الأرشيفتقارير وملفات

الأساس قبل الأثاث, والأصول قبل الفروع

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى 

* لا يمكن لعاقل أبدا أن يشترى أثاث البيت قبل إن يؤسس البيت أو يشرع فى بنائه , وإلا كان عمله عملا عشوائيا لا طائل ولا فائدة من ورائه. إذ كيف يبحث عن الفرع والأصل غير موجود..؟. فجذع الشجرة وساقها ينبت قبل فروعها وأوراقها . فهل يعقل مثلا أن نبنى مدرسة أو مستشفى فى فلاة لانبت فيها ولا ماء ولا بشر , فمن يستفيد منها ..؟ ولمن نؤسسها..؟ إنها لاشك أموال مهدرة وطاقات مبعثرة فى غير محلها . هذا هو حال من يفكر فى الوطن ولا يفكر فى المواطن , من يقول مثلا بلا فهم أو وعى نموت ويحيا الوطن . نعم وألف نعم , يحيى الوطن , لكن يحيى من أجل من وكلنا موتى ؟  إن المكان بساكنيه والوطن بمواطنيه .ألا يمكن أن نحيا أعزاء كرماء مثلا ويحيا معنا الوطن عزيزا كريما..؟ ألا يمكن أن يرتقى الوطن ونرتقى معه وبه آمنين مطمئنين يأتينا رزقنا رغدا من كل مكان ؟ أم انه لابد أن نموت لكى يحيا الوطن..؟ إن قوة أى وطن مستمدة من قوة المواطن , والمواطن الفقير المريض الضعيف الجاهل الخائف المهلهل كالبيت الآيل للسقوط , لايمكن أن يبنى وطنا إلا بنفس المواصفات السابق ذكرها . وهل تقدمت اليابان مثلا ودول نمور شرق أسيا وعلى رأسها ماليزيا بغير المواطن..؟ إن أى وطن بلا مواطن حر قوى مثقف متعلم قادر على النهوض بوطنه والارتقاء به فى مصاف الدول الراقية  , لهو أرض فضاء جرداء بلا قيمة يمكن لأى محتل غاصب إن يحتله بوضع اليد..!. إن الأصل مقدم على الفرع , والصورة مقدمة على الظل . والأساس قبل الأثاث .

مصر

* إن الطريق إلى بناء وطن قوى غنى قادر على حماية حدوده وسد احتياجات أبنائه من مطعم ومشرب لكل جائع , ومأوى لكل متشرد وعمل لكل عاطل ,  ودواء لكل مريض , مجتمع يتمتع بالحرية السياسية والأمن الاقتصادي ليس مفروشا بالورود والرياحين . كما أنه ليس مفروشا بالأماني والتمني ,  بل إنه محفوف بالمخاطر والتحديات والمصاعب والمشاق . إن الأمم لاتبنى بالشعارات , ولاتتقدم بفرض الضرائب والجباية على الفقراء والمساكين . كما أن الدول لاتقوى بالنظريات , والشعوب لاتتقدم بالوعود والأمنيات. ستظل الفجوة شاسعة , والهوة واسعة بين النظرية والتطبيق مالم نتعامل بخبرة وحنكة وتأنى ودراية وعلم ودراسة مع واقع مجتمعنا الذي تغلغلت فى أحشائه أمراض سياسية واقتصادية وتعليمية وإدارية وفكرية مزمنة يستعصى علاجها بين يوم وليلة أو بين عشية وضحاها . إن الظن لايغنى من الحق شيئا , وان الحق هنا هو تقديم الفهم على العمل لأن عملا بلا فهم هو بمثابة إهدار للجهود , وإضاعة للوقت بلا فائدة مرجوة منه . فهل آن الأوان أن نفيق أو نستفيق من الغيبوبة الدماغية التى لازمتنا طيلة العقود الخالية ..؟

* إن الفارق الشاسع بين مصر والدول التى ركبت قطار التقدم وصعدت إلى سطح القمر وحققت الاكتفاء الذاتي فى سلاحها ودوائها وغذائها , ليس فى كثرة الموارد الطبيعية التي تمتلكها تلك الدول ولاتمتلكها مصر . كما أن الفارق لايتمثل فى آبار البترول ومناجم الذهب والفضة التي تمتلكها تلك الدول ولا تمتلكها مصر . كما انه ليس فى الموقع الجغرافي الفريد المميز لتلك الدول وتفتقده مصر , كما أن الفجوة الواسعة لاتتمثل في كثرة تعداد السكان فى تلك الدول وتفتقدها مصر  , الفارق الوحيد ياسادة هو ” الإنسان ” الحر الذى ارتقى بوطنه وصعد به إلى القمة , ونحن مازلنا فى سفح الجبل قابعين , نبحث عن كسرة الخبز وشربة الماء . إن رجلا واحدا صعد بماليزيا وانتشلها من براثن الفقر والجهل , وأنقذها من مستنقعات التخلف والأمية والمرض , بفضل النية الصادقة والعلم الدؤوب والجهد المتواصل , انه مهاتير محمد رجل المعجزات والانجازات غير المسبوقة . ونحن مازلنا نبحث عن أول الطريق كلما تقدمنا خطوة واحدة للإمام , تقهقرنا إلى الخلف خطوات , لنبدأ كل مرة من نقطة الصفر التي يبدو أننا لن نتجاوزها فى المستقبل القريب .

* ستبوء أي حكومة أو سلطة  حاكمة فى الحاضر أو المستقبل بالفشل الذريع السريع إن بنت وأسست دولتها على شفا جرف هار . إن المواطن المصري ظل يعانى طيلة العهود الاستبدادية السابقة ولاسيما فى عهد الطاغية المخلوع من تسطيح للعقل , وإهمال فى التعليم , وفشل فى البنية الأساسية الخدمية , وعدم اكتراث فى الخدمة الصحية  . فعمت الأمراض , وتفشى الجهل , وانتشرت الأوبئة , وسادت الأمراض المزمنة كالسرطان والكبد الوبائي والسكر والضغط وفقر الدم وعدم الرعاية الصحية والاجتماعية . ناهيك عن نسبة الأمية العالية بين شرائح الشعب . وحدث ولاحرج عن الفشل الاقتصادي والتوتر الامنى وعجز الموازنة المرعب , والفجوة بين الأجور والأسعار , وتحول المجتمع المصري إلى طبقتين , طبقة الأسياد التى تحكمت فى مصير البلاد والعباد وتنعمت بالخيرات والثروات , وطبقة العبيد الكادحة التي لاتجد قوت يومها . الوطن قبل المواطن , لان الوطن كيان اعتباري , أما المواطن فهو إنسان وليس حيوان له حقوق وعليه واجبات , فان أخذ ماله , أدى ماعليه . وإن شعر بالظلم والهوان , فلايبنى عليه أمنيات ولا حتى أحلام .

* هل المطلوب مثلا أن نصنع مواطنا أحول يرى الحقائق على عكس صورتها الحقيقية .  هل المطلوب أن يكون لدينا مواطن مقلوب الفكر مشوه العقل يقبل الظلم ويراه عدلا , وينعم بالديكتاتورية ويراها ديمقراطية , ويرضى بالعبودية ويراها حرية  , ويستحسن لون الدماء ويراها تستوي مع لون الماء . كما يستوي عنده حكم  عادل مع آخر ظالم..؟, ولاتفرق معه أن يعيش فى ظلام أو فى ضياء ونور ..؟. لقد بذلت وسائل الإعلام فى العهود السابقة إلا مارحم ربى أقصى ماعندها لتخليق مواطن مهجن صناعيا ناقص الأهلية متخلف العقلية  , ليس عنده ادني طموح , وإنما همه ومايشغله هو بطنه , فان امتلأت نام وهدأ واستقر , وان تحركت أمعاؤه فى بطنه جوعا خرج يقطع الطريق ويشعل الحريق.  إنها وسائل إعلام شيطانية غسلت تلك الأدمغة وشوهت تلك العقول , وأمرضت تلك الأبدان , وغيرت ثقافة ومفاهيم وعقيدة تلك الأجيال . ومن ثم فان إعادة صياغة عقول تلك الأجيال وضبط مفاهيمهم وتطهير أفكارهم مما علق بها من شوائب الأنظمة السابقة هو الأولى والاوجب لمن يريد صلاحا أو إصلاحا .

* تشعر شرائح كثيرة من هذا الشعب  بسبب ماوصلنا إليه من أحوال بائسة يائسة ,  أن في أعينها ألف دمعة , وفى قلبها آلف خنجر , وفى ظهرها ألف شوكة , وفى نفسها ألف جرح  تشعر أن الطريق مسدود , والشر ممدود , وما بقى من أعمارها معدود . تشعر أن الرياح قد أتت بما لاتشتهيه السفن , ولاركاب السفن , ولاربان السفن  . تشعر أن البحر عميق , والموج عتيق , ويتربص بها العدو والصديق . ليست تلك الشرائح يائسة من رحمة الله , فحاشاه أن نيأس من رحمته , ولكنها يائسة من أفهام البشر وعقول الناس وقلوب الخلائق . الكل يلهث وراء مصالحه الفردية , ولا أحد يكترث بالقضية الكلية , القضية التي خلق الله الناس من أجلها , ألا وهى إحقاق الحق وإبطال الباطل , قضية خلق الله من أجلها الكون وخلق من اجلها آدم وحواء . تشعر تلك الشرائح بالتهميش والتهويش والتهديد بقطع أرزاقها وتهديد وجودها إن هى عبرت عن أرائها بحرية وكرامة , لأنها تشعر أن الكل اليوم يجب أن يعزف على أوتار سيمفونية واحدة ومن يشذ , يشذ فى السجون والمعتقلات والويل والثبور وعظائم الأمور .

* يقول الدكتور محمد إقبال ” الصفوف معوجة منشقة والقلوب خاوية حائرة والسجدة خامدة جامدة لاحرارة فيها ولاشوق ولا عجب . فقد انطفأت شعلة القلب وخمدت جمرة الفؤاد “. وعندما قرأ أحد الدعاة المصلحين هذه المعاني قال معلقا ” إنه عرف أن ضعف القيادة وراء كل هذا الاضطراب والفوضى بين الناس وأن السر فى ضعف الحياة وتضعفها هو فقدان التربية لدى القادة والزعماء وجمود القلب والعاطفة . إن القادة هم قلب الجماهير ولكن قلوب هولاء القادة بنفسها عدلت عن مكانها المقرر المرسوم وامتلأت بحب الدنيا وحب الجاه بدلا من الإيمان واليقين .” لكن السؤال هو وهل تتقدم الأمم بقيادتها فقد وشعوبها نائمة متخلفة أم إن القيادة القوية الواعية هى نتاج شعب قوى واع ناضج ..؟. الأمل كبير فى إعادة صياغة عقول ومفاهيم شرائح كثيرة فى هذه الأمة حتى يهيئ الله لها لها قادة يحملون همومهم ويفرجون كروبهم ويعاملونهم كمواطنين لهم حقوق وليس خدم عليهم فقط واجبات . الوطن لايمكن أن يؤسس على شفا جرف هار , أى على أكتاف مواطن مهلهل كالثوب المرقع كلما رقعت جزءا منه , انهار الآخر , وهكذا لا أمل فى إصلاح الثوب . دائما وأبدأ , لابد آن تسبق الأصول الفروع , والأساس قبل الأثاث . والله من وراء القصد والنية . الله أسأل السلامة لديننا والأمن والتقدم والازدهار والحرية والديمقراطية لوطننا .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى