أولادنا ليسوا قطعة أثاث نقتنيها.. كيف تخلصتُ من شعور امتلاك ابنتي؟

لم أكن أدرك مدى ثقل مسؤولية “تربية طفل”،
فرقٌ كبير بين مَن يرعى أبناءه ومَن يربّيهم، الأول يوفر المأكل والمشرب، والثاني
يبني القيم والقناعات، كل يوم يزداد خوفي تجاه هذه المسؤولية، كائن صغير ضعيف لا
يفقه شيئاً في هذه الدنيا، يستند إليك في كل صغيرة وكبيرة، يرى العالم من خلالك،
أدرك مفهوم الأمان والثقة عندما خلق فيك، يراك كل شيء. 

نعم إنها الأمانة التي تستحق منا بذل كل جهدٍ في استكشاف
تفاصيل هذا العالم الصغير، تستحق منا طلب السماح والاعتذار لهم حينما نخطئ بحقهم،
تستحق منا تقليل الإيجو (الأنا) لنستطيع أن نكون الأفضل.

لا شك أن تجربة الأمومة استفزت تفكيري وأوقدته بالكثير
من الأسئلة، هل حقاً خُلِقتْ مني لكي تكون ملكي؟ أيعقل أن أسيطر على مكنونها
الجميل لمجرد أنها جزء مني؟

لا تضعي البسكويت في الماء! لا تلقي بالألعاب على الأرض!
لا تأكلي وحدك! لا ترتدي الفستان الذي أنا لا أراه الأجمل! لا تشاركيني أعمال
المنزل فأنت ما زلت صغيرة! والكثير من الأمثلة.

في حقيقة الأمر أرى أن معظم رفضنا لما يطلبه أبناؤنا هو
في الأصل مسموح، وأسباب رفضنا له تافهة.

بلا شك هناك أمور محكوم عليها بالرفض التام ألا وهي:
“الصحة، الدين، الأمان”، وما دون ذلك مسموح.

ذات مرةٍ رأيت فيها ابنتي تريد خلط البسكويت بالماء،
للوهلة الأولى هممت من دون تفكير برفض ذلك، وعندما سألت نفسي عن مبرر الرفض أدركتُ
أنه ليس خطيراً ولا يستحق الرفض، هي فقط  تريد ممارسة شيء تحبه وتسعد نفسها
بنفسها! هل يعقل أننا رغبنا مجيئها إلى الدنيا لتعيش كما أردنا وبالطريقة التي
نراها مناسبة؟! دون مراعاة حب الطفل لاستكشاف عالمه.

أرى أن التربية السليمة روحُها التفكير الناقد؛ فهو يسهل
علينا اتخاذ القرارات، من خلاله تستجوب نفسك، هل يوجد داعٍ للرفض؟ هل قد يمسّ
الخطر ابنتي/ابنى؟ وبناءً على ذلك تصل إلى القرار السليم.

هنا يتوجب علينا تدريب أنفسنا على الصبر وتوقع احتياجات
الطفل والتفكير الناقد سنجد راحتنا وراحة أبنائنا.

حق قول جبران خليل جبران:
“أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة”. علينا أن ندرك جيداً
مدى أهمية هذا القول، فما ذكرتُه من أمثلة سابقة، ما هو إلا الأمر اليسير الذي
سيترك أثراً جميلاً في ابنتي ذات العامين، لكن ماذا سأفعل إن جاءت في يوم تريد
السفر خارجاً! أو الزواج أو أي قرار مصيري، ما هو موقفي حينها.

هل من حقي كأم منع ابنتي أو ابني من السفر لأني أريدهم
بقربي؟ هل من صلاحياتي أن أهدّدهم بالغضب إن اختاروا تخصصاً جامعياً لا أرغبه أنا؟
والكثير من الأمثلة الموجعة جداً نراها حية في مجتمعنا ونمارسها على أبنائنا دون
رحمة، وبكل وضوح لا تفسير لهذه التصرفات سوى التسلط والأنانية ومشكلة كبيرة في فهم
الحب.

أشبه أولئك الأمهات بذاك الطفل الذي أعجب بسمكة في البحر،
تعلق بها فأخذها معه لأنه يحبها، وما كانت النتيجة إلا موت تلك السمكة.

أخيراً، لتكن تربيتنا لأبنائنا كمَن يغرس زهرة، لا تحتاج
هذه الزهرة إلا تهيئة الظروف والبيئة المناسبة لها لتنمو بطريقتها الخاصة، وما نحن
إلا محطة مهمة جداً أثرُها قويٌّ وبعيد الأمد في حياة أبنائنا، فلنكن أجمل أثر
وبصمة في حياتهم، لأن الأمر لن يتوقف على مشكلة نفسية في أولادنا، بل سيتعدى
المجتمع وهكذا نكون قد ظلمنا أولادنا والمجتمع.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى