ثقافة وادب

أنجبت الإسكندر الأكبر وادعت أنه ابن الآلهة.. ما هي قصة أوليمبياس الساحرة المتعطشة للدماء؟

ذات شعر أحمر وجمال ساحر ومزاج ناري، متعطشة للدماء، هكذا وصف بعض المؤرخين أوليمبياس، والدة الإسكندر الأكبر، التي كان لها دور مهم في تنشئة ابنها؛ ليكون واحداً من أعظم الفاتحين في التاريخ، ممهدة طريقه للحكم حتى لو اضطرت للقتل في سبيل ذلك، ومعظِّمةً شأنه في أعين أتباعه وأعدائه على حد سواء بادعائها أنه ابن زيوس كبير الآلهة.  

فما قصة هذه المرأة التي كانت تنام مع الثعابين، ولا تتوانى عن بث سُمها في صدور أعدائها؟

كانت أوليمبياس تنتمي لطائفة دينية وثنية تعبد الأفاعي، وتتقرب إلى الإله ديونيسوس (إله الخمر عند الإغريق القدماء) بالقرابين.

وقد ذكر عدة مؤرخين أن أوليمبياس لم تكن تخشى الثعابين، بل كانت تنام معها في نفس السرير وتلهو معها خلال النهار.

وهي ابنة الملك اليوناني نيوبطليموس، الذي كان ملكاً على منطقة إيبروس وكان يدعي أنه سليل أخيل، بطل طروادة.

ويقول المؤرخون إن الاسم الأصلي لأوليمبياس كان «ميرتل»، لكن أطلق عليها الملك فيليب اسم  أوليمبياس بعد أن فاز في سباق الخيل في الألعاب الأولمبية، بعد فترة وجيزة بزواجه منها.

عندما توفِّي والدها عام 360 قبل الميلاد، تسلم عمها أريمباس العرش، ولكي يوطد علاقته بجيرانه المقدونيين رتب زواجاً دبلوماسياً بين ابنة أخيه أوليمبياس وفيليب الثاني ملك مقدونيا، وبذلك عقد حلفاً قوياً مع المقدونيين.

لم تكن أوليمبياس زوجة فيليب الأولى، بل يقال إنها كانت الرابعة، وإنه كان لديه ولد من إحدى زوجاته السابقات.

إلا أن أوليمبياس لم تكن تطمح إلى أن تكون زوجة للملك فقط، بل كانت ترغب بإنجاب وريث للعرش لا ينازعه أحد سلطانه، لذلك يذكر بعض المؤرخين أنها دست السم لولد فيليب الوحيد، وبالرغم من أنه لم يمُت، فإن السم قد ذهب بعقله فأصبح غير قادر على تولّي العرش بعد أبيه.

ويقال إن فيليب الثاني قد وقع بحب أوليمبياس بالرغم من الطابع السياسي الذي اتسم به زواجهما، لما كانت تتمتع به أوليمبياس من جمال شديد وحكمة ودهاء ما مكّنها من التمهيد لابنها وريث عرش الملك.

كان اليونان القدماء يعتقدون أن ولادة أي رجل عظيم لا بد أن ترافقه نبوءة أو علامات تدل على مجيئه.

في الليلة التي سبقت زواج أوليمبياس من الملك، حلمت بأن صاعقة تنزل على رحمها من السماء وتوقد حريقاً كبيراً ما يلبث أن ينطفئ وتتشتت نيرانه بالكامل.

وبعد الزواج حلم فيليب الثاني أنه يضع ختماً حفر عليه وجه أسد على رحم زوجته، وقد فسر المفسرون هذا الحلم بأن الملكة ستلد ولداً يشبه بطبيعته الشجاعة الأسد.

وبعد مرور سنة على زواج فيليب من أوليمبياس، رُزقا بطفل سمّياه الإسكندر الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم الإسكندر الأكبر أو الإسكندر المقدوني.

بعد أن أنجبت أوليمبياس ولدها الإسكندر، رُزقت بابنة سمّتها كليوباترا، ووفقاً للمؤرخين فقد كان زواجها من الملك في هذه الفترة عاصفاً ومضطرباً.

فتقلبات مزاج الملك فيليب الثاني وطموح أوليمبياس وغيرتها على زوجها خلقت العديد من المشاكل التي هددت علاقتهما.

وقد زادت الأمور اضطراباً بين الزوجين، عندما تزوج الملك فيليب مرة ثانية من امرأة مقدونية نبيلة اسمها كليوبترا وأطلق عليها فيليب لقب يوريديس.

تزايدت الخلافات حدة بين أوليمبياس وزوجها، وخاصة أن بعض أقارب الزوجة الجديدة بدأوا يهمسون في أذن الملك بضرورة إنجاب وريث شرعي من يوريديس؛ لأن ابنه الإسكندر ليس مقدونياً صافياً، فأمه من إيبروس.

كان الإسكندر في ذاك الوقت في مطلع شبابه وتلاسن يوماً مع والده بسبب اعتقاده بأحقيته بالعرش، فغضب عليه الملك فيليب غضباً شديداً وقررت والدته أوليمبياس أن تذهب به إلى بلادها (إيبروس) لبعض الوقت حتى يهدأ أبوه.

وقد كان ملك إيبروس آنذاك هو ألكسندر الأول شقيق أوليمبياس.

لم يرغب فيليب الثاني أن تكون العلاقات متوترة بينه وبين مملكة إيبروس بسبب رحيل زوجته أوليمبياس مع ولدها إلى هناك.

فعمد الملك إلى تزويج ابنته كليوباترا من خالها ألكسندر الأول كعربون تفاهم وود بين المملكتين، مما أثار استياء أوليمبياس وزاد من حنقها على فيليب.

وفي عام 336 قبل الميلاد، وأثناء حفل زفاف كليوباترا من خالها ألكسندر الأول، قام الحارس الشخصي لفيليب الثاني بقتله، وقد كانت الشكوك تحوم حول أوليمبياس لتدبيرها حادثة الاغتيال تلك.

يقول بعض المؤرخين إن أوليمبياس عمدت إلى إعدام ضرتها يوريديس وولدها فور عودتها إلى مقدونيا بعد وفاة الملك، لتضمن عدم وجود أي منافس لابنها الإسكندر في الحكم، فقد كان هدفها الأساسي أن تتوجه ملكاً.  

ويزعم بعض المؤرخين أن أوليمبياس أحرق ضرتها وابنها حتى الموت، فيما يقول آخرون إنها أجبرت ضرتها على شنق نفسها.

حرصت أوليمبياس أشد الحرص على تعليم ولدها الإسكندر كل فنون القتال، كما أرسلته ليتتلمذ على يد الفيلسوف والعالم الشهير أرسطو.

وكانت تخبره باستمرار عن نسبه النبيل وعلاقته بأخيل، وأن عليه أن يكون بطلاً أسطورياً مثله.

فكان تأثير أوليمبياس واضحاً في شخصية ولدها الذي قيل إنه لم يرث عنها حب العلم فقط، بل ورث عنها كذلك جموحه وشخصيته القوية وتعطشه للدماء.

وعندما تسلّم الإسكندر الأكبر عرش مقدونيا بدأ يوسع مملكته واشتهر بفتوحاته حتى عرف فيما بعد كواحد من أشهر القادة العسكريين والفاتحين عبر التاريخ.

وبحلول عامه الثلاثين، كان قد أسس إحدى أكبر وأعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم، والتي امتدت من سواحل البحر الأيوني غرباً وصولاً إلى سلسلة جبال الهيمالايا شرقاً.

وقد قال بعض المؤرخين إن أوليمبياس نشرت أسطورة مفادها أن الإسكندر الكبير ليس ابن الملك فيليب الثاني، بل هو ابن زيوس كبير الآلهة الإغريقية، وعملت على تأليه ولدها وترسيخ فكرة أنه وُلد ليكون عظيماً.  

بالرغم من أن علاقة الإسكندر بوالدته كانت ودية، فإنه لم يكن يفضل تدخلها بأمور السياسة، ومع ذلك كان لأوليمبياس سطوة كبيرة في مقدونيا في الفترات التي يكون فيها ابنها غائباً ومنشغلاً بفتوحاته.

وقد نشأت خلافات كبيرة بينها وبين أنتيباتر الحاكم الذي ولاه الإسكندر على مقدونيا خلال غيابه، إذ كانت تتدخل بقراراته وأعماله.

وعندما توفي الإسكندر الأكبر وهو في ريعان شبابه في بابل عام 323 قبل الميلاد، كانت زوجته روكسانا قد أنجبت له ولداً اسمه الإسكندر الرابع، وكان أحد الجنرالات العسكريين وصياً على ابن الإسكندر.

قرر حاكم مقدونيا أنتيباتر التقرب من هذا الجنرال بتزويجه ابنته، إلا أن أوليمبياس عرضت على الجنرال أن يتزوجها أو يتزوج ابنتها كليوباترا التي توفّي زوجها منذ فترة، فاختار الجنرال الزواج بكليوباترا.

أغضب هذا القرار حاكم مقدونيا وبدأت حرب طاحنة على الحكم بين الجنرالات والحكام وأوليمبياس التي كانت ترى أن من واجبها الدفاع عن حق حفيدها في الحكم كما دافعت عن حق أبيه.

إلا أن كساندر ابن أنتيباتر حاكم مقدونيا استطاع أن يسيطر على مقدونيا ويجبر أوليمبياس والجنرالات الموالين لها على الهرب إلى إيبروس مع الإسكندر الرابع ابن الإسكندر الأكبر.

لكن أوليمبياس لم تستسلم وخاضت حروباً دامية مع حلفائها في سبيل إعادة حفيدها إلى الحكم، واستطاعت الزحف نحو مقدونيا على رأس جيشها متغلبة على جيش شقيق كاساندر حيث أعدمته هو وأنصاره جميعاً.

استشاط كساندر، حاكم مقدونيا، غضباً بعد أن علم ما فعلته أوليمبياس بأخيه وحلفائه، فتوجه إليها على رأس جيش وحاصرها مع أنصارها في قلعة بيدنا.

وبعد أن طال الحصار قرر جيش أوليمبياس الاستسلام بشرط تعهد كساندر بإبقاء أوليمبياس على قيد الحياة، فوافق كساندر على ذلك.

إلا أنه وبعد أن دخل القلعة قرر إعدام أوليمبياس وزوجة الإسكندر الأكبر وابنه الصغير.

 وعندما أمر كاساندر بقتل أوليمبياس  رفض الجنود إيذاءها فهي والدة الإسكندر الأكبر في النهاية.

لكن كانت نهايتها الرجم حتى الموت من قِبل عائلات ضحاياها العديدين الذين قتلتهم في سبيل الحفاظ على عرش حفيدها.

وقال المؤرخون إن كساندر، حاكم مقدونيا، قد منع دفن جسدها بعد موتها، وهكذا ماتت أوليمبياس بعد خوض معارك دامية دون أن تشاهد حفيدها على كرسي الحكم الذي جلس عليه والده.  

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى