لايف ستايل

اختفى منها الرجال.. كيف تبدو الحياة على جزيرة أوروبية هادئة تديرها النساء بشكل كامل؟

جلست مجموعة من النساء كبيرات السن، يرتدين تنانير مخططة متشابهة، يحتسين القهوة في متحف جزيرة كينو الإستونية الصغيرة ويتدبّرن سؤالاً مفضلاً: ما الذي لم تفعله المرأة في جزيرة كينو؟ كانت هناك قائمة محفوظة تضم جميع الوظائف، التي شغلتها نساء جزيرة كينو في غياب الرجال بدايةً من إصلاح محركات الجرارات إلى أداء الخدمات الكنسية في حال عدم وجود القس الأرثوذكسي الروسي. حتى الآن، كان هناك عمل واحد فقط لا يمكن لإحداهن ادعاء أنَّها أدَّته.

قالت ماي آف، مديرة المتحف، لمراسلة صحيفة The New York Times الأمريكية: «هذا العمل هو حفر مقبرة. ومع ذلك، لا يمكن الجزم تماماً بصحة هذا الأمر». مثل بقية النساء كبيرات السن بالجزيرة، كانت ماي، وهي امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها، ترتدي أيضاً تنورة تقليدية (تُسمّى kort)، لكن لونها كان مختلفاً قليلاً، لتمييز سنّها الصغرى.

يُفتن زوار هذه الجزيرة الهادئة الواقعة في بحر البلطيق، بشواطئها والغابات البكر المحيطة بها ومنازلها الريفية ذات الألوان الزاهية. وتعتبر جزيرة كينو، الواقعة على بُعد نحو 7 أميال (11 كيلومتراً) من ساحل إستونيا، سابع كبرى جزر دولة إستونيا، التي تضم أكثر من 2000 جزيرة.

ظلت عديد من الجزر الإستونية على حالها دون أن تمس منذ أن كانت مأهولة بالسكان قبل قرون مضت. وعكس بقية جزر إستونيا، تبرز كينو على وجه التحديد، بسبب ساكنيها، إذ تشتهر الجزيرة بكثرة نسائها. 

بدأ الرجال يتلاشون من الحياة اليومية بجزيرة كينو منذ القرن التاسع عشر، بسبب انشغالهم بالعمل في البحر. أدَّى عملهم في مطاردة وصيد كلب البحر «الفقمة» إلى إبعادهم عن منازلهم عدة أشهر في كل مرة. 

وفي استجابة لذلك الغياب، تدخّلت نساء كينو وتولَّيْن إدارة جميع شؤون الجزيرة. توسّعت الأدوار التقليدية للإناث لتشمل أي شيء يحتاجه مجتمعهم للاستمرار والازدهار. في نهاية المطاف، أصبح هذا الدور متأصلاً في تراث كينو، كما أشارت منظمة اليونسكو عندما أدرجت جوانب من ثقافة الجزيرة بقائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في عام 2008.

لكن جزيرة كينو التقليدية الصغيرة تواجه مشكلة حديثة متنامية، تتمثَّل في تضاؤل عدد ساكنيها مع رحيل سكان الجزيرة، بسبب نقص الوظائف.

علاوة على ذلك، أدَّت التغييرات في صناعة صيد الأسماك إلى جلب ضغوط جديدة، إذ يعود الرجال إلى ديارهم فترات أطول، وبعضهم يبقى.

وقالت مار ماتاس، مديرة مؤسسة الفضاء الثقافي المكرّسة لتعزيز تقاليد سكان الجزيرة وحماية تاريخهم الثقافي من خلال تنظيم الفعاليات والمهرجانات والمبادرات التعليمية: «سيتعين علينا التسويق تجارياً في نهاية المطاف، لكن السؤال يتمثَّل في تحديد الطريقة الأفضل بالنسبة لنا».

مثل عديد من نساء كينو، مار امرأة متعددة المهام وشغوفة للغاية بالحفاظ على تراثها.  تعمل مار حارسة المنارة الحالية ومرشدة سياحية للجزيرة، بالإضافة إلى إدارتها لعديد من منازل سكان الجزيرة، الذين يقدمون للسياح الزائرين خدمة الاستضافة في منازلهم (من ضمنها منزلها الشخصي).

كان منزلها الأصفر، الذي يقع بالقرب من الساحل، يعج بمجموعة من الأنشطة بعد ظهر أيام شهر مارس/آذار، عندما وصلت بالمعدّية من ميناء مونالييد، الذي يقع خارج مدينة بارنو، رابع كبرى مدن إستونيا. 

مار أُم لأربعة أبناء. كانت ليز،  ابنة مار الكبرى البالغة من العمر حينها 18 عاماً، موجودة في المنزل قادمة من البر الرئيسي، حيث تعيش طوال الأسبوع لمتابعة دراستها بالمدرسة الثانوية في بارنو، بسبب عدم وجود مدرسة ثانوية بجزيرة كينو. في الوقت نفسه، كانت آني (12 عاماً)، وماريا (9 أعوام)، تهرعان استعداداً لحضور أحد عروض المواهب المدرسية في ذلك المساء. لكن ابنها مارتن (21 عاماً)، لم يكن موجوداً، إذ كان يدرس بالجامعة في مدينة تالين، عاصمة جمهورية إستونيا، على بُعد نحو 177 كيلومتراً. ومثل والدتهم، كانوا جميعاً يمتلكون شعراً أشقر وعيوناً زرقاء جذابة. 

للوهلة الأولى، يتناسب شكل تلك الأم الصغيرة الحجم البالغة من العمر 43 عاماً، مع أي مكان أوروبي آخر بقَصة شعرها القصيرة بطول الذقن ونظارتها السوداء العصرية وأقراط ذهبية مستديرة أنيقة. ومع ذلك، تمتلئ خزانة ملابسها بزي موحد يومي من نوعية التنانير المنسوجة يدوياً ومرايل نقشة بيزلي.

يشير ارتداء مريلة فوق تنورة كينو التقليدية إلى أنَّ تلك المرأة متزوجة. كان زوج مار، الذي يعمل صيّاداً، على بُعد أميال في البحر.

وعندما سُئلت عن عدد السكان الرجال، الذين يمكن رؤيتهم على مدار السَّنة في الجزيرة البالغ عدد سكانها 300 نسمة، صمتت مار فترة قصيرة، لتحسب العدد في رأسها، ثم أجابت: «ربما خمسة».

تقول هيلاري ريتشارد، مراسلة صحيفة The New York Times: «لم أصادف خلال فترة زيارتي سوى رجلين: أحدهما مخرج أفلام وثائقية زائر، والآخر عامل بناء يُصلّح منزلاً».

يُدار مجتمع كينو كعائلة كبيرة متماسكة، وهو الأمر الذي ينجم عنه هذا الإحساس النموذجي بالعائلة الكبيرة وما يترتب على ذلك من سلوكيات. في عرض المواهب المدرسية، حرَّكت نساءٌ مقاعدهن بالقرب بعضهن من بعض، ليثرثرن بصوتٍ منخفض أو يتبادلن المجاملات بصوتٍ أعلى. وثمة طفل صغير يتجول بِحُرية حول صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة، ثم تصادفه امرأة لا تربطها به صلة قرابة تداعبه وتعانقه.

ثمة تسلسل هرمي واضح في كينو يوجد على قمته الأطفال، يليهم المجتمع، وأخيراً الرجال.

أخبرتني ماي آف خلال زيارة لمتحف كينو، الذي يعرض تاريخ وثقافة الجزيرة والقطع الأثرية المهمة، بأنَّ نساء كينو يرغبن دائماً في فعل ما هو أفضل للأسرة، لا سيما الأطفال. وأوضحت أن سكان الجزيرة يتميّزون بعقليات مختلفة تماماً عن سكان البر الرئيسي.

تقول ماي: «لا تريد نساء الجزيرة زيارات من كل الناس. تشتهر نساء كينو بالصدق والشجاعة الأدبية، ولا يمكن التسامح بسهولة مع أي إساءة على أرض الجزيرة».

قالت ماي إنَّ «السياحة الجماعية لا تناسب جزيرة كينو. نريد السياحة الثقافية، نريد الأشخاص المهتمين حقاً بثقافتنا ونمط حياتنا وطرق معيشتنا. نرحب بالزائرين إذا كان لديهم هذا الاهتمام. لكن يجب عليهم قبول نمط حياتنا كما هو».

في الواقع، يكمن سحر الجزيرة في كونها غير ملائمة بأي حال من الأحوال للسياحة الجماعية. تتميز الجزيرة بطبيعة خاصة مختلفة تماماً عن غيرها، إذ يشير فرع شجرة كبير مسنود على الباب الأمامي لأحد المنازل إلى عدم وجود أحد بهذا المنزل. لا توجد علامات في الشوارع إلا لقرى الجزيرة الأربع وهي: «Lemsi» و Linakula» » و Rootsikula»» و «Saare».

لا توجد خطوط  سير بغالبية الطريق، لا توجد سلاسل محال تجارية ولا ماكينة صرف آلي أو مطعم مفتوح طوال العام، فضلاً عن أنَّ أول مركز شرطة هو حالياً قيد الإنشاء. يُعامَل زوار الجزيرة باعتبارهم ضيوفاً وليسوا سائحين. مكثت في منزل مار ماتاس واندمجت سريعاً في حياتها اليومية، وضمن ذلك وجبات الطعام والأعمال المنزلية، والفعاليات التي تنظّمها الجزيرة.

قالت سيلفيا سويد، التي تعمل مصورة ومدربة رقص شعبي: «كيف تشارك في العالم الحديث مع الحفاظ على بقاء هذه الثقافة القديمة حيَّة مستمرة؟ إنَّهم عالقون يحاولون إيجاد التوازن». انتقلت سيلفيا من مدينة فانكوفر بمقاطعة كولومبيا البريطانية إلى جزيرة كينو في ديسمبر/كانون الأول 2008؛ إكراماً لجدتها الإستونية، التي فرَّت من الجزيرة خلال الحرب العالمية الثانية.

وقالت سيلفيا، وهي تتخيَّل توافر وظائف لسكان الجزيرة في مجالات الطهي والفندقة والمبيعات وخدمات تقديم الطعام: «يريد الجيل الأكبر سناً التمسّك بالتقاليد والثقافة، لذا يُعلّمون ما تعلموه بشأن ضرورة الحفاظ على ثقافة الجزيرة. وبالفعل، ثقافة الجزيرة جميلة حقاً، لكنني أعرف أنَّ الجيل الأصغر سناً يشعر بالإحباط. هم يريدون زوار العالم الخارجي بجميع أطيافه، لأنَّ ذلك سيوفر لهم وسيلة للبقاء على قيد الحياة. إنَّها فرصة رائعة حقاً لنساء كينو لكسب المال خلال موسم السياحة».

تقول مراسلة «نيويورك تايمز»: «قد تكتشف جزيرة كينو إمكانات أكبر كثيراً من طولها البالغ أربعة أميال (6.4 كيلومتر) وعرضها البالغ ميلين (3.2 كيلومتر)، كما اكتشفت خلال نزهة إلى الساحل الصخري. كانت الدلائل الوحيدة على وجود حياة تتمثَّل في كلب مستلقٍ نائم على طريق مشمس، وكلب بحر يتمايل مع الأمواج قبالة الساحل المتعرّج. غادرت الشاطئ باتجاه أحد الطرق الرملية الكثيرة، التي لا تحمل أية علامات عبر الغابات الشاهقة. أسمع في الخلفية صوت ارتطام أمواج خليج ريغا بالصخور، بالإضافة إلى صوت غصن شجرة يتحرّك من حين إلى آخر أو ينقطع بفعل الرياح. نمت الغابة على النحو الذي أرادته الطبيعة».

على غرار كثير من الاستونيين بوجه عام، شهد سكان كينو جميعاً تغييرات كبيرة في حياتهم، أغلبها سياسية (من بينها الاحتلال السوفييتي والألماني)، وغالباً ما تكون خارجة عن إرادتهم. عندما تسأل عن أكبر التغييرات التي شهدتها الجزيرة، تتباين الإجابات بدرجة كبيرة.

رأت روزي كرجام (83 عاماً)، بعد كثير من التفكير والمداهنة، أنَّ ارتداء «البنطال» كان أحد أكبر التغييرات التي شهدتها الجزيرة. تُعد روزي أشهر حائكة أقمشة في الجزيرة وإحدى كبيرات السن المحبوبات بالجزيرة. هزَّت روزي رأسها المغطى بوشاح، وقالت، في أثناء جلوسها بغرفة الاجتماع في المتحف: «النساء لم يعتدن قط ارتداء البنطال».

تقول هيلاري: «بعد ظهر ذلك اليوم، ذهبت مع مار، نحمل هدايا من التفاح ومشروب (شنابس)، لزيارة فيرفي كوستر البالغة من العمر 91 عاماً، في كوخها الخشبي بالغابة. وعندما سُئلت فيرفي عما تغيّر في الجزيرة خلال فترة حياتها، ضحكت قائلة: (أوه، كل شيء). أعادت فيرفي، الشهيرة باسم فيرفي كينو، اكتشاف نفسها في السبعينيات من عمرها، لتصبح واحدة من أشهر المطربات الشعبيات في إستونيا».

كونكِ امرأة تعيش في كينو يجعل لديك شعوراً قوياً بأنَّ كل شيء ممكن . إذا كان يتعيَّن فعل شيء ما، فستجد امرأة ما تعيش في كينو قد فعلته، ومن المحتمل أن تفعله امرأة أخرى مُجدَّداً في وقتٍ قريب.

تحوَّلت المحادثة بصورة حتمية إلى الحديث عن مدى تفرُّد الجزيرة. وفي أثناء جلوسها على الجانب الآخر من فيرفي، تأملت مار ماتاس مفهوم الحركة النسوية، التي تهدف إلى الحقوق المتساوية للمرأة والرجل. وكثيراً ما يُقابَل هذا المفهوم بحالة من الاندهاش من جانب سكان الجزيرة، إذ أثبتت نساء كينو أنَّهن قادرات على فعل كل ما يستطيع الرجال فعله، لكن الرجال لا يستطيعون فعل كل ما تستطيع النساء فعله.

وقالت: «يعتقد الناس أنَّنا ندفع بالنساء ليكنَّ في موقع المسؤولية، لكن هذه هي ثقافتنا. إنَّها تنجح. لا نستطيع تخيُّلها بأي طريقة أخرى».

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى