الأرشيفتقارير وملفات

استعباد باسم الله.. لماذا تمتلك موريتانيا أعلى نسبة من العبيد في العالم؟

استعباد باسم الله.. لماذا تمتلك موريتانيا أعلى نسبة من العبيد في العالم؟

تقرير بقلم

طارق فرحات

بالرغم من منع العبودية رسميا ثلاث مرات، كان آخرها في 1981 بعد حملة اعتراضات واسعة نجمت عن بيع إحدى النساء، ورغم إصدار قانون آخر يجرّم ملكية العبيد ويهدد المالكين بالسجن وبالغرامات المالية الباهظة في 2007، إلا أن “أسواق النخاسة” لا تزال منتعشة في هذا البلد الإفريقي المنسي دوليا.

تساءلت مباركة منت عيساتيم، لماذا لا تضطر الفتيات الأخريات لتنظيف الأطباق أو كنس وتنظيف الأرضيات من رمال الصحراء؟

في الوجبات العائلية، تنتظر عيساتيم وهى احدى الفتيات حتى ينتهي الآخرون، ومن ثم تأكل من بقايا الطعام وحدها. وقد تتعرض للضرب في حال كانت بطيئة في غسل الأطباق. تنام على حصيرة خارج المنزل، ولم تذهب إلى المدرسة.

تلك كانت الحياة الوحيدة التي عرفتها عيساتيم. الأسرة، وهي جزء من أقلية العرب والبربر في موريتانيا والمعروفة باسم “المور البيض”، سيقولون للناس أنها كانت طفلتهم. ولكن وبينما ترعرت عيساتيم، بدأ “عمها” في ملامستها بشكل غير لائق.

تتذكر عيساتيم قائلة، “كنت في حيرة من أمري. لم أفهم ماذا يمكن أن أكون بالنسبة له.”

تحكي عيساتيم عن محادثة دارت بينها وبين سائق سيدها يومًا ما وتقول: “سألني:” ما هي علاقتك مع هؤلاء المور؟” قلت، هذه هي الأسرة الوحيدة التي أعرفها. وفيما بعد أدرك أنني كنت عبدة.”

في موريتانيا، وهي دولة صحراوية واسعة تمتد في جنوب الصحراء الكبرى لقارة أفريقيا وشمال القارة العربي، تبلغ نسبة العبيد في أي جزء منها ما بين 20:4% من السكان. هناك عدد قليل من الإحصائيات الموثوق بها، وبالتالي فإن الأرقام الدقيقة غير واضحة. ولكن حتى أقل التقديرات تجعل موريتانيا الدولة التي تشمل أعلى نسبة من العبيد في العالم.

وبينما لا يقيد العبيد هنا جسديًا، وكثير منهم ما زالوا رهن الأزمات النفسية العميقة، فضلًا عن الفقر المدقع. فإن البعض ينظرون إلى العبودية باعتبارها واجب مقدس لخدمة أسيادهم، ويميلون إلى القيام بالأعمال المنزلية بدون أجر. آخرون، مثل عيساتيم، يكبرون وهم لا يعرفون أي شيء آخر. يقول نشطاء مكافحة العبودية إن تحرير عقولهم هي واحدة من أصعب التحديات.

بوبكر ولد مسعود، الذي يكافح ظاهرة العبودية لعقود مع جماعته عبيد SOS، يربط بين العبودية في موريتانيا والإقطاع، والتي يبدو فيها العبيد كعبيد الأرض يكدحون أرض سيدهم.

آخرون يصفونها بالنظام الطبقي. عبيد اليوم، مثل عيساتيم، هم من نسل أجدادهم ذوو البشرة السوداء والذين كانوا مستعبدين منذ قرون من قبل المور البيض من أصحاب البشرة الفاتحة.

يقول مسعود، “وُجد الرق لعدة قرون. يقول الناس إنهم عبيد بمشيئة الله”.

من جانبها، لا تعترف الحكومة الموريتانية بعمق المشكلة، وحتى من قبل الكثير من الموريتانيين.

يضيف مسعود، “الناس لا تعترف بالعبودية، حتى العبيد ينفون وجود العبودية الخاصة بهم.”

من الناحية القانونية، هناك بعض الاعتراف بالمشكلة، ولكن التطبيق أمر نادر الحدوث. ألغي الرق هنا في عام 1980، على الرغم من أنه لم يكن يعتبر جريمة حتى عام 2007. وبينما يشمل القانون الجديد عقوبات بالسجن لمالكي العبيد، فإن أمر إدانتهم يكاد يكون أمرًا نادر الحدوث. وعادة ما يتم تصنيف هذا الاتهام باعتباره جنحة، مثل “العمل غير المأجور”.

وفي الوقت الذي تعترف فيه الحكومة الموريتانية ب “بقايا” العبودية، فإنها تقول أنها نسبة ضئيلة.

يقول أحد أعضاء مجلس الشيوخ الموريتاني، “لدينا مشكلة عبودية، ولكنها ليست كبيرة مثلما يتصورها الناس في الخارج “.

ولكن حتى في أكبر مدن العاصمة الموريتانية نواكشوط، تبدو المشكلة واضحة.

بلال ولد سلكا، 33 عامًا، يعيش في مخيم  فقير على قطعة أرض فارغة من الأراضي في حي الأثرياء في نواكشوط.

سلكا يعيش مع العديد من الآخرين في خيام وأكواخ، والذين يعتبرون أنفسهم عبيدا هاربين، وهم من لم يطلق سراحهم أبدًا رسميًا من قبل أسيادهم.

يقول سلكا أنه يزرع القمح والفاصوليا في مسقط رأسه في أرض لا يملكها، بل ويضطر لإعطاء سيده عشر المحصول. وحتى في أوقات الجفاف التي تشهد إنتاج كميات أقل من الطعام، فإن سيده لا يزال يأخذ العشر.

هذه هي واحدة من المشاكل الرئيسية التي تحول دون التغيير في موريتانيا: أسر الرقيق مثل سلكا ليس لها الحق في الأرض، على الرغم من أنهم قد يكونوا مستعبدين من قبل نفس العائلة لعدة أجيال.

الحياة في نواكشوط الحضرية صعبة. غالبًا ما يأكل سلكا وجبة واحدة في اليوم.

يقول سلكا: “أنا لا أشعر بالحرية. كيف يمكن أن نكون أحرارًا عندما لا يكون هناك مكان للعيش، وليس لدينا عمل، عندما تعيش مع أطفالك في هذه الظروف؟”.

ويقول بعض العبيد الهاربين إنهم يريدون وثيقة من سيدهم لإعلانهم أحرارًا. حتى الذين يعيشون بعيدًا عن أسيادهم، لا يعتبرون أنفسهم أحرارًا حتى يحصلوا على هذه الوثيقة.

وبحسب مسعود، يعد ذلك دليل على الرق النفسي: “بالنسبة لي، العبد الذي يطلب وثيقة لا يزال عبدًا. الشخص الذي يسأل عن أوراق لا يزال عبدًا في مخيلته”.

عيساتيم، والتي لم تتجاوز عامها السابع والعشرين، نالت حريتها منذ أربع سنوات. ولكنها لا تزال تعاني من تبعات ما عانته في طفولتها بينما كانت لا تزال عبدة.

ليس لدى عيساتيم أية ذكريات حقيقية عن حياتها قبل انتقالها إلى مرحلة العبودية في منزل العائلة التي تنتمي إلى المور البيض. ولم يتبق في أذهانها سوى اللحظات التي قامت فيها والدتها، التي كانت هي الأخرى ضمن العبيد، بتسليمها لأسيادها من عائلة المور البيض بناءً على طلب من سيدة المنزل.

عيساتيم تروي قصتها بتفاصيل وحشية منفصلة: سيدها اغتصبها مرارًا وتكرارًا. بل إنها غدت حاملًا وأنجبت طفلًا وهي في سن الرابعة عشر، وفيما بعد تعرضت للاغتصاب من قبل نجل سيدها.

ويقول نشطاء مكافحة الرق إن ممارسة الأسياد للجنس مع العبيد هو أمر معتاد، حتى أن زوجاتهم لا يشعرون بالغيرة لأن العبيد لا ينظر إليهم باعتبارهم من البشر.

ولكن حياة عيساتيم أخذت منعطفًا آخر أكثر حظًا عندما التقت سائق سيدها، المختار، زوجها الحالي الذي ساعدها في العثور على والدتها، والتي لم تكن قد رأتها منذ أن كانت في الخامسة من العمر.

بمساعدة من أعضاء مبادرة عودة ظهور حركة إلغاء الرق ( IRA )، ساعد المختار عيساتيم في الحصول على حريتها.

الجزء الأكثر صرامة كان في تحرير أطفالها. فعائلة سيدها في البداية لم تسمح لعيساتيم باصطحاب أطفالها، معتبرين إياهم من ممتلكاتهم. عندما أحيلت القضية إلى المحكمة، تحولت والدة عيساتيم ضدها وأخبرت القاضي بأنها كانت مختلة عقليًا ولا يجب أن تصطحب أطفالها معها.

وقال حمادي ليحبوص، وهو مناضل مع مبادرة عودة ظهور حركة إلغاء الرق، إنه من الشائع للأفراد الذين ينتمون إلى أسرة العبيد أن يقفوا في جانب سيدهم. “هم يعتقدون أنه من المخزي أن يكون لدى سيدهم مشاكل بسببهم، حتى لو كان ذلك على حساب أبنائهم”.

حياة عيساتيم غدت أفضل الآن. لكنها تقول إن سيدها وعائلته سرقوا مستقبلها: لم تتلق تعليمًا أبدًا، وما زالت لا تستطيع القراءة أو الكتابة. كما أنها لم تتعلم أبدًا كيفية الصلاة.

أطفالها الستة لم يذهبوا إلى المدرسة، وتعيش الأسرة في غرفة واحدة في كوخ خشبي في واحدة من أفقر المناطق في نواكشوط. زوج عيساتيم خسر وظيفته الثابتة للمساعدة في إطلاق سراحها.

تختتم عيساتيم قائلة، “ما زلت أسأل نفسي أسئلة، ماذا كنت أفعل مع المور البيض؟ لماذا كان علي أن أكون بعيدة عن والدتي ؟”.

وتتابع، “هذه هي الأسئلة التي أسألها لنفسي. وآمل أن أحصل على إجابات “.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى