الأرشيفتقارير وملفات

إذا كذبت العنزة … فإن قرنيها لا يكذبان….!

من روائع الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى
* كان مظهره يوحى بأنه قوى متين لايشكو من علل أو أوجاع أو أمراض . فالزى أنيق وجميل , والجسد سليم غير عليل . وفجأة هبت الريح , فرفعت الثياب إلى أعلى , فانكشف المستور , وما كان يخفيه تحت الملابس ظهر فى النور , ولم يعد لديه سر يداريه , أو مرض أو داء يخفيه , أو عيب يواريه . وكما يقول الشاعر ” زهير بن أبى سلمى ” : ومهما تكن عند امرئ من خليقة …. وإن خالها تخفى على الناس تعلم .

مصر

وقد يستطيع المرء خداع بعض الناس بعض الوقت , لكنه لا يستطيع خداع كل الناس كل الوقت . وصدق من قال : لغة السياسة تم تصميمها  لتجعل الكذب يبدو صادقا والقتل يبدو محترما . وهذه هى الحقيقة المجردة لأن الذئب قد يبكى تحت أقدام الراعي بعد أن يلتهم كل أفراد القطيع..!. وحقا , الكذب والخداع ليس لهما أرجل لأنهما كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء , ولكن الفضيحة لها أجنحة تحلق بها فى سماء الكون لكى يشاهدها  كل ذى عينين . وإذا كذبت العنزة فإن قرنيها لايكذبان. فالكذب كالرمل يبدو ناعما عندما تتمدد عليه وثقيلا عندما تحمله . ولم نعد نحتمل الكذب والخداع لأن ظهورنا انحنت من كثرة الأحمال الزائدة وكشفت الأحداث الصادق من الكاذب المخادع .
* لقد هبت رياح الثورة ففضحت عورة الكثيرين مما كانوا يتشدقون بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية تشكيل الأحزاب والهيئات والجمعيات فضلا عن التداول السلمي للسلطة  . وظهر العفن الفكري والخلل التنظيمي وسوء الإدارة وغياب الرؤيا وفقدان البصيرة لكل الأحزاب والهيئات والمؤسسات والجماعات العاملة على الساحة السياسية . وما هذا الخلل إلا نتيجة طبيعية  للتقوقع داخل حويصلة الحزب أو الهيئة أو الجماعة بعيدا عن التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى الذي يعتمد الخطة والخطة البديلة لإدارة شؤون وطن كبير فى حجم مصر  . وطن تعصف به الريح من كل جانب ومشاكله الاقتصادية والسياسية تنوء بحملها الجبال الراسيات , هذا فضلا عن تربص القوى الاستعمارية بهذا الوطن وحرصها بل وتآمرها على أن تظل مصر رهينة المساعدات الخارجية حتى تظل مسلوبة الإرادة  منكسة الرأس , لاتملك قرارها السياسي فى أى مرحلة من مراحل تطورها ووجودها .

* لقد كذب بل وغش معظم العاملين على الساحة السياسية الشعب المصرى لأنهم رفعوا شعار الديمقراطية بيد  , وباليد الأخرى اغتالوها بخنجر فى ظهرها لأن الديمقراطية التى يريدونها هى ديمقراطية مشروطة بل ومفصلة على مقاسهم . وكأن الديمقراطية قطعة من قماش تفصل على المقاس طولا وعرضا واتساعا. فإذا جاءت لهم الديمقراطية بما تشتهى أنفسهم فرحوا واستبشروا وهللوا , وإن جاءت لهم بما لاتهوى أنفسهم نبذوها وراء ظهورهم ولعنوها , حتى أن أحد كوادرهم المشهورة والمعروفة قال لو أن الشعب المصرى وافق على الدستور فلن أعترف به ..! . وكأن سيادته وضع الشعب المصري بملاينيه التسعين فى كفة ووضع نفسه المقدسة عنده فى كفى أخرى . ومن هنا أستطيع القول بأن مثل هولاء خانوا العهد والميثاق وكانوا بمثابة الخنجر المسموم فى ظهر هذا الشعب المنكوب بأمثالهم .
*
نعم … قلت سابقا ومازلت أكرر وأقول أن منا من يريد الثورة ومنا من يريد الثروة..! , فسقطنا جميعا بلا ثورة ولا ثروة. لأن من استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه . ولقد استعجلنا المكاسب فجنينا المتاعب . واستعجلنا المناصب فجنينا المصائب . واستعجلنا الشهرة فوقعنا فى الحفرة . واستعجلنا القيادة فكانت الإبادة . والكل أراد المنحة فكانت المحنة . والكل بحث عن الإحسان فكان الحرمان . تراشق الكرام فتقدم اللئام . غطسنا جميعا فى بحر الثورة نبحث عن الدرر فطفت جثثنا جميعا على سطح البحر كالرمم . هانت علينا أنفسنا فكنا عند غيرنا أهون..! واستعجلنا الحصاد والثمرة لم تنضج بعد , فجنينا المر والعلقم والشوك . الكل مسئول ولا أحد فوق المساءلة . ولا أحد مبرأ من المحاسبة . ولا أحد ينجو بنفسه ويقفز من السفينة ويتهم الطرف الآخر قائلا له ” أنت المسئول “ فالكل مسئول أمام الله فيما آلت إليه الأحوال من تردى وسقوط وهبوط على كل المستويات وفى كل الأحوال . ألم نقرأ قول بنا عز وجل ” وقفوهم إنهم مسؤولون …؟ “.
* إن الكذب والخداع صار جليا لكل ذى عينين عندما تنافرت الأيدلوجيات وتباينت النظريات , وأطلق الجميع طلقات الدخان فى السماء بغية التشويش والتخوين وتعتيم الأجواء بل وإظلامها أمام الطرف الآخر حتى عمى الجميع وضلوا الطريق واصطدموا بنواميس الكون الغلابة . تنازع الجميع  , ففشلوا وذهبت ريحهم وجلسوا يلطمون الخدود ويشقون الجيوب كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا . وكان الأولى بالجميع تقديم أهداف الثورة ووضعها فى المقدمة من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية . تلك كانت أهداف عظيمة تستحق أن نضحي كلنا من أجلها بكل غال ورخيص . إن الكذب والمراوغة لن يفيدان فى تلك المرحلة , ولا فى أى مرحلة , لأن الصدق والوضوح والشفافية كلها جميعا أقرب بل وأقصر الطرق للحقيقة الغائبة التى نبحث عنها . الحقيقة أمامنا ونصب أعيننا ولكننا جميعا لانراها لأن العمى قد أصاب الجميع وكأن على أبصارهم غشاوة ..!؟
* نحن أمام منحى خطير على طريق وعر ملتو , وعلى كل الذين يتصدرون القيادة فى المشهد السياسي أن يكون عالما وخبيرا بمطبات الطريق ومنحنياته حتى لاتنقلب السيارة  ويفقد الكل حياته , ومن ينجو من الموت , فلن ينجو من الإصابة والجرح العميق . إن الأهداف العظيمة لايمكن تحقيقها جملة واحدة  , بل ولابد من فقه المرحلة الذى يقدم الأهم على المهم , والسهل على الصعب , والوقعى على الخيالي . إن العليل الذى تمكن من جسده المرض , لايمكن له أن يتناول الدواء كله مرة واحدة بحجة سرعة الشفاء لأن فى هذه الحالة سيتحول الدواء إلى داء وسيموت حتما المريض . إن الزرع يموت إذا كثر عليه الماء  . ولا اقصد بكلامى هذا التباطؤ والتلكؤ والتسويف فى تحقيق أهداف الثورة , بقدر ما أقصد التعقل والتفكر والتخطيط الجيد حتى لاينقلب السحر على الساحر . ولانكون مثل الدابة التى قتلت صاحبها بحافرها وكان مقصدها هش الذباب من على وجهه , فلا هى هشت الذباب ولاهى أبقت على حياة صاحبها ..!؟ . فماذا أنتم فاعلون اليوم …!

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى