كتاب وادباء

“الأسد ” فى وادي ” الحمير…!؟ “

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* يروى أن أسدا جائعا مفترسا اقتحم وادي “ الحمير ” ليسد جوعته . وما إن شاهدت ” الحمير ” الأسد وهو يقتحم الوادي حتى هرولت هاربة ومذعورة كل إلى وجهته  , الكل يريد أن ينجو بحياته ولحمه وشحمه , إلا ” حمارا ” واحدا أخذته العزة بحموريته واتخذ قرارا جريئا وقرر منفردا التصدي لهذا ” الأسد ” المفترس دفاعا عن سمعة وادي ” الحمير ” . وكانت المفاجأة الكبرى التى لم يتوقعها ” الحمار ” , أن ” الأسد ” فر هاربا من أمام ” الحمار ” , وظل يجرى ويهرول من طريق معين فى اتجاه هو يعرفه . ” والحمار الأبله المغفل يجرى وراءه ويلاحقه . حتى كانت أم المفاجآت أن ” الحمار ” وجد نفسه وقد وقع فى فخ المصيدة , وجد نفسه فجأة فى غابة الأسود , الطريق الذي استدرجه الأسد بذكاء إليه . ساعتها أدرك الحمار أنه فعلا حمار..! وأنه هالك لا محالة  وأنه بعد لحظات سيكون لحما مفروما بين أنياب الأسود الجائعة هنيئا مريئا لهم . فى تلك اللحظة المهيبة نظر الأسد إلى أسود الغابة قائلا لهم ساخرا وضاحكا وسط ذهول وصدمة الحمار :” ألم أعدكم أنني سوف أحضر لكم وجبة طازجة على قدميها ..؟”

* الشاهد فى هذه القصة أنه يجب على العقلاء  والحكماء والخبراء فى أمتنا العربية والإسلامية أن  يدرسوا ويحللوا  ويعوا موازين القوى مع العدو أو الخصم حتى لا نسقط فريسة سهلة بين أنيابهم . و حتى لا يستدرجك خصمك أو عدوك إلى أرضه وملعبه ومملكته لينازلك فيها , وأنت ضعيف أعزل لا تملك مثل ما يملك من أدوات القوة والبطش والقتال . فضلا عن تحديد المكان والزمان رغما عنك وبغفلة منك  . فعلها “ خالد بن الوليد ” عندما انسحب فى غزوة مؤتة بثلاثة آلاف مقاتل , وكان جيش الروم ساعتها مائتى ألف مقاتل . فقد ثلاثة عشر شهيدا أمام ثلاثة آلاف قتيل فى جيش الروم . انسحب وهو منتصر حتى لاتحدث ” أم المذابح “ لأن ميزان القوة ليس فى صالحه . إنه التكتيك العسكري المتزن الذي لا يعتمد على المغامرة والعاطفة أو الشعارات الفارغة من مضمونها . , بل يعتمد على التخطيط المسبق والعقل والتدبير المحكم . استلذت ” الأسود ” بلحم الحمار لأنه ظن بحموريته أن الأسد فر منه هاربا …! . والحقيقة التى لم يدركها أن الأسد قد دبر خطة محكمة ليسحبه على قدميه إلى غابة الأسود ليعفى نفسه من مصاريف شحن جثة الحمار لان الطريق طويل..!. إن فى ذلك لعبرة لمن أراد أن يذكر أو يعى أو يفهم .
وادى

* وتذكر صفحات كتب السيرة أنه لم يمض على معركة مؤتة ثلاثة أشهر , حتى كان فتح مكة والنصر المبين في رمضان 8 هجرية بجيش ضم معظم الذين انسحب بهم خالد بن الوليد . وفي رجب 9 هجرية كانت غزوة تبوك حيث بسط المسلمون نفوذهم على جزيرة العرب , ثم ليقود خالد بن الوليد هذا الجيش  الذي انسحب به من مؤتة مخلصاً إياه من هزيمة منكرة سيسحق فيها ضد جيش الروم العرمرم . إنها عبقرية التخطيط الهادئ المتوازن الذى يعتمد على تحليل المعلومات حسب ماهو متاح من إمكانيات تمكنك من تحقيق النصر .  لو كان جيش خالد بن الوليد انسحب مهزوما مخذولا مقهورا , لما استطاع لم شمله وبث الروح فيه من جديد إلا بعد مدة طويلة . إن الهزائم تكسر النفوس قبل الرؤوس , ولكن العقلاء الحكماء لا يندفعون مع المندفعين من عوام البشر الذين لا فكر ولاعقل لهم سوى تحقيق مكاسب فورية سريعة مثل رغاوى وزبد البحر , سرعان ما تختفى  وتخبو مع أول اشراقة شمس صباح الحقيقة المؤلمة .

غزوة-مؤتة
*
إن ديننا الحنيف دين واقعي يتعامل مع الواقع ولا يتعامل مع الخيال . يتعامل مع الحقيقة ولا يتعامل مع الكذب والزور والبهتان . وإلا ما قال الله عز وجل فى مواجهة الأعداء “ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” . القوة بكل صورها وإشكالها , القوة الإيمانية والبدنية والعسكرية والمادية . أن تأخذ بأسباب النصر وتترك النتائج على الله وحده , لأنك مسؤول عن الأخذ بالأسباب ولست مسؤولا عن تحقيق النصر من عدمه . ولو أن ” خالد بن الوليدأخذته العزة والكبرياء والغرور , وهو الذي مازالت تكتيكاته العسكرية تدرس حتى اليوم فى المعاهد والمراكز الغربية , وقرر مواجهة جيش الروم لتحققت مذبحة محققة لا ريب فيها . كيف يقابل الفرد الواحد فى جيشه سبعين مقاتلا فى جيش الروم..؟ لا توجد نسبة وتناسب فى الأعداد والعدة والعتاد على أرض الواقع . احترم خالد بن الوليد نظرية العقل والمنطق وميزان القوى فاحترمه وقدره سيد البشرية صلى الله عليه وسلم وسماهم ” الكرار ” وكان أهل المدينة قد سموهم ” الفرار “ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم صحح المصطلح والمفهوم تقديرا لدور خالد العظيم .
*
لابد للباحثين والخبراء والقادة فى أمتنا العربية والإسلامية  أن يقرؤوا كتب التاريخ وصفحات السيرة المعطرة  , وسير الأبطال الفاتحين أمثال خالد بن الوليد لكي يتعلموا الدرس جليا واضحا دون لبس أو غموض حتى لا تسقط تلك الأمم بين أنياب الأسود المفترسة , وتحليل الغزوات والمعارك الحربية على مدار التاريخ البشرى لدراسة وتحليل ومعرفة وفهم لماذا انتصر هذا وانهزم ذاك ..؟. إن ” العدو ” فى أى مكان وزمان لا يحترم ولا يخشى إلا من معه القوة بكل فروعها . وإن أرضا محتلة أو حقا مهضوما لايمكن استرداده بالذل والمهانة والتوسل . إن تعداد سكان دولة ” باكستان لا يمثل شيئا مذكورا بالنسبة لجارتها ” الهند تعداد الهند “1,284,290,000  أى مايمثل 17.6% من سكان العالم . أما تعداد باكستان فهو 192,742,962  أى ما يمثل 2.64% من سكان العالم حسب آخر الإحصائيات . ورغم الفارق العددى الهائل بين الدولتين الجارتين , إلا أن باكستان استطاعت تحقيق معادلة سياسة الردع المتوازي بامتلاكها السلاح النووي . إن عالمنا العربي والاسلامى سيظل مطمعا للقوى الاستعمارية تمزقه وتهدد أمنه وسلامته مالم يمتلك قوة ردع تحميه . وما يحدث فى ليبيا وسوريا واليمن والصومال والعراق ليس عنا ببعيد . نحن نعيش فى غابة الأسود ,  ولا مكان فيه للنعاج المستأنسة حتى لاتكون شعوبنا وجبة طازجة تذهب بقدميها إلى غابة الأسود ..!؟.

مقالى دعوة للدراسة والبحث الدقيق وليس دعوة للضعف والاستسلام أمام أعدائنا فى كل مكان وزمان .

 

‫5 تعليقات

  1. مقال رائع يضرب بجذوره في أرض الواقع و إن كان مؤلما و لكنه صرخة متوازنة لمن يعي
    سلم قلبك و قلك أيها الرائع

  2. مقال رائع يضرب بجذوره في أرض الواقع و إن كان مؤلما و لكنه صرخة متوازنة لمن يعي
    سلم قلبك و قلمك أيها الرائع

  3. مقال رائع استاذنا الكريم ،، فيه من الحذر والحكمه المنشودان ،، تحسبا لاي خدعه ،، لكن عفوا سيدي الكريم ،، لن ينخدع العرب في تلك الكمائن لانهم يصلون الان دليفري بانفسهم للاسد ،، حتي في حاله العنفوان ، فالكمين يتم تكرارة ، ،، موشي ديان قال : العرب لايقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون ، واذا فهموا لا يستوعبون ،، كان هذا تعقيبا علي دخوله سيناء عام 1967 م بنفس خطه دخوله عام 1956م ،، اما الان فهم نائبون عن الاسد في بلدان المسلمون ،، ينفذون ما يُطلب منهم دون عناء للاسد ،، تحياتي كاتبنا الرائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى