلس الأمن وخاصة في القرار (242 والقرار رقم 338) وكذلك في العديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أكدت فيها أن القوة لا تخلق الحقوق ، وقد ورد هذا المبدأ في عهد  عصبة الأمم في المادة العاشرة التي نصت علي  مايلى : ( يتعهد الأعضاء باحترام سلامة جميع أقاليم الدول الأعضاء في العصبة واستقلالها السياسي القائم والمحافظة عليه ضد أي عدوان خارجي) وهذه المادة تؤكد بطريق المخالفة علي تحريم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة . فأين تطبيق هذه القرارات والقوانين على أرض فلسطين وبقية الاراضى العربية المحتلة أم أنه صار حبرا على ورق ؟

* إن الكيان الصهيوني لابد أن يعلم أن قضية فلسطين المحتلة هى قضية حق وليست قضية باطل . وقوتكم فى احتلال أرض الغير بالقوة لن يخلق لكم حقا  مشروعا وإن طال الزمن بنا وبكم . فالضعيف لن يظل ضعيفا والقوى لن يظل قويا , فتلك الأيام يداولها الله بين الناس  ولاندرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . قد تقتلون بعض النساء… وتيتمون بعض الأطفال… وتهدمون بعض البيوت ولكنكم لن تستطيعوا أبدا أن تكسروا شوكة المقاومة, ولن تستطيعوا إذلال رقاب لا تركع إلا لله , ولا تسجد إلا لله , ولا تسأل إلا الله . إن جنودكم ماهم إلا مرتزقة جاءوا من كل حدب وصوب لايجمع بينهم  ارض ولا دين ولا لغة ولا خلق ولا شرف , وإنما يجمع بينهم التعطش لدماء الأبرياء الشرفاء أصحاب الأرض المقدسة التى دنستموها ولوثتموها بأقدامكم القذرة النجسة. إن الأحرار لايقتلون الأطفال ولا النساء ولا يستخدمون الأسلحة المحرمة دوليا فى إهلاك الحرث والنسل لأن ذلك هو عين الفساد فى الأرض . وهذا ليس بغريب عليكم فالشئ من معدنه لا  يستغرب  . واسألوا التاريخ عن مدرسة بحر البقر التى قتلتم أطفالها ظلما وعدوانا ومازالت دماؤهم تلعنكم إلى يوم الدين والتاريخ يشهد على خستكم ووضاعتكم .

* إن امتنا العربية والإسلامية لن تركع لجبروتكم وقوتكم لأنها قوة زائلة بإذن الله عاجلا أم آجلا . إن أمتنا لن تركع ولن تسجد ولن تخضع ولن تستلم لأنها أمة صاحبة حق وصاحبة رسالة وهدف . إن امتنا لا ينقصها العدة والعتاد , وإنما فقط ينقصها الهدف والإرادة وتحديد العدو من الصديق . ففى أرض فلسطين , انتصر التاريخ  وانتصرت الجغرافيا . انتصر التاريخ الذي يؤكد ويثبت أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللهانتصر التاريخ الذي يثبت أنه لايضيع حق ووراءه أبطال وأسود . انتصر التاريخ الذي يثبت ويؤكد أن القوة الغاشمة الهمجية البربرية لايمكن أن تنتصر على مقاومة تستمد قوتها من الله أولا ثم من عقيدتهم الثابتة الراسخة رسوخ الجبال . انتصر التاريخ الذى يثبت ويؤكد أن بيت العدو الصهيوني  أوهن من بيت العنكبوت الذي ترمى الزوجة زوجها فيه بعد أن تنجب منه خارج البيت , ثم يقوم الأبناء بعد ذلك بقتل أمهم بعد أن تنجبهم , أرأيت ضعفا وهوانا وتفككا أكبر من ذلك ..!؟.  وانتصرت جغرافية المكان المحاصر من كل مكان ولم تفلح كل محاولات تجويعه وتركعيه حتى ولو أكلوا أوراق الأشجار وربطوا على بطونهم الأحجار واشتد عليهم من كل ناحية الحصار .

* لقد أثبتت المقاومة أن  قوة الأمم والشعوب لاتقاس بعدد سكانها ولا بقوة سلاحها , وإنما تقاس بنوعية هولاء الرجال وتربيتهم ومعدنهم , فالكيف مقدم على الكم . لأننا اليوم كثير كغثاء السيل لايعمل لنا أحد أى حساب , ولا يضعنا العالم فى حساباته  . إن الأعمى لايرى وإن مشى فى وضح النهار , والمبصر يرى ولو وضعت أمام عينيه  كل السدود والأستار . وقضية فلسطين قضية واضحة وضوح الشمس فى رابعة النهار . وصدق الشاعر ساعة قال :

قد تنكر الشمس ضوء العين من رمد … وقد ينكر الفم طعم الحلوى من سقم .

فهل آن الأوان أن ترى أمتنا وتبصر  وتميز بين الحق والباطل وبين المقاومة والمشروعة وبين الإرهاب ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى