آخر الأخباركتاب وادباء

اسكندرية مأوى ملوك أوروبا

من ذاكرة اسكندرية

سلسة مقالات الأسكندرية من روائع الأديب الكاتب

المهندس/ محمود صقر

كانت اسكندرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بما كانت عليه من أمان واستقرار وازدهار اقتصادي، قبلة للغربيين الباحثين عن الرزق أو الفارين من الحروب والقلاقل طلبا للأمان.
وسنخصص هذا المقال للفارين إليها طلبا للأمان من الأسر الملكية الأوروبية التي تم خلعها لتأسيس جمهوريات محلها، حيث سرت في أوروبا موجة من الثورات أطاحت بالملكيات القديمة.

بعد نجاح الفاشية في إسقاط الملكية الإيطالية، استقبلت اسكندرية آخر ملوك إيطاليا الملك “فيكتور إيمانويل الثالث” الذي حكم إيطاليا لمدة 46 عاما، بعد تنازله عن العرش عام 1946، وهو ثالث ملوك إيطاليا وحفيد موحد إيطاليا، وتوفي في اسكندرية عام 1947، ودفن في كنيسة سانت كاترين، واستعادت إيطاليا رفاته عام 2017.
وخلدت اسكندرية ذكراه بإطلاق اسمه على أكبر ميادين منطقة سموحة.

وما حدث في إيطاليا تكرر مع سقوط مملكة اليونان، ولجأ العديد من أفراد الأسرة المالكة اليونانية إلى اسكندرية بين أعوام 1944-1946، ومنهم ولي عهد اليونان الأمير “بول” وزوجته “فريدريكا”، وابنتهما “صوفيا”، والتي صارت فيما بعد ملكة أسبانيا بزواجها من ملك أسبانيا “خوان كارلوس”.
وتعلمت “صوفيا” في المدرسة الانجليزية “فيكتوريا كوليچ” للبنات التي تأسست في البداية في فيلا الثري اليوناني “زرافوداكي” بحي زيزينيا، ثم انتقلت لمكانها الحالي بالشاطبي عام 1935 بتصميم المعماري “جاري وارنام”، تحت اسم المدرسة الانجليزية للبنات E.G.C، ثم تم تأميمها عام 1956 وتسميتها كلية النصر للبنات بالشاطبي، وقد زارتها الملكة “صوفيا” لاستعادة ذكريات طفولتها أثناء زيارتها لمصر عام 1989.

وفي عام 1945 جاءت الأسرة الملكية البلغارية المخلوعة إلى اسكندرية، كان الملك “سيميون الثاني” ملك بلغاريا يبلغ من العمر ثمانية أعوام، وهو حفيد ملك إيطاليا المخلوع، الملك “فيكتور إيمانويل الثالث”، فهو والد الملكة “جيوفانا” والدة “سيميون الثاني”، وأتم “سيميون” دراسته في “فيكتوريا كوليج” بصحبة ولي عهد ألبانيا “ليكا”، ثم انتقلت العائلة للعيش في أسبانيا.
وبعد سقوط الشيوعية في بلغاريا عام 1990 حصل “سيميون” على جواز سفر بلغاري، وعاد إلى بلاده فيما بعد وصار رئيسا للوزراء عام 2001، في سابقة من نوعها لملك تم خلعه ثم عاد رئيسا للوزراء في جمهورية بلاده.

وممن نزلوا ضيوفا على اسكندرية من العائلات الملكية المخلوعة، ملك ألبانيا “أحمد زوغو”، الذي تم خلعه عام 1939، وانتقل إلى اسكندرية هو وأسرته بعد فترة قصيرة أمضاها في انجلترا بدعوة من الملك فاروق، ثم غادر مصر وعاش في فرنسا حتى توفي فيها، والملك بطرس ملك يوغوسلافيا بعد سقوطها في يد النازي.

هذه عينة من الأسر الملكية التي وجدت في اسكندرية الأمان والاستقرار وحسن الضيافة، وهم عينة بسيطة لشخصيات عالمية في مجالات السياسة والفن وغيرها عاشوا في اسكندرية وبعضهم ولد فيها مثل المطرب اليوناني العالمي “جورج موستاكي” والمطرب “ديميس روسوس” والروائي الانجليزي “لورانس داريل” صاحب رباعية اسكندرية، والرسام والملحن الإيطالي “إنريكو تيرني”، وزوجته الروائية “فاستا جالينتي”، وكثير غيرهم.

وكان من الطبيعي أن تكون اسكندرية واحدة من أهم المدن على خارطة السياحة العالمية، بما تمتلكه من تاريخ وطبيعة وآثار ومئات المباني التاريخية المدرجة ضمن قائمة المباني التراثية والمتميزة معماريا.

كان من الممكن أن يقوم المرشد السياحي السكندري بالمرور بالسائحين على الفلل والقصور والبيوت التي عاشت فيها تلك الشخصيات العالمية، كما يحدث في المدن الكبرى في العالم، والتي لا يوجد منها ما يجاري ثراء وتنوع الشخصيات الهامة التي عاشت في اسكندرية.

وكان من الممكن تسويق أعمال كبار المعماريين السكندرين العالمين من أمثال “أنطونيو لا شاك” و “جياكومو أليسندرو لوريا” وغيرهم سياحيا، أسوة بتسويق مباني المعمارية “زها حديد” بانجلترا، وأعمال المعماري “جاودي” في برشلونة وغيرهم.

ولكن للأسف كثير من تلك القصور والفلل تم رفعها من سجل المباني التراثية بأحكام قضائية أو بالالتفاف على القانون، وتم هدم بعضها، والبعض الآخر يعاني من الإهمال وفي طريقه للهدم، والباقي منها يعاني من نسيانه والجهل بمكانته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى