الأرشيفتقارير وملفات

* أوقفوا نزيف الدماء .

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* رغم قدسية ومكانة وشرف ورمزية الكعبة المشرفة عند المسلمين لأنها أول بيت وضع للناس لقول الحق عز وجل :” إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا “ ومن أرادها بسوء قصم الله ظهره كما حدث لأبرهة عندما أراد هدمها  فقتله الله شر قتلة وهو وجيشه المعتدى ” فأرسل عليهم طيرا أبابيل  ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ” . رغم كل ذلك, إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل حرمة دم المسلم أعظم حرمة عند الله من الكعبة نفسها  فقال فى الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر حيث قال : “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ، ويقول : ” ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده ، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله ، ودمه ، وأن نظن به إلا خيرا.  ولقد شدد الإسلام على حرمة الدماء وقدسيتها , وتوعد سفاكى الدماء بغير حق بالخلود فى النار . فقال عز وجل ” وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا وقال أيضا : ” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا .”

الوعى
*
وجاءت الأحاديث النبوية لتعلى من قدر دم المسلم وتقدس تلك الدماء التى تهدر بغير حق , فقال صلى الله عليه وسلم  : ” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق . وفى حديث أخر : “ لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج حتى يكثر فيكم المال فيفيض  وعن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يجيء الرجل آخذا بيد الرجل فيقول : يا رب ، هذا قتلني ، فيقول الله له : لم قتلته ؟ فيقول : قتلته لتكون العزة لك ، فيقول : فإنها لي . ويجيء الرجل آخذا بيد الرجل فيقول : إن هذا قتلني ، فيقول الله له : لم قتلته ؟ فيقول : لتكون العزة لفلان ، فيقول : إنها ليست لفلان فيبوء بإثمه وعن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل . وعن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما ، يقول : يا رب ، قتلني هذا ، حتى يدنيه من العرش ” ” قال : فذكروا لابن عباس ، التوبة ، فتلا هذه الآية : ومن يقتل مؤمنا متعمدا ، قال : ” ما نسخت هذه الآية ، ولا بدلت ، وأنى له التوبة .
* لقد ذكر القرآن الكريم كل البشرية أنها لم تخلق عبثا  , وأن هناك ساعة حساب أليمة دقيقة لن يفلت منها أحد مهما كانت منزلته فى الدنيا فقال عز وجل أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعونففى النهاية سيعود القاتل والمقتول طوعا أو كرها ليقفوا أمام الله عز وجل ليقتص المقتول من قاتله , ومحكمة العدل الإلهية لاتقبل الاستئناف أو النقض بعد سماع الشهود . حيث يقول الله عز وجل :” يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَفالحكم من دائرة واحدة والجزاء جهنم  ولا يوجد كفالة مادية للخروج من النار لأنه لادرهم ولا دينار في هذا اليوم . والسؤال الذى يتبادر لذهن كل عقل لبيب رشيد هوألا يعلم القاتل جزاءه ..؟ ماذا يقول لربه ..؟ هل يملك الدفاع عن نفسه..؟ هل يستطيع منع جوارحه من الشهود عليه..؟ إذا كانت الإجابة بلا , فلماذا يتجرأ القاتل على الله ويزهق النفس التى حرم الله قتلها بغير حق..؟ أتخذ عند الله عهدا ..؟ هل يملك واسطة تنجيه من عذاب الله..؟ هل أمن العذاب والحساب ..؟ هل عنده القدرة على تحمل لهيب النار وسعير جهنم..؟ ليت شعرى لو أنى استطعت النفاذ إلى أعماق عقول وقلوب المجرمين لكى أطلع على إسرارها لكى أستطيع الاجابه على ماسبق ذكره من أسئلة حائرة لا أجد جوابا كافيا ولا ردا شافيا.
*
إن دماء المصريين اليوم تسيل أنهارا , جهارا نهارا . لايدرى القاتل فيما قتل ,ولا المقتول فيما قتل , إنها حالة الهرج والمرج التى أصابت مجتمعنا المصري بصفة خاصة والعربي بصفة عامة . وأصبحت التصفية الجسدية خارج إطار القانون هى السائدة اليوم بلا محاكمة عادلة  أوتحقيق أو تدقيق . وأصبح المواطن المصري يقتل بسبب أيدلوجيته أو اتجاهه السياسي , وكأن العمل السياسي صار رجسا من عمل الشيطان يجب اجتنابه . ماذا دهانا..؟وبأي عقل نفكر..؟ وعلى أى منطق نرتكز ..؟ والى أي دين ننتمي..؟وفى أي وطن نعيش..؟ القضية تحتاج إلى إعادة تفكير. استحلال الدماء والأعراض ليس اختلافا فى وجهات النظر , لأنه ساعتها لايوجد نظر ولا حتى بشر , وإنما يوجد انسلاخ من البشرية كلها . يوم أن تستحل دمى وعرضي ومالي وسمعتي من أجل اختلافي معك , وأنا أفعل ذلك معك أيضا , فاعلم أن نهايتنا معا قد اقتربت . لأن عدونا واحد يتربص بنا الدوائر , وينتهز الفرصة لكى يقتل بعضنا بعضا  . فمن الأقوال المشهورة : ” دخل ذئب حظيرة الخراف , فالتهم نعجة بيضاء , ففرحت النعاج السوداء . ثم التهم نعجة سوداء , فقالت النعاج البيضاء : ذئب عادل . ومازال الذئب يمارس عدله فيهم حتى الآن . يوم أن يصير الدم المصري رخيصا وبلا ثمن , يوم أن يصير كل شئ فى هذا الوطن رخيصا وبلا قيمة .

* دماء المصريين ليست سلعة رخيصة تعرض فى المزاد العلني لمن يدفع أكثر . دماء المصريين ليست قارورة مياه يرفعها على فمه كل من يشعر بالظمأ لأن مصاصي الدماء لايمكن أن يرتوا ولو شربوا مياه الأنهار والمحيطات والبحار  . دماء المصريين ليست سلعة هينة حقيرة فى سوق النخاسة . دماء المصريين هى آخر ماتبقى فى رصيد هذا الوطن , ومن يسحب هذا الرصيد فقد ساعد الوطن على إعلان إفلاسه الأخلاقي والسياسي فضلا عن المادى . دماء المصريين التي تغلي فى العروق كغلي الحميم لايمكن أن تتحول إلى ماء بارد فاتر لا لون له ولاطعم ولا رائحة . نحن لانملك آبارا للبترول , ولانملك صواريخ عابرة للقارات , ولانملك قنابل نووية , ولانملك ثروات معدنية وكنوز ذهبية , لانملك إلا تلك الثروة البشرية , فهل نهدرها ونفرط فيها بأيدينا نحن ..؟ أين القوانين والدساتير..؟ أين المحاكم المخولة بمحاكمة كل من ظلم وقتل أيا كان منصبه ومكانته ..؟ الأصل أنه لاأحد فوق القانون ..؟ ولا أحد يستثنى من العقاب . هذا هو الأصل , لكن يبدوا أن الأصول تداخلت مع الفروع , والكل التبس بالجزء , فلم نعد قادرين على فعل شئ يحفظ دماء هذا الشعب . لم نعد نطمع فى الحصول على العدالة  , بقدر مانطمع فى أن يوزع الظلم بطريقة عادلة..! أليس كذلك..؟
* لان الدماء غالية ومحرمة , فقد
وقف صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع يخاطب العالم كله بل ويعطيه درسا أخلاقيا تربويا سياسيا فى حرمة إراقة الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال. معليا من قيمة الإنسان نفسه وماله وعرضهفعن أبى بكرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال : أي يوم هذا ؟ قلنا الله ورسوله اعلم , حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمهفقال : أليس ذو الحجة ؟ قلنا : بلى . قال : أتدرون  أى بلد هذا ؟ قلنا الله ورسوله اعلم . قال : فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه . فقال : أليس بالبلدة ؟ قلنا بلى. قال : فان دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم . ألا هل بلغت اللهم فاشهد . ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع . ألا فلا ترجعن بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعضرواه البخاري ومسلم
* إن انتشار بقع الدم الحمراء ورائحة الموت فى ربوع هذا الوطن سوف يزيد من هموم وآلام هذا الوطن , لان الوطن ساعتها سيتحول إلى ثلاجة لدفن الموتى ومقبرة للأحياء بلا حياء .  . وإذا كان المواطن لاقيمة له فالوطن لاقيمة له . وإذا كانت دماء المواطن رخيصة فان الوطن أيضا سيكون أرخص أمام أعدائه فى الخارج . وإذا كان عرض المواطن مستباحا فإن عرض الوطن أيضا سيكون مستباحا أيضا أمام أعدائه. وإذا كانت حياة المواطن تساوى ثمن رصاصة , فإن مستقبل الوطن سيكون كالريشة فى مهب الريح تحركها أيادى الأعداء كيف تشاء وفى الاتجاه الذي تريده. احفظوا للمواطن حقه وحريته وكرامته يحفظ الله لكم أوطانكم من أطماع الطامعين وتربص المتربصين وكيد الكائدين. ومن ارتكب جرما أو أزهق نفسا بغير حق فان فى القانون متسعا لمعاقبته ومحاسبته إعلاء لدولة القانون والدستور . أما أن يأخذ كل مواطن حقه بيده فهذا يعنى أننا لانعيش فى دولة ولاحتى فى شبه دولة . نستيقظ كل صباح على سماع أخبار دماء المصريين على الطرق والمواصلات والسفن والعبارات والقطارات وفى الشقق المسكونة والعمارات . إن الوطن فى خطر وشيك , والفتنة كانت نائمة فأيقظها المتربصون بهذا الوطن .الوطن ليس غابة البقاء فيه للأقوى .

احفظوا دماءنا وديننا ووطننا يحفظكم الله .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى