كتاب وادباء

اختلاف الآراء… واستحلال الدماء.

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

  من الأقوال المشهورة : ” دخل ذئب حظيرة الخراف , فالتهم نعجة بيضاء , ففرحت النعاج السوداء . ثم التهم نعجة سوداء , فقالت النعاج البيضاء : ذئب عادل . ومازال الذئب يمارس عدله فيهم حتى الآن . ” لقد خلقت الحياة ومعها مجموعة من المتناقضات ولكنها تكمل بعضها بعضا . فليس الذكر كالأنثى , ولا السماء كالأرض , ولا الجبال كالوديان , والا الشمس كالقمر , ولا النجوم كالكواكب  , ولا الماء كالنار , ولكنها تكمل بعضها بعضا . كذلك عقول البشر ليست قطعا خشبية منحوتة ومختومة بختم واحد , عليها شعار واحد , تحركها يد واحدة . إن أسوأ العقول هى التي تحول الاختلاف إلى خلاف . يقول أحد الحكماء : الخلاف فى الرأي يجب ألا يؤدى إلى عداء ، وإلا كنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء . نعم.. أنت صديقى والحق صديقى، فإن تعارضا فالحق أولى بالصداقة . لاتحول الاختلاف إلى بغضاء وشحناء وعداء . إن عدونا مشترك لأنه لايقبل رأى ولا رأيك . وإذا عضنى اليوم ، فسوف يأكلُك غدا . فكن على حذر ولاتضخم أخطاء غيرك ، وتهون من شأن أخطاءك . الذئب وراءنا، ينتظر خلافنا، كى ينهش لحومنا …!

خلاف
* لقد تحولت الاختلافات فى الرأي وتباين وجهات النظر السياسية وغيرها فى شؤون الحياة العامة إلى عداء مزمن  ومرض مستحكم لاعلاج له . بل فى بعض الأحايين أدى الاختلاف إلى استحلال الدماء وتبرير القتل وانتهاك الأعراض, وكأن منهج الاختلاف عدو نزل علينا من سماء الأعداء. أنا اختلف معك , وأنت تختلف معى , هذا صحيح . لكن هل هذا مبرر كاف لأن تحلل دمى وأحلل دمك ..؟ أنا أختلف معك , وأنت تختلف معى , هذا صحيح .  لكن هل هذا مبرر كاف لكى تفرح فى مصائبي وأفرح فى مصائبك..؟ أنا اختلف معك , وأنت تختلف معى , هذا صحيح . لكن هل هذا مبرر كاف لكى تجعل من آرائي ” قميص عثمان ” تعلقه على باب المسجد الاموى كى تستعدى به المجتمع على وعلى بيتى ..؟ ماذا دهانا..؟وبأي عقل نفكر..؟ وعلى أى منطق نرتكز ..؟ والى أي دين ننتمي..؟وفى أي وطن نعيش..؟ القضية تحتاج إلى إعادة تفكير , والأمر يحتاج إلى إعادة ترتيب لان الجسد حاضر والعقل غائب . استحلال الدماء والأعراض ليس اختلافا فى وجهات النظر , لأنه ساعتها لايوجد نظر ولابشر , وإنما يوجد انسلاخ من البشرية كلها .

محور-الشر
* لايمكن فصل التشنجات العصبية , والتقلبات النفسية , والانحرافات السلوكية الناتجة عن التباين فى وجهات النظر عن المناخ السياسي السائد فى البلاد . فالشئ من معدنه لا يستغرب . فالمناخ السائد اليوم فى مصر يشبه تماما المناخ السائد يوم أن  شن  الرئيس الامريكى”  جورج بوش ” الحرب على العراق وأعلن شعاره حينذاك ” من ليس معى فهو ضدى ” وقسم العالم إلى محورين : محور الشر ومحور الخير . وهاهى الأيام تدور دورتها , ويتفشى هذا الوباء فى التربة المصرية , وتتكاثر جراثيمه , وتنتشر حبوب اللقاح الناقلة لهذا المرض المعدي بفضل سرعة رياح الحماقة وقلة العقل وعدم تقبل الرأى الآخر . ويتبنى الإعلام المصري مسموعا ومقروءا ومكتوبا إلا مارحم ربى هذه النظرية البوشية لغرسها فى عقول المصريين حتى اهتزت وربت . وأصبحت  تنصب  سرادقات العزاء فى الصباح وفى المساء , تنعى بمزيد من الأسى والحزن , كل صاحب رأى , وكل صاحب قضية , واعتباره من الأموات الذين يجوز أن تصلى عليهم صلاة الجنازة..!. 

* إن مناخ الرأي الواحد , والحزب الواحد , والصوت الواحد , ولاصوت يعلو فوق صوت المعركة , مناخ فاشل بامتياز لاينتج عنه خير , ولا يرجى من وراءه تقدم ولا ازدهار . واسألواأحمد سعيد ” مذيع النكسة الذى كان يطل علينا بصوته الرخيم من ” صوت العرب ” يبشر المصريين بقرب هلاك إسرائيل ومن وراء إسرائيل . والنتيجة معلومة لدى الجميع , نكسة تاريخية ندفع فاتورتها حتى الآن .
إن مناخ الحرية هو المناخ الأمثل والأصوب والأجدى  , هذا المناخ هو الذى يدرب الجميع على مهارة إبداء الراى , وسعة الصدر لتقبل الرأى الآخر بلا تخوين أو وصف بالعمالة  والخيانة . لم نسمع فى أمريكا والغرب مثلا أن حزبا سياسيا يتهم الحزب الآخر بالعمالة والخيانة مثلا . لكن نسمع فقط اتهامات بالفشل فى إدارة شؤون البلاد , وهذا لاشئ فيه . لانسمع عن التخوين والعمل لدى جهات أجنبية إلا فى بلاد العرب . وإن شئت فقل فى الإعلام الناطق باسم الأنظمة الحاكمة لقتل وتشويه كل صوت حر يريد النهوض بالوطن .
* يوم أن تستحل دمى وعرضي ومالي وسمعتي من أجل اختلافي معك , وأنا أفعل ذلك معك أيضا , فاعلم أن نهايتنا معا قد اقتربت . لان عدونا واحد يتربص بنا الدوائر , وينتهز الفرصة لكى يشوه بعضنا بعضا , ويقتل بعضنا بعضا , من باب ” فرق تسد” لكى ينقض علينا فى لحظة واحدة , ليلتهمنا سويا حتى لايبقى لنا أثر عين . إن سعة الصدور هى مصدر السرور , وإن ضيق أفق العقول والرؤوس , سبب كاف كى تنهال من فوقنا الفؤوس , وساعتها فلن تبقى ولن تذر . نحن فى حاجة ملحة لكى نعيد ترتيب أوراقنا , وتنظيم منهجنا , ومراجعة مقرراتنا الدراسية حتى نقدم الأهم على المهم, ونعرف من هو الصديق الذى يختلف معنا فلا نعاديه , ومن هو العدو الحقيقي الذى يتربص بنا الدوائر كى ينقض علينا فيأكلنا جميعا . ليس كل من يبتسم فى وجهك صديقا لك , وليس كل من يكشر فى وجهك عدوا لك . يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :” نحن نبش فى وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم ” فلابد إذا من سبر أغوار النفوس قبل رفع راية العداء  أو المحبة فى وجوه القوم. وليس كل ما يلمع ذهبا . ولا تجعلوا من اختلاف الآراء مبررا لاستحلال الدماء .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى