تقارير وملفات إضافية

إيران هددت مراراً بإغلاق مضيق هرمز ولم تفعل.. سيناريو يوم القيامة ينتظرها

هدَّد الرئيس الإيراني حسن روحاني بغلق مضيق هرمز رداً على العقوبات المحتمل فرضها على صادرات النفط الإيرانية، وهي تهديداتٌ ردَّدها الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، فهل تنفذ إيران تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز؟.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أمهل عدداً من الدول حتى 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 لكي تتوقف عن استيراد النفط من إيران. 

ويُعدُّ هذا الحظر واسع النطاق جزءاً من حملة مواجهة وضغط جديدة ضد الجمهورية الإسلامية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني.

وفي أثناء المباحثات، سُوِّق للاتفاق النووي على أنه الخيار الوحيد لمنع إيران من استخدام برنامجها النووي في شنِّ حرب، حسبما ورد في تقرير لمجلة The National Interest الأمريكية.

واستشهد مؤيِّدو الاتفاق كثيراً في حججهم ضدَّ الانسحاب من الاتفاق بزيادة خطورة اندلاع حربٍ، ويبدو تصريح روحاني ظاهرياً أنه يؤكِّد هذه المخاوف. لكن ما مدى الجدية الذي ينبغي أن تُؤخذ به هذه التهديدات؟

ليس تهديد إيران بغلق مضيق هرمز بالشيء الجديد. في الحقيقة، وحديثاً في عام 2012، كانت لإدارة أوباما مواجهةٌ أخرى مع إيران بسبب برنامجها النووي. وهدَّدت إيران بغلق المضيق ومارست تحركات عسكريةً في المنطقة، مما أدَّى إلى استجابةٍ كبرى من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بإرسال قواتهم لردعها. 

لكن بعد مرور عام، لجأ كلا الطرفين إلى التفاوض الذي أسفر في النهاية عن الاتفاق النووي.

وفي عام 2008، هدَّد القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري -معللاً ذلك بمخاوف من هجوم الولايات المتحدة أو إسرائيل- بغلق مضيق هرمز رداً بالمثل. 

وفي أثناء حرب الخليج الأولى الممتدة منذ 1980 حتى 1988، استهدف كلا الطرفين عملية شحن النفط لدى الآخر كجزءٍ من الجهود الحربية الشاملة، مما أثار مخاوف من محاولة إيران إعاقة المرور في مضيق هرمز. 

واستعملت إيران الألغام كجزءٍ من استراتيجيتها، مما تسبَّب في بدء عمليةٍ لحماية الشحن الكويتي باسم عملية «إرنست ويل». بدأت تلك العملية في صيف 1987، ودامت أكثر من سنةٍ ونصفٍ وتضمَّنت اشتباكاتٍ مباشرةً بصفةٍ متزايدةٍ بين الولايات المتحدة وإيران، أفضت في النهاية إلى عملية «فرس النبي» في ربيع 1988. وفي المعركة الجوية البحرية التي استمرت يوماً واحداً، حقَّقت الولايات المتحدة نصراً حاسماً، إذ خسرت إيران عدة سفن حربية خلال المواجهة، بينما لم تُلحق بعدوِّها أية خسائر.

وبغض النظر عن الأحداث التي وقعت بين 1987 و1988، لم ينتج عن أيٍّ من هذه الوقائع حرب مفتوحة. ولا يُقال عن هذا سوى أنه مدهش، بالنظر إلى مستوى العداوة التي يبديها كلا الطرفَين منذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1979. 

وبينما يمكن نسب الفضل في عدم نشوب صراعٍ حقيقيٍّ إلى ضبط النفس والمهارة الاحترافية في إدارة الأزمات من طرف الولايات المتحدة، فيمكن أيضاً نسبه إلى أن سلوك إيران وخطابها في ما يتعلق بالمضيق ليسا سوى وسيلةٍ لإدارة الأزمات (وإن كانت وسيلةً خطيرةً) ولخدمة أغراض سياسية.

لغلق مضيق هرمز توابع سلبيةٌ على مصالح إيران. فكما يشرح جون ألين غاي وجيفري كيمب في كتابهما «War With Iran: Political, Military, and Economic Consequences«:

«85% من واردات إيران تأتي عبر المضيق، وصادرات النفط الضرورية لقدرة الحكومة الإيرانية على الوفاء بديونها يتدفق معظمها من خلاله. لو أغلقت إيران المضيق لقطعت شريان حياتها، ولاضطُرَّت إلى العيش على مخزونها المتقلِّص بالفعل من العملة. ولجلبت إيران كذلك إليها هجماتٍ على منشآت نفطها من جيرانها المنتقمين، ولعزلت نفسها دولياً».

لذا، عند التفكير في أي سيناريو لغلق مضيق هرمز، ينبغي أن نذكر على الفور أن خطوةً كهذه من إيران ستكون خطوةً يائسةً تُتَّخذ فقط في موقفٍ لا ترى فيه طهران مخرجاً من مأزقها. 

لذلك فمن غير المرجَّح غلق المضيق، والولايات المتحدة على درايةٍ كاملةٍ بهذا، والقيادة الإيرانية على الأرجح تعي أن حيلَها لن تنطلي على واشنطن. فلماذا تواصل طهران الخروج بهذه التهديدات؟

بالتهديد بغلق المجرى المائي الحيوي الرابط بين الخليج العربي الغنيِّ بالنفط وبقية العالم، والذي يُنقل من خلاله ثلث النفط في العالم تقريباً، تثير إيران مخاوف من نشوب حربٍ وأزمةٍ اقتصاديةٍ. ولا يرفع هذا من أسعار الوقود فحسب تحسُّباً لقطع الإمدادات، ولكنه يؤثر أيضاً في الرأي العالمي نحو اتجاه وقف التصعيد، الذي من شأنه الضغط على الولايات المتحدة للتراجع عن خطوطها الحمراء. وبالنظر إلى عدد الدول المعتمدة على نفط الشرق الأوسط، بما في ذلك نفط إيران، تستطيع طهران تصدير صورةٍ تُدين الولايات المتحدة بإحداث أزمةٍ تضرُّ العالم أجمع.

ولهذه الصورة منافع إيجابيةٌ على أرض الوطن كذلك. فمثل معظم الأنظمة الأوتوقراطية، كثيراً ما يستعمل النظام الإسلامي الأزمات لتوطيد الهيمنة السياسية وترسيخ النظام المحلي. إن مشاهد القوات البحرية الإيرانية وأصواتها المتحدِّية للسفن الحربية الأمريكية والمتعنِّتة ضدَّها تلعب دور بروباغاندا قويةٍ تشجِّع على الاتحاد ضد «الشيطان الأكبر» الذي هو أمريكا.

وبينما تملك الولايات المتحدة القدرة على منع غلق المضيق أو إعادة فتحه، فالتكاليف المادية والسياسية لخطوةٍ كتلك لا يُستهان بها. وبافتراض أن إيران لن تحاول غلقه إلا عند شعورها بعدم وجود مسارٍ آخر، فلن يكون لديها حينئذٍ الكثير لتخسره من جراء ذلك، بينما ستتكبَّد الولايات المتحدة وبقية العالم تكاليف لن تُستردَّ بسهولةٍ ولن يسهل تحمُّلها بالمقارنة

لن يشمل غلق إيران المضيق توظيف قواتها البحرية باحتلال المجاري المائية جسدياً بالمعنى التقليدي، بل ستعيق المرور عبر المضيق باستخدام استراتيجية «المنطقة المحرَّمة/منع الولوج» (A2/AD). بالنسبة لإيران، ستشكِّل الألغام أساس هذه الاستراتيجية لتحويل نقطة الاختناق إلى منطقة ممنوعة. وبعد ذلك، يمكنها استخدام صواريخ أرضيةٍ مضادةٍ للسفن (ASMs) لمنع عمليات الإخلاء أو لاستهداف سفن العدو الحربية وسفن الشحن المدنية مباشرةً. 

وفي حال رأت القيادة الإيرانية من الضروري نشر قواتٍ بحريةٍ، فإن الحرس الثوري الإيراني بحوزته أسطول كبير من الزوارق الحربية السريعة. ورغم تسليحها الخفيف، يمكن للزوارق أن تشكِّل خطراً على السفن الحربية التقليدية، بواسطة تطبيق تكتيكات «الاجتياح» لاكتناف الأعداء وشنِّ هجمات «الكرِّ والفرِّ» الشهيرة بصعوبة التصدي لها. وعلى مستوى أعلى، قد تستهدف إيران الولايات المتحدة ومنشآت حلفائها العسكرية في المنطقة أو حتى مراكز التجمُّع السكاني المدنية بصواريخ باليستيةٍ كوسيلةٍ للردع.

تتوقَّف إمكانية إعادة الولايات المتحدة وحلفائها فتح مضيق هرمز على مدى الاستعداد. ففي حال تلقِّي تحذيرٍ استباقيٍّ من محاولة غلق المضيق، ستحشد الولايات المتحدة قوات قيادتها المركزية (CENTCOM) وستدفع بقوَّاتها البحرية، لا سيما واحدة أو أكثر من فرق هجوم الحاملات إلى المنطقة بهدف إرغام إيران على تعديل حساباتها أو التدخُّل قبل إحرازها تقدماً في إعاقة المرور عبر المجاري المائية. أما في حال مباغتة الولايات المتحدة وحلفائها على حين غفلةٍ، فستكون تكاليف إعادة فتح المضيق باهظةً.

على سبيل المثال، قدَّر غاي وكيمب تكلفة عملية إزالة الألغام من مضيق هرمز بـ230.1 مليون دولار. وحتى شيء روتيني مثل صيانة فرقتَي هجوم حاملات (CSG) في موقعهما لمدة أسبوعٍ قُدِّرت تكلفتها بـ106 ملايين دولار. 

وفي حالة وقوع مواجهة عسكرية أكثر جديةً، ينادي تقرير من مؤسسة RAND البحثية الذي صدر في 2017 بتطوير 21 كتيبة طائرات مقاتلة وأربعة فرق هجوم حاملات، من بين أشياء أخرى. ومن الأصعب تقدير حجم الخسائر البشرية، لكن هذه الأرقام توضِّح وجود تكاليف مُسبقةٍ لنشوب أزمةٍ في مضيق هرمز، سواء اندلعت حرب ضروس كاملة أم لا.

ومع ذلك، للأسباب المذكورة، فإن احتمال غلق المضيق فجأةً ضئيل للغاية. والولايات المتحدة وحلفاؤها واعونَ بوجود هذا الاحتمال وقد استعدُّوا جيداً لهذا السيناريو منذ عقود. أضف إلى ذلك أن التفوق العسكري للولايات المتحدة وحلفائها يضمن إلحاق هزيمةٍ نكراء بمحاربي آية الله. 

والأهم من ذلك أن غلق المضيق فجأةً لا يصبُّ في مصلحة إيران، ما لم تكن البيئة الاستراتيجية هي شعور طهران بقلة الحيلة وعدم وجود شيءٍ لتخسره نتيجةً لهذا اليأس. التهديد بالغلق أفيدُ من محاولته، كما سبق القول.

ولهذا، ففي غياب أية ظروف اضطرارية، ستكشف القيادة الإيرانية دوماً عن نواياها، ولو لمجرَّد تجنُّب نشوء موقفٍ يجبرهم على الاختيار بين التراجع وفقدان هيبتهم أو تنفيذ تهديداتهم والمخاطرة بالتعرُّض لهزيمةٍ نكراء.

ورغم وجود المخاطرة بارتكاب خطأ في التقدير، فقد حدَّت إيران كثيراً من سلوكها العدائي في المضيق، بينما كثَّفت أنشطتها في أماكن أخرى. لكن إن أرادت طهران أن تُؤخذ تهديداتها على الأقل بجديةٍ، فقد تحتاج ثانيةً إلى اللجوء للمناوشات البحرية ضد سفن الشحن التجارية والجيش الأمريكي. لا يبدو أن عدم اهتمام إيران بالخليج ضمن استراتيجيتها شيءٌ سيدوم أطول من هذا.

يتنبَّأ بعض المتابعين بحربٍ كارثيةٍ بين الدولة اليهودية وحزب الله في المستقبل القريب. وبما أن حزب الله يلعب دور أهم وكلاء إيران، فهناك مخاوف من أن يستدرج صراعٌ كهذا طهران إليه كذلك، مما قد يسفر عن احتدامٍ إقليميٍّ عظيم الشأن. 

وفي الحقيقة، اصطدمت إسرائيل بالفعل عدة مراتٍ مع ميليشيات مدعومةٍ من إيران في سوريا خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، مما يرفع احتمال وقوع حرب مباشرة بين القدس وطهران.

ومع أن واشنطن ليست طرفاً باتفاقية دفاعٍ مشتركٍ مع القدس، فما زالت الأولى على استعدادٍ لتدعيم الجهود الحربية للثانية عبر توفير الأسلحة والإمدادات العسكرية والدعم الاستخباري، من ضمن منتجاتٍ أخرى. 

علاوةً على أن الولايات المتحدة لها حالياً قواتٌ موزَّعةٌ في سوريا والعراق والأردن وغيرها في أنحاء المنطقة، إلى جانب خوضها حرباً جويةً مستمرةً ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). 

وفي حالة اندلاع حربٍ بين إسرائيل وحزب الله من المحتمل أن تشترك فيها إيران، فسيتطلَّب الأمر مناوراتٍ عسكريةً ودبلوماسيةً مدهشةً من أجل منع مشاركة الولايات المتحدة مباشرةً في الصراع.

يصعب التنبؤ بالمسار الحقيقي لأي صراعٍ، لكن على واشنطن أن تضع في اعتبارها احتمال محاولة إيران تشتيت انتباه الدعم الأمريكي لإسرائيل عن طريق التهديد بغلق مضيق هرمز. وباختلاق أزمةٍ على الطرف الآخر من الشرق الأوسط، لا تعوِّل إيران كثيراً على إجبار الولايات المتحدة على تقليص دعمها لإسرائيل، بل على زيادة أعباء الولايات المتحدة وتكبيدها تكاليف سياسيةً واستراتيجيةً ربما لا يكون الشعب الأمريكي على استعدادٍ لتحمُّلها، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المثيرة للجدل. 

ومرةً أخرى، تظهر أهمية تصوير الأحداث، إذ يُزيد التهديد بغلق المضيق من الضغط على البيت الأبيض لإيجاد حل دبلوماسي للصراع، بسبب الرهبة وعدم اليقين اللذين سيستحضرهما نشوب صراعٍ بين الولايات المتحدة وإيران.

يقول كاتب التقرير: «لكن نكرِّر مرةً أخرى أن حصار هرمز من قِبَل طهران سيكون خطوةً غير فعالةٍ إذا كانت الولايات المتحدة مستعدةً للتصدي لاستفزازات إيران. ويعني هذا أن هناك خياراً آخر أكثر ترجيحاً من غلق المضيق، وهو إطلاق إيران لحربٍ قليلة الكثافة يمكن إنكارها باستخدام الحرب السيبرانية وقائمتها المطوَّلة من الميليشيات والجماعات المسلحة. 

سواء كان حزب الله البناني أم حركة حماس في غزة أم قوات الحشد الشعبي العراقية، من المرجَّح أن يستدعي آية الله هذه الأطراف قبل مدةٍ طويلةٍ من تفكيره جدياً في غلق مضيق هرمز. 

وحزب الله بالأخص من بين أوسع الجماعات الإرهابية نفوذاً في العالم، إذ له روابط بعصابات مخدراتٍ في أمريكا الجنوبية والوسطى. 

وعلى أسوأ الظروف، سيستغل حزب الله هذه العلاقات في تنفيذ أعمال إرهابية على أرض أمريكا. على الأقل، يمكن توقُّع استغلال الميليشيات المدعومة من إيران مثل قوات الحشد الشعبي للهجوم على الولايات المتحدة وقوات التحالف في العراق وسوريا مع استمرار الحملة ضد داعش. 

ومن شأن هذا إكراه الولايات المتحدة والتحالف على التفكير في تصعيد مشاركتهم بالحروب الأهلية المتعدِّدة في المنطقة، أو الامتناع عن الردِّ، الأمر الذي يضرُّ مصالحهم بالطبع.

ما لم تظهر تطوُّرات جديدة، فالمرجَّح أن يمرَّ هذا التهديد الأخير من طهران بغلق مضيق هرمز دون عواقب، إلا أنه سيخلق احتمالاً لوقوع مواجهات مباشرة بين القوات البحرية الأمريكية والإيرانية في المنطقة، مما يفسح المجال لزيادة خطورة الخطأ في التقدير. 

ولذلك، ما زالت أرجحية اندلاع حرب إسرائيلية مع حزب الله و-ربما- إيران في زيادةٍ مستمرةٍ يوماً بعد يوم. وإذا حدثت تلك الحرب، أو متى حدثت، فسوف تجد الولايات المتحدة والتحالف صعوبةً في الابتعاد عن مرمى النيران.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى